الحوار المتمدن - موبايل



المواطنة ولوازمها في التداول العربي الإسلامي المعاصر : الأفق المستعار والعمق المستعاد

لحسن تفروت

2017 / 11 / 13
المجتمع المدني


يولد تداول مفهوم " المواطنة " في اللسان المنقول عنه، في المجال التداولي الغربي الذي ولد وترعرع فيه، عدة ملاحظات منهجية، منها:
- " المواطنة " مفهوم كلي، يتضمن، من حيث الماصدق، عدة عناصر، كالوطن والانتماء، والحق والواجب ...
- لمفهوم المواطنة مقتضيات لا يستقيم مغناه إلا بها، كما له لوازم وثمرات تشهد على على تحققه أو عدمه.
- تقتضي المواطنة وجود " المواطن " والوطن وعلاقة التوطن أو الانتماء الى وطن، مع ما يترتب عن ذلك من شروط قانونية واجتماعية وسياسية.
- تستلزم المواطنة، عند تحققها، تمتع المواطن بحقوقه وقيامه بواجباته، في ظل دولة الحق والقانون، دولة العدل والأنصاف، دولة تضمن الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص ..
- رغم جريان ألسنة الجمهور بنتاول لفظ " المواطنة " بصيغة المفرد، فإن التداول الصحيح يستدعي الإقرار بان للفظ معاني متعددة، معاني قد تتفاضل بالترتيب أحيانا، تتعلق بطبيعة المتكلم وبنوعية وطن المواطنة، أي بنوعية المجتمع السياسي الذي تروج فيه هذه المواطنة. لهذا، فالمواطنة لا تصح الا جمعيا، أي بصيغة الجمع. فنكون أمام " مواطنات " وليس مواطنة، أمام أنواع من المواطنة، وليس مواطنة واحدة. لا يتعلق الأمر بمواطنة من درجة أدنى ومواطنة من درجة أعلى ومن درجة أقصى، بل المقصود هو خضوع مفهوم المواطنة للتأويل، سواء تعلق الأمر بالتنظير أو بالتطبيق. فالمواطنة عند مونتسكيو ليست هي نفسها عند روسو، كنا أن المواطنة الفرنسية ليست هي المواطنة الأمريكية.
- ليس معنى المواطنة ثابتا في معناه ولا مستقرا في مبناه، فالمفهوم بنية تتفاعل عناصرها ليترتب عن ذلك تغير في مقاصدها. فالمواطنة مفهوم تتشكل معانيه وفق التغير التاريخي، إن لها بنية " دياكرونية " متغيرة، وليس بنية مستقرة " سانكرونية ". فمعاني " المواطنة " تنساب تاريخيا. ودلالاتها الأولى ليست هي المعمدة اليوم. فالمعنى الذي نلبسه للمواطنة ما فتئ يتغير حسب الشروط التاريخية والظروف الجيوسياسية التي يعيش وطن المواطنة.
- لم تعد المواطنة محصورة على الوطن بالمعنى الضيق، على القطر والبلد، على الإنتماء الى رقعة جغرافية تحددها اللغة أو الجنسية الوطنية، فالمواطنة هي الأخرى تأقلمت مع رياح السياسة الدولية، فنجد اليوم والمواطن الفيدرالي، والمواطن الأوروبي، والمواطن العالمي.
هذه الاعتبارات تلزم المتكلم في شأن المواطنة ومشتقاتها في المجال التداولي العربي الإسلامي بأن يستحضر خصوصيات كل من المجال الأصلي لمفهوم المواطنة والمجال الذي تم تهجير المفهوم إليه.
و التفكير في موضوع المواطنة، في غير موطنها الأصلي، كما تم التعامل معها في المجتمع العربي الإسلامي، يولد هو الآخر مجموعة من الملاحظات حول مبناه ومعناه، وحول مشروعية إعماله في مقام النظر السياسي العربي الإسلامي كما في مجال التطبيق الفعلي. فمفهوم " المواطنة " ليس مجرد لفظ يمكن فك عقده الدلالي بالترجمة إلى العربية. إنه مفهوم إشكالي تعترض عملية تقريبه وتأصيله العديد من الصعوبات الثقافية والتاريخية والسياسية. وبالفعل، فمفهوم " المواطنة " باللسان العربي، يستلزم استذكار المعطيات التالية :
- يحيل لفظ " المواطنة "، في رسمه العربي، إلى مفهومين مختلفين حدا، في الأصل الأجنبي، هما : patriotisme و citoyenneté، وتتم الترجمة العربية للفظين بلفظ " المواطنة " كمكافئ دلالي واحد. ورغم ألفة هذا العرف اللغوي، فإن عملية النقل والترجمة تطرح تساؤلات لابد للناظر في مجال الفكر السياسي وعلاقته بالمواطنة وعناصرها من التحفظ على هذا الاختيار.
- لا نجد في معاجم اللغة العربية إعمالا للفظ " المواطنة "، رغم تداول بعض أقاربها، بعض الألفاظ المنتمية لعائلتها اللغوية، كالوطن والانتماء والأمة ...
- إذا كان تداول " المواطنة " عربيا مستحدثا، فإن استخدام بعض لوازمها هو استخدام لألفاظ تراثية عربية قديمة وشحنها بمعاني جديدة، هذا ما يظهر مثلا من خلال الكلام عن الوطن والمواطن والدولة ... فالتعامل مع هذه الحدود يخضع لنوع من التأويل، لقراءة هذا الناظر أو ذاك. فالعملية تخضع لما يعرف بالعرف اللغوي والعرف السياسي. هذا العرف الذي يقتضي إهمال المعنى الأصلي للفظ، وإعمال معنى أو معاني جديدة، بحيث يعتمد المعنى الجديد ويتم نسيان المعنى القديم وفق عامل الإهمال التداولي.
- عادة ما يحيل لفظ " المواطنة " إلى مقابله الأجنبي الليبرالي، وهذا أمر ظبيعي مادام المترجمون العرب، الأوائل والأواخر، يربطون المفهوم بالأصل الفرنسي patriotisme و citoyenneté، أو بالأصل الانكلوسكسوني citezenship، وهذا ما يجعل الدلالة العربية المترجمة مصابة بضيق في التصور، فالمواطنة تقيم في لغات أخرى وفي بلدان غير فرنسا وانجلترا. فالعالم أوسع، والمواطنة تسع لدلالات أخرى، دلالات يجب الكشف عنها للتحرر من قطبية دلالات " المواطنة "، ففي توسيع المعنى وفي الانفتاح على لغات أخرى، يمكن أن تظهر معاني أخرى، معاني يمكن أن تصحح ما اعتادناه وألفناه من معاني المواطنة العربية.
- إن بلوى استيراد " مفهوم المواطنة " ومشتقاته، ومحاولة توطينه أو استيطانه في البيئة العربية الإسلامية، أنتجت لدى أصحابها كما لدى جمهور القراء العرب تأويلا مخصوصا لمفاهيم عربية أصيلة. فأصبحنا نجد سوء التأويل في الكلام عن مفاهيم عربية أصيلة. والسبب هو أن نظارات المتأثرين والمغرمين بالسياسة الغربية في أصلها، حالت دون الفهم الصحيح للمفاهيم التراثية. فمثلا تم تأويل مفهوم " الدولة " و " الأمة " و " الرعية " و " المدنية " ... بل تم إصدار أحكام و انطباعات قدحية حيال هذه المفاهيم التراثية. وولمثيل نشير إلى لفظ الرعية " التراثي الذي تم خلطه مع لفظ sujet ، والراعي مع لفظ pasteur، وهذا ما نتج عنه التنقيص من الدلالة العربية لصالح الدلالة الغربية.
يظهر إذن من خلال هذا التقديم أن النظر في " المواطنة " ومشتقاتها لا يكون إلا نظرا مزدوجا، إي تناولا يميط اللثام عن تشكل المفهوم في أرضه، المجال الذي استبت فيه. ثم الكشف عن بعض الجوانب المغمورة للمفهوم في المجال التداولي العربي الخالص، في استقلال عن التأثير الغربي. وهذا الفصل هو الذي سيمكن من الوقوف على وجوه الاتصال في محاولات التأسيس العربي لتصورات جديدة عبر المزج بين المعاني النقيلة، المعني الخارجة، والمعاني الأصيلة.
داخل هذا التزاوج يتحدد غرضنا من هذا النظر. ففرضيتنا تتلخص في القول أن مفهوم " المواطنة " العربية، بمقتضياتها ولوازمها، بثمراتها و مظاهرها، بصيغتها ومنظومها، وبمبناها ومعناها، صيغت بيدين، فهي تزاوج، على الأقل، بين لسانين. فالتداول العربي للفظ " المواطنة " غرف المعاني واستورد الأفكار من الغير، من مجال آخر، من المجتمع الغربي، وشحن الألفاظ العربية الأصلية بتلك المعاني، بل خلق الشروط لانتعاشها وتوطنها لسانا وممارسة.
تناول مفهوم المواطنة عربيا يتطلب النظر في هذا الأفق المستعار من جهة، وفي هذا العمق المستعاد من جهة أخرى. والمقصود بالأفق المستعار هو الطموح والحلم العربي الذي حرك العربي المسلم للانفتاح على الغير، على الترسانة السياسية والقانونية والحقوقية للغرب، هذا الانفتاح المهووس بالحداثة والتقدم، الحالم بتأسيس " الدولة الوطنية ". فالأفق المستعار ليس فقط نماذج سياسية وعسكرية، إنه " براديغم " فكري وفلسفي وعقائدي. لكن هذه البضاعة المستوردة لم تفد على أرض أشبه بالصفحة البيضاء. فالوافد الجديد سيصادف وسيصطدم بمفاهيم وطنت ارض العرب والمسلمين منذ أمد بعيد. هذا ما نصطلح عليه بالعمق المستعاد. فالتراث العربي الإسلامي حافل بمفاهيم سياسية تلامس المسائل المتعلقة بالمواطنة، بل ونجد إرثا فكريا وفلسفيا وصوفيا وعقائديا يتناول الإنسان والشخص والهوية والانتماء ... لكن برؤى مختلفة، ووفق تصورات مخصوصة.
نحن أمام نوع من التقابل بين الأصيل الذي تم بعثه وإحيائه، وهو العمق المستعاد، وبين الدخيل المستورد، وهو الأفق المستعار. وداخل هذه الثنائية تتحد فرضية هذا العمل، هذه الفرضية التي تسعى إلى تبيان خصوصية كل أفق، مع رصد بعض المحاولات التي جمعت بين الأفقين، إما على سبيل الوصل أو الفصل. فنصوغ إشكاليات هذه الفرضية في التساؤلات التالية :
ما هي مبادئ و خصوصيات وملامح " المواطنة " ومشتقاتها في الأفق المستعار ؟ كيف تأسست تلك المفاهيم في الأصل الغربي ؟ وما هي مميزات المقابلات العربية للمواطنة ولوازمها في الإرث العربي الإسلامي ؟ وما هي السبل المعتمدة في الوصل بين المستعار والمستعاد عند العرب المحدثين والمعاصرين ؟ وما هي حدود هذا المزج والتزاوج ؟ وهل ثمة إمكانيات لخلق أفق جديد للمواطنة ومشتقاتها ؟ و هل يمكن تجاوز مرحل تأويل الأفق المستعار إلى مرحلة إبداع أفق عربي إسلامي آخر اكثر ملائمة وواقعية وأجدى قيمة على مستوى التطبيق ؟
هذه التساؤلات، وما يمكن أن تولده من مسائل فرعية، هي ما سيشكل الخيط الناظم الذي تهتدي ته هذه المقاربة لفك عقد هذه الفرضية. لهذا يلزم ملامسة جوانب هذا النظر عبر تفصيل القول في العناصر التالية :
- " المواطنة " في موطنها الأصلي: الملزومات واللوازم
- مشتقات " المواطنة " في الأصل التداولي العربي الإسلامي
- مسألة مواطنة " المواطنة " في الراهن العربي الإسلامي.
- نحو تجديد " مواطنة " عربية إسلامية







اخر الافلام

.. أخبار عربية 0- -سيلفي- لدعم المهاجرين الأفارقة في ليبيا


.. منظمة العفو الدولية: الروهينغا ضحايا سياسة -فصل عنصري- في -س


.. أخبار عربية - الأمم المتحدة: على كردستان الاعتراف بـ-بطلان ا




.. أخبار عربية وعالمية -الاتحاد الافريقي يحقق في عمليات بيع الم


.. لماذا تأخر رد أنطونيو غوتيريش بشأن استعباد المهاجرين في ليبي