الحوار المتمدن - موبايل



الحاجة ماسة إلى بيريسترويكا كنسية

/ ماهر عزيز

2017 / 11 / 7
المجتمع المدني


الحاجة ماسة إلى
بيريسترويكا كنسية

بقلم
دكتور مهندس/ ماهر عزيز



بادئ ذى بدء... فأنا أرثوذكسى غيور على كنيسته المقدسة، ووصف مقدسة هنا ينسحب عليها من حيث هى والفروع الأخرى لكنيسة اللـه تكون جسداً رأسه المسيح الرب، وحديثى عن الإصلاح فى الكنيسة الأرثوذكسية إنما ينبع من هذه الغيرة ذاتها التى تأبى ما يُنسب للمسيح إلا نقياً بلا عيب يتكافأ عُلُواً مع رسالته المقدسة للعهد الجديد.

ولا يجادل اثنان فى أن الحاجة ماسة لإصلاح جسيم وجذرى فى الكنيسة الأرثوذكسية الآن... فالمظهر العام يوحى بالنهضة بينما الواقع الفعلى ينذر بالتهلكة... وها هى ذى البنية الهرمية للإكليروس تقبض على مقاليد العبادة بما يكرس سلطاناً متضخماً للكهنوت تتآكل معه قيم الروح، والطبقة العليا من الهرم المؤسسى بالكنيسة تكتسب بواقع المغالاة فى الكرامة التى يمنحها إياها الناس، وواقع السلطات المزعومة "مقدسة"، إمكانات تحكم ديكتاتورى مذهل... لو لم يكن حامله شخصاً مباركاً من اللـه حقاً لاستخدم هذه السلطات استخداماً تبدو شواهده للأسف فى مواقع عديدة مدمرة للإيمان، ومخربة للروح، وملقية على الكنيسة بظلال انهيار خليق أن يقصيها عن نعمة اللـه.

وتكرس الكنيسة ألواناً من التكريم الفجّ توطيداً لأركان هذا السلطان لتتحصن فيه دينياً ودنيوياً... بينما صوت المسيح العظيم يجلجل: "... وأما أنتم فلا تُدْعَوا سيدى" (لا تقبلوا البتّة أن يدعوكم الناس سيدى).. لكن السلطان المزعوم يطيح بألباب الأكثرية منهم فيمدوا تحكمهم من الدينى إلى الدنيوى ليقبضوا على الحياة وحدهم كأنهم القيمون على الأرض ومن عليها.

إن أول معاول الإصلاح هو ذاك الذى يتعين أن يضرب بشدة هذا السلطان المزعوم ليحل محله قيم "الأبوة" و"الخدمة" و"البذل" العظيم.

ولعلنى لا أبالغ إذا نبهت إلى أن كل معاول الإصلاح الأخرى ربما لن يمكنها أن تفعل فعلها المنشود إلا من هذا المدخل عينه، فعبادة الطقس على حساب الروح مبعثها كذلك أن ترتبط العبادة بالإكليروس بوصفهم المرتكز الوحيد للارتباط باللـه، مادامت الطقوس بأيديهم، ومادامت العبادة مربوطة بالطقوس.. فموكول إذن بمعول الإصلاح الثانى أن يُعلى من "الروحى" على "الطقسى"ومن "الجوهرى" على "الشكلى" ولا يدع استفحال الارتكان للطقوس الشكلية مدعاة لانهيار الروح.


-2-

ولعل واحداً من أهم معاول الإصلاح يتعين أن يتجه للخطاب الطائفى الأرثوذكسى... فلقد تمررنا كثيراً بخطاب متعصب متشنج يتربح به المتطرفون ويرفعون سيفه على رقاب الأرثوذكسيين بالحقيقة.. خطاب يصم كل ما هو غير مسيحى أرثوذكسى بالبعد عن اللـه... ويرفع حتى شأن الوثنية على الكنيستين الإنجيلية والكاثوليكية، ويتجمل بسعى شكلى ظاهر لوحدة الكنيسة بينما هو يدمرها فى الواقع.. ولعل المخرج أن يتفق الجميع على "ثوابت" المسيحية الخالدة ويقبلوا ببعض الاختلاف فيما هو "متحول"... أقصد ما هو مرتبط بالعبادات... "فالثابت الإيمانى إذن فى مقابل "المتحول" التعبدى ربما يكون مخرجاً إصلاحياً من نفق الطائفية المظلم، والخطاب الطائفى المتشنج البغيض.

معول إصلاحى آخر يتعين أن يفارق على نحو لا يترك مجالاً للخلط والالتباس بين ما هو "مقدس" وما هو "دنيوى"... بين ما هو "روحى" وما هو "فكرى"... فالواقع الراهن بالكنيسة الآن يرفع الكثير مما هو دنيوى وفكرى إلى مرتبة "المقدس"و"الروحى" فترتبك أمور كثيرة وتتعقد وتعود بالوبال على الكنيسة ذاتها ورأسها المسيح.

"المسألة المالية" كذلك تنتظر إصلاحاً عظيماً.. فهنالك كهنة فقراء وغيرهم مترفون، وهنالك أساقفة يتجمع لديهم مال وفير لكنهم لا يقدرون أن المال مال اللـه ويتصرفون فيه بإرادة بشرية على نحو لا دينى ولا روحى البتة... وإكليروس كثيرون خوفاً من الفاقة تحولوا إلى رجال أعمال لا هَم لهم إلا أن يعظموا ما يحرزونه من مال على حساب الرسالة الدينية... وأموال وفيرة تحت أيدى البعض منهم بينما جموع مسيحية غفيرة تعصف بها الفاقة وتنتظر فى بؤس بالغ عناية السماء... أما كنائس المهجر فحدث ولا حرج كيف السعى للمال يقوّض فى حالات كثيرة أركان الروح... فمن هو ذاك الذى يمسك بأول معاول الإصلاح ويطبق نظرية جديدة لجمع المال وتوزيعه بما يتحقق معه مقاصد اللـه؟

معول آخر لابد وأن يضرب بشدة على مآسى الأحوال الشخصية ليبدع معادلة جديدة للإصلاح خاصة إذا كان أحد طرفى العلاقة من الإكليروس حتى لا نفاجأ كل يوم، "بوفاء" جديدة تلطخ أسم المسيح المجيد لأنها عاجزة عن الفكاك من أسر علاقة مشوهة مستحيلة يكبلها زعم "المقدس" فلا تنفك عنها إلا بطعن المسيح.

ووجوه أخرى عديدة للواقع الكنسى الراهن تنتظر معاول الإصلاح لا يتسع لها مقام هذا المقال الصغير أرجو أن أفصلها قريباً فى كتاب مستقل.

إن الحاجة الماسة للإصلاح فى الكنيسة تترسخ فيها الآن عناصر ما نسميه بالركود، وظواهر أخرى غريبة على المسيحية والكنيسة تشكل نوعاً من "الدولاب الكابح"... فالحدافة الضخمة لآله قوية تدور بينما نقل الحركة منها إلى مواطن العمل يتبدد... ويتبدد معه خلاص النفوس.

[هذا المقال كتب عام 2005 ولكنه لم ينشر حينها على نطاق واسع]







التعليقات


1 - اعتقد ان العنوان غير
مجدي ميخائيل ( 2017 / 11 / 7 - 20:17 )
مناسب و سطحي جدا فكلمة الاصلاح الكنسي توحي ان الكنيسة بمفومها الحالي اي طبقة رجال الدين او بمفهومها الاخر المؤسسي تعيش بمعزل عن المجتمع
وكنت افضل عبارات مثل -اصلاح الفكر المسيحي- فالاصلاح الحقيقي ليس اعادة ترتيب وتنظيم اداري ولكنه بمفومه الصحيح يعني اعادة النظر في الفكر المسيحي بشكل عام ومحاولة اعادة لفهم الانجيل واكتشاف مكامن الخطأ

اخر الافلام

.. أخبار عربية 0- -سيلفي- لدعم المهاجرين الأفارقة في ليبيا


.. منظمة العفو الدولية: الروهينغا ضحايا سياسة -فصل عنصري- في -س


.. أخبار عربية - الأمم المتحدة: على كردستان الاعتراف بـ-بطلان ا




.. أخبار عربية وعالمية -الاتحاد الافريقي يحقق في عمليات بيع الم


.. لماذا تأخر رد أنطونيو غوتيريش بشأن استعباد المهاجرين في ليبي