الحوار المتمدن - موبايل



سلطة الأبناء على العائلة

نادية خلوف

2017 / 12 / 1
المجتمع المدني


يقال أنه على الآباء والأمهات أن يجرّبوا تعليم أطفالهم على الحكم الذاتي منذ سن الثانية، وهي سنّ الصراع على السلطة. حيث تبدأ معركة فرض الإرادة غالبا و التي تستمر طوال مرحلة الطفولة وفي سن المراهقة. وبحلول نهاية مرحلة المراهقة، يكون هناك اتفاق متبادل غير معلن على أن الشاب البالغ من حقه أن يدير حياته الخاصّة، لكن سنّ المراهقة تنتهي مع بدء العمل و الحصول على الدخل، وهذا عادة صعب، لذك نرى المراهقين في سن الأربعين ينافسون طلاب الجامعة الجدد في استكمال سنّ المراهقة ، وسن المراهقة مفتوح عنده، فهو مستعد لغادرة الأسرة من أجل استمرار تألّقه كمراهق، وربما والزواج بأخرى أوضح الأشياء، ولو أعطى أولاده بعض النفقة يعتبر نفسه أباً مثالياً .
عندما نتحدّث عن إدارة الولدين للصراع بينهم وبين أولادهم منذ الطفولة ، والمراهقة، وترك الحرية لهم في اتخاذ قراراتهم فإنّنا نتحدّث عن مجتمع ناضج، ربما لم نره بعد، فالإنسان ابن بيئته مهما حاول أن يتغيّر مادام لا يعرف غير تلك البيئة، وإن لم يحاول توسيع عالمه يصبح عبداً لبيئته وهو ما يدعى بالتّقاليد.
أتحدّث عن ظاهرة عامة تسود المجتمع العربي عامّة والسوري خاصة حيث أصبحت القيم الاجتماعيّة في الدرك الأسفل. ترى الأبناء الذين ينفقون على والديهم أو على أحدهما يتحكمون بحياة المسنّ منهما، وكلمة مسنّ هي خاصة بنا، فقد كنت أخجل عندما كنت في الستين أن ألقي نكتة، أو أرقص مثلاً لأنّه لا يناسب عمري، لكنّني أشعر أن عليّ فعل ذلك، وهو من حقّي. هذا مثال عرضي، ولكن الأهمّ أن نعرف متى تقلب السّلطة في العائلة من الأب إلى الأولاد وربما تكون السلطة في يد فتاة ليس بالضرورة أن تمثّل الأنثى بل تمثّل القيم الذكورية.
قد يكون للأب سلطة على أولاده في الطفولة والشباب لو كان غنيّاً ويسمعهم من طرف اللسان حلاوة، لكنّهم لن يكونوا حقيقيين، ويبقون ممتنين له طالما يقدم لهم المال. لذا نستثني هذه الفئة، لكن لابد من القول أنّه لا سلطة للأمّ في أيّة بيئة. سلطتها هي إدارة المنزل، وصرف دخلها-إن كان لها دخل-على الطعام والشراب، وعلى خصوصيات زوجها، فنحن كأمّهات ندرك جيداً أنه لاحول ولا قوة لنا، نحن مسؤولات عن صنع التبولة عندما يكون مناسبة يحبّها الزّوج، وقد قالت لي إحدى المحاميات: أشعر أنني بحجم ذبابة. البارحة دعا زوجي وجهاء الحزب إلى العشاء، وكانت مطربة الحزب بينهم، وقد تعامل معها زوجي كآلهة، وعندما استيقظت ابنتي ذات الثلاثة عشر عاماً في الصباح قالت لي: " كأنّني لا أحبّ أبي"
كان لدينا قضيّة مراهق في المحكمة . كان في العاشرة عندما سرق من عمّته المال، اشتكت عليه، وأودع سجن الأحداث، وخلال سير الدعوى، وكان قد بدأ يظهر له شاربان قال لي: قد اقتل والدي وعمتي. فوجئت ، سألته لماذا؟ قال أبي علمني ان أسرق عمتي وهو من أخذ المال، وعمتي حقيرة مثل أبي اشتكت عليّ مع أنني قلت لها الحقيقة. دمرا حياتي.
لن يبقى الأبوان شابيّن. سيأتي يوم لا يكون الأب فيه قادراً على العمل، ولا الأمّ، أو قد يلمّ بأحدهما مرض، ونحن مجتمع ليس فيه ضمانات اجتماعية. فقط هم الأبناء، وعندما يصل الآباء إلى تلك المرحلة تظهر عملية انتقامية مخفيّة يعتقد الابن أنّها سليمة، وأنّه يقدّم أقصى ما عنده، وفي إحدى المرات كنت في زيارة لعائلة تسكن أم الزوج في بيتهم. طبعاً الأطفال يتغامزون عليها، وهي تحاول أن تعيش ، يسخرون من صلاتها، وبينما حاولت أن تتكلم رد عليها ابنها. قال: كلي واشربي، وارمي صحنك، وكفي عن التدّخل أي أن حقوقها مثل حقوق أي حيوان أهلي. ان تأكل وتشرب، وترمي صحنها في المجلى فقط، ما تبقى ممنوع، إنّه التّحكم المفروض بسبب الظّروف، وأحياناً قد يكون الأبناء معذورين فهم أنفسهم ليس لديهم مصدر للعيش.
إنّها السّلطة التي تتبدّل مع العمر، ولن أنسى ما قالته لي إحداهنّ، وكانت في الستين من عمرها تعيش مع ابنتها الأرملة بعد ان تخلى عنها أولادها الذكور: ليتني اموت اليوم. أشعر أنّني كالكلب في هذا المنزل. أمارس حياتي في السّر. كل شيء ممنوع عليّ.
أغلب السوريين لن يوافق على رأيي. يرغب أن لا يعرف الحقائق في الحياة القريبة منه، فلو عرفها عليه أن يحلّها، وهذا متعب له، لكن أهم خطوة يمكن البدء فيها-فيما لو أصبح لدينا نطام عادي ، وليس متطوراً جداً . أن تبدأ الخطوة الأولى وهي حماية المسنّ اجتماعياً بتأمين الحد الأدنى للمعيشة له، والطبابة، والسكن. هل يبدو الأمر صعباً. بالطبع لا.







اخر الافلام

.. فلسطينيو 48 يتظاهرون في سخنين انتصارًا للقدس


.. المصادقة على -ميثاق تونس- لحماية اللاجئين والمهاجرين


.. أردوغان: سنبادر على صعيد الأمم المتحدة لإلغاء القرار الأمريك




.. سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة تدعو لتشكيل تحالف ضد ايران


.. أجواء متوترة في صنعاء جراء الاعتقالات على يد الحوثيين