الحوار المتمدن - موبايل



التهميش والاقصاء وأثره السوسيو-نفسية

غاي فاطمة

2018 / 3 / 13
المجتمع المدني


فاطمة غاي
التهميش والاقصاء وآثاره السوسيو- نفسية.
ملخص المداخلة:
على الرغم من الطبيعة الملتبسة لمصطلح الاقصاء والتهميش الاجتماعي كمفهوم فقد تم صقله تدريجيا وأظهر قدرة على تفسير تراكم عمليات لها أصولها في قلب السياسة والاقتصاد والمجتمع، وتحديد المسافة بين الأفراد والجماعات والمجتمعات في علاقتهما مع مراكز السلطة والموارد والقيم السائدة، كما بات من الواضح بشكل متزايد أنّ مفهوم الاقصاء يكمل ذلك المتعلق بالفقر.
فالهدف الأساسي من هذها الطرح هو إبراز أهم أسباب وعوامل الاقصاء والتهميش الاجتماعي، وكيفية تأثيره السوسيو-نفسية على الفرد والمجتمع.
الكلمات المفتاحية:
الاقصاء، التهميش الاجتماعي، الاستبعاد الاجتماعي، التمييز العنصري.

Résumé:
Malgré la nature ambiguë du terme exclusion et marginalisation sociale, elle s est progressivement affinée et a démontré sa capacité à expliquer l accumulation de processus au cœur de la politique, de l économie et de la société et à déterminer la distance entre les individus, les groupes et les communautés. Le concept d exclusion complète la pauvreté.
L objectif principal de cette intervention est de mettre en évidence les principales causes et facteurs d exclusion et de marginalisation sociale ainsi que l impact socio-psychologique sur l individu et la société.
Mots-clés:
Exclusion, marginalisation sociale, exclusion sociale et discrimination raciale.

مقدمة:
تداول الفكر الإنساني على مدى العصور القديمة ثم العلم الإنساني والاجتماعي في العصور الحديثة " قيمة المساواة" وأهميتها، حيث حكمت الشعوب بالعدل الاجتماعي، وأدخلت ذلك في مذاهبها ورؤاها الطوباوية ثم فلسفتها ونظمها الدينية والأخلاقية والقانونية، ومازالت المساواة ومازال العدل بعيدين عن الواقع وعن الناس، لكن العلم الاجتماعي المعاصر وضغ أيدينا على معنى ملموس للعدل ومؤشر صادق للمساواة، فالمساواة هي إندماج الناس في مجتمعهم على أصعدة الإنتاج والإستهلاك والعمل السياسي، والتفاعل الاجتماعي، أما اللامساواة فتعني الإقصاء والتهميش والإستبعاد أو الحرمان من هذه المشاركة.
فالاقصاء والتهميش الاجتماعي مفهومين ربما يكونان أكثر حداثة في القاموس الثقافي، وهذا لا يعني أنّ ميدان الدراسات الاجتماعية لم يلتفت إليه لكونه ظاهرة جديرة بالإهتمام، حيث أصبحا يمثلان مفهومين متلازمين وهما مرتبطان ببعضهما البعض، فإشكالية التهميش الذّي يعيشه الفرد أي كان في مجتمعه مرتبط بإقصائه الممنهج من الحقوق السياسية والاقتصادية المبنية على اللاعدل واللامساواة، والاقصاء والتهميش الاجتماعي اليوم على غرار دول العالم تعرف بلادنا مجموعة من التحولات البنيوية وتاجه مشاكل هيكلية وحالات كثيرة من الاستبعاد والحرمان.
ومن خلال هذا الطرح سوف يتم التطرق إلى ماهية الأقصاء والتهميش الاجتماعي، مع تحديد أهم الأسباب والعوامل للاقصاء والتهميش، مع إبراز أهم الآثار السوسيو- نفسية للاقصاء والتهميش على الفرد والمجتمع.
وعليه يمكن طرح التساؤل التالي: ما المقصود بالإقصاء والتهمميش الاجتماعي؟ فيما تتمثل أهم أسبابه وعوامله؟ وما هي أهم الآثار السوسيو- نفسية للاقصاء والتهميش على الفرد والمجتمع؟

أولا: ماهية الاقصاء والتهميش الاجتماعي:
1/ـ مفهوم الاقصاء:
إن مصطلح الإقصاء يقع الآن في قلب النقاش حول الاجتماعي وهو يتخذ نفس المكانة التي اتخذها مصطلح العوز في القرن التاسع عشر (Le paupérisme) لقد ظهر الاصطلاح في الستينات ضمن حقل العلوم الاجتماعية وعرف استعمالا موسعا في السبعينات وقد شكل هذا الاصطلاح مخرجا نظريا ومنهجيا للمأزق الذي وجدت فيه الدراسات حول الفقر نفسها خصوصا عندما أرادت قياس الفقر في المجال الأوروبي ، فقد تمكنت به من العبور من مقاربة وتعريف جامد للفقر يعتمد القياس النقدي إلى مقاربة ديناميكية ومتعددة الأبعاد للسكان غير المحظوظين، المقصيين وهو ما وسع الأبحاث المتعددة المراحل في هذا الحقل على المستوى المنهجي ونظرا لما اتسم به استعمال المصطلح من سهولة وعمومية فإنه صار مصطلحا أفقا( ).
و لم يكن لهذا المفهوم ان يتخذ مكان الصدارة في السبعينات عندما كان مصطلح اللامساواة يحتل صدارة الخطاب الاجتماعي والسياسي غير أن قصور مفهوم اللامساواة عن التعبير عن ظاهرة القطائع و أزمات الهوية التي تميز مسار الإقصاء قد فرض الالتجاء إلى المفهوم الجديد، فهشاشة وضع الأجراء مثلا لا تنتج عن علاقة الهيمنة في العمل بقدر ما تنتج عن أوضاع غير يقينية تترجم عبر القلق الفردي في مواجهة خطر البطالة المحتملة وعدم الاندماج في حياة المؤسسة الاقتصادية والضياع التدريجي للهوية المهنية . لقد أعطى العمل في السابق هوية للأفراد أمامسارات العمل الحالية فتلغيها فتنتج الإقصاء . وهذا الارتباطبين مضمون الهوية مع مضمون الإقصاء كان سببا في سيطرة استعمال مفهوم الإقصاء إذ بين قدرته على تسليط الضوء ولو بصفة ضمنية على أزمة الرابط الاجتماعي دون ان يقطع بالضرورة مع مفهوم اللامساواة .
كما نجد أنّ أهم ما يميز مفهوم الإقصاء هو هذا الطابع الرجراج وغير الدقيق وتعدد المفاهيم المقاربة له والتي تتطابق معه أحيانا مثل الفقر المتعدد الأبعاد ( )، والحرمان وفقدان الأهلية والحرمان من الانخراط ، وهذا التردد يبرز بالخصوص لا يقينية علماء الاجتماع أمام حقيقة يصعب حصرها ، ان الإقصاء الاجتماعي يمكن ان يفهم من زاويتي نظر مختلفتين ولكن متكاملتين اكثر مما هما متضادتين فالإقصاء يمكن ان يفهم على انه صعوبة في الاندماج ويبحث عن أسباب ذلك لدى الفرد ، ولكن يمكن معالجته من زاوية إجمالية إذ هو خطا في القدرة على الادماج ، ويبحث عن أسبابه في المجتمع نفسه وإذا كانت المقاربة الأولى قد سيطرت في سنوات الرفاه فان تعدد أشكال الفقر الجديدة قد دفع إلى استعمال المقاربة الثانية، ذلك انه في سنوات الثمانين ظهرت للوجود أشكال جديدة للفقر فلم يعد الإقصاء يعني الفئات الفقيرة تقليديا أو المنحرفين أو المنبتين عن كل ارتباط و إنما وفي سياق من تدهور أوضاع التشغيل صار الإقصاء يتسع ليشمل عددا أوسع من الناس الذين لم يعتادوا على الفقر وأمام الخوف من خطر انقسام المجتمع إلى قسمين يرمى أحدهما خارج دائرة النشاط المنتج وداخل دائرة المساعدة وسع استعمال مفهوم الإقصاء ووضع في قلب النقاش في المسالة الاجتماعية.
يظهر من عمل المعجميين ان هناك تأكيد على هذا الجوار المفاهيمي بين الإقصاء والفقر و التهميش وانكسار الرابط الاجتماعي سواء بين الأفراد والمجتمع ككل وبين بعض المجموعات الاجتماعية والمجتمع مما يدعو إلى مزيد من توضيح المفهوم في علاقته بالرباط الاجتماعي
2/ـ مفهوم التهميش الاجتماعي:
التتهميش الاجتماعي هو الحرمان الاجتماعي والإبعاد على هامش المجتمع. وهو مصطلح يستخدم على نطاق واسع في أوروبا واستخدم للمرة الأولى في فرنسا. ويتم استخدامه في مختلف التخصصات بما في ذلك التعليم وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة والاقتصاد( ).
كما يمكن تعريفه بأنه عملية منع الأفراد بشكل منهجي من (أو رفض الوصول الكامل إلى) مختلف الحقوق والفرص والموارد التي تتوفر عادة لأعضاء مجموعة مختلفة، والتي هي أساسية لتحقيق التكامل الاجتماعي ضمن تلك المجموعة المعينة (على سبيل المثال السكن، والعمل، والرعاية الصحية، والمشاركة المدنية، والمشاركة الديمقراطية، والإجراءات القانونية الواجبة".
نتائج التهميش الاجتماعي هي أن الأفراد أو المجتمعات المتضررة يمنعون من المشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية للمجتمع الذي يعيشون فيه( ).
 تهميش الافراد:
التهميش الاجتماعي على المستوى الفردي هو إقصاء الفرد من المشاركة الفعالة في المجتمع. ومن الأمثلة على ذلك استبعاد الأفراد ذوي الإعاقة من القوى العاملة.
 تهميش المجتمع:
العديد من المجتمعات تعاني من الإقصاء الاجتماعي، مثل التمييز العنصري، على سبيل المثال، السود، أو النظام الطبقي في الهند، أو مجتمعات السكان الاصليين، مثل ما حدث للهنود الحمر (هنود حمر)، السكان الاصليين للولايات المتحدة (الشعوب الأصلية في الأمريكتين) أو سكان أستراليا الأصليون سكان أستراليا الأصليون) أو الروهينغا) في ولاية أراكان غربي بورما أو ميانمار.
الإقصاء الاجتماعي هو نتيجة نظام مجتمعي محدد لا يمكن ببساطة تفسيره عن سبيل مواصفات المقصيين، بمعنى أنه ليس شأنا شخصيا ولا أمرا عارضا. صحيح أنه ينحو إلى اعتبار الأفراد فوق كل الحدود، بينما يتم حشرهم داخل عينات أقل اعتبارا، فالقول بالنسبة لشخص على أنه مقصى يعتبر رسالة، ما إن يتم تشفيرها على ضوء مقولة الشرط المزدوج للأنثربولوجي «باتسون» Batson - التي تعرض المواقف عند بحث رسائل التمثلات المتناقضة - حتى يصبح الشخص نفسه من أعقد القضايا التي يجب عمليا حلها، مما يعني أن العائق أمام إيجاد الحلول لا يكمن في صعوبة اللغة أو نمط التواصل بشأنه، إذ هناك بالطبع إمكانية البرهنة على أن الحالة ليست بمنعزلة، فاللائحة عريضة تشمل ذوي الحاجة، المعاقين، المنحرفين سلوكيا... إلخ إن الإقصاء هو عصارة تاريخ وتفاعلات عدد لا حصر له من العوامل حددها -بيكر- في مستويين اثنين( ):
ردود أفعال الجماعة وكذا المؤسسات الاجتماعية المعنية. إنه بالتأكيد لمن الأهمية إدراج المعرفة، التحليل والعمل على جدول المسببات وبعض العوامل الموضوعية للانحراف مثلا، بهدف تقليصه والسماح للمعنيين بالإدماج الاجتماعي، تحسين شروط الحياة والعيش.
الفعل التنموي بكل مضامينه، إلا أن هذا التحليل غير مقنع بحسب "كوسلان" Gosselin الذي يبين من خلال دراساته أن محدودية وضعف المستوى الم، مستدلا بأن أكثر من نصف مناصب بالمتوسط الشغل المتوفرة بفرنسا لا تتطلب في الواقع أي كفاءة أو تأهيل.
ثانيا: أسباب وعوامل الإقصاء والتهميش الاجتماعي:
1/ـ عوامل الاقصاء والتهميش الاجتماعي( ):
عوامل ذاتية فردية أو مجتعية: ركزت على عوامل القلق والإستياء الذّي يشعر به من يجد نفسه غير قادر على تحقيق طموحاته الشخصية أو طموحات القريبين منه، أو إختيار الإقصاء طوعا وإراديا باعتباره وسيلة لتنشيط الإبدراع الفني والفكري لدى فئات اجتماعية معينة أو خرق القوانين أو الأعراف السائدة، كمّا ركزت على الحواجز الاجتماعية التّي تقيمها مجموعات بشرية لتفصل بينها وبين الآخرين وتقوم بإقصاء كلّ من لا ينتمي إليها.
عوامل سياسية: ركزت على غياب ثقافة المشاركة والديمقراطية بإعتبارها المسؤولة عن تحديد مستويات إدماج الأفراد والجماعات أو إقصائهم، ولذلك يعتمد تحليل الإقصاء السياسي على دمج الإقصاء السياسي عن إنعدام مشاركة غالبية أفراد المجتمع في الآليات المؤسسية المعينة بإدارة الشأن العام.
عوامل اقتصادية: تذهب إلى أنّ مفهوم الإقصاء يولد وينمو من الإقصاء الاقتصادي، غير أنّ ولادة النظرية الاقتصادية لم تهمتم بالإقصاء الاقتصادي على الرغم من أنه يشكل أبرز أوجه الإقصاء، إذ أنّ المقارنة الاقتصادية تقوم على نموذج الندرة، ويعتبر ضحايا الإقصاء أعداد فائضة من البشر، أو أضخاصا فاشلين أو أشخاصا يصعب تصنيفهم...إلخ، ويقوم قياس الإقصاء الاقتصادي على تحليل وضعية الأفراد في سوق العمل، أو تحديد من يوجد داخل هذه السوق أو خارجها، وعلى فكرة وجود سوق عمل بمستويين بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي، وبين القطاع النظامي وغير النظامي، وطبيعة العلاقة بين المشتغلين والعاطلين عن العمل.
عوامل ثقافية: تشير إلى أنه عندما تحدد الجماعات البشرية إنتماءاتها من خلال الرجوع المطلق إلى بعض الأطر الثقافية الخاصة تكون بذلك قد أقصت كل من لا ينتمون إلى تلك الأطر، وشهد التاريخ الإنساني العديد من حالات الإقصاء التّي إرتكزت على أسباب ثقافية وأدت إلى إللغاء الآخر.
عوامل إثنية ودينية: توضح أنّ الإقصاء يرتبط أحيانا بواقع الأقليات الإثنية والدينية نتيجة لإفتقار العديد منها للحقوق الأساسية وحرمانها من حق التمدرس والإستفادة من الخدمات الصحية والعمل في المؤسسات الحكومية، كمّا أنّهم بالإضافة للإقضاء المؤسسي يعانون من الإقصاء الاجتماعي نتيجة عادات وممارسات تميزية ترسخ في وعي العديد من مكونات المجتمع ضد أقليات تعد من المكونات المجتمعية، وكذلك التاريخية لهذذه الدول حيث يعود وجودها إلى عقود وحتّى قرون من الزمن.
وتفرز هذه الأوضاع الإقصاء الذّي يعكس بدورخ تفسخا في شبكة العلاقات في المجتمع، وعدم التجانس بين القيم السائدة وتتجلى هذه العوامل المؤسسية للإقصاء على المستوى الشخصي " الجزئي"، ( ) وفي علاقة النساء والرجال، وفي علاقة الأفراد فيما بينهم ومع الجماعات والمؤسسات الرابطة " المستوى المتوسط"، وكذلك من خلال التفاعلات المتعددة في المجتمع الكلي، غير أنّ الإقصاء الاجتماعي منفصل عن الإقصاء السياسي والاقتصادي، فهذه الأوجه المختلفة للإقصاء تربطها علاقات عضوية تؤدي إلى نمو كلّ منها بصورة متقاربة أو تعزيز كلّ وجه منها للأوجه الأخرى.
وتخلص دراسة أخرى مهمة إلى أنّ الإختلاف في الرؤى المتصلة بأسباب الإستبعاد الاجتماعي تنبثق من رؤى ثلاثة مدارس فكرية، مدرسة تضع سلوك الأفراد والقيم الخلقية في المقام الأول "كما هو الحال في التركيز على الطبقة الدنيا، ومدرسة تؤكد على أهمية دور المؤسسات والنظم، إبتداءا من دور دولة الرعاية إلى الرأسمالية والعولمة، ومدرسة تؤكد على أهمية التمييز، ونقص الحقوق المنفذة فعلا.
وتتمثل الآراء المختلفة في ما يتصل بالأسباب الرئيسية للإستبعاد الاجتماعي بالإجابة عن السؤال القائل: " من الذّي يقوم بفعل الإستبعاد؟ فالتركيز على أهمية القيم الخلقية والتفسيرات السلوكية يرتبط بتوجيه اللوم إلى المستبعدين اجتماعيا على المحنة التّي وضعوا أنفسهم فيها.
وعلى النقيض من هذا الرأي نجد أنّ التأكيد على أنّ المؤسسات المدنية والاقتصادية تقيد الفرص المتاحة أمام بعض الأفراد والجمعات يعطي الإنطباع بتحميل مسؤولية الإستبعاد على الجانبين كليهما.
فالإستبعاد حصيلة هذا النظام " فهو غير مقصود أو على الأقل خارج نطاق سيطرة أي فرد أو منظمة"، وفي الوقت نفسه لا يملك المستبعدون اجتماعيا فرصة معالجة وضعهم.
أما التحليل الذّي بمقتضاه يكون المستبعدون واقعين تحت رحمة الأقوياء فيلقي المسؤولية على الصفوة بصورة تامة، فممارسة البعض القوة وهم يعملون لحماية مصالحهم الذاتية تؤدي إلى إستبعاد غيرهم.
2/ـ أسباب الإقصاء والتهيش الاجتماعي:
تحدد بعض الأدبيات الاقتصادية الأسباب المنتجة للإقصاء الاجتماعي بين أسباب مؤسسية مثل: وجود سياسة شاملة لمساعدة الفئات المستبعدة، وأسباب اجتماعية مثل: عدم وجود سياسة شاملة لمساعدة الفئات المستبعدة، وأسباب قانونية مثل: عدم الإعتراف بحق المواطنة أو الحماية القانونية للعمال المهاجرين، وأسباب ثقافية مثل: التمييز أو الفصل الإثني، وعوامل سلوكية مثل: التمييز على أساس الجنس، وهذه الأسباب التّي تجمع في كثير من الأحيان تؤدي دورا فاعلا في خلق حالة الاقصاء الاجتماعي( ).
ويستخدم الاقصاء الاجتماعي في هذا السياق للتعبير عن ثلالث (03) مظاهر هي التمييز، والحرمان، وعدم التمكين، ويقصد بالتمييز العمليات الاجتماعية والمؤسسية والقانونية والثقافية التّي تميز بين الناس على أساس صفات غير إرادية، وهذا التمييز يمكن أن يعوق الحراك الاجتماعي ويعرقل الحصول على الخدمات الاجتماعية، مثل: التعليم والرعاية الصحي ويحول دون المشاركة السياسية ودخول سوق العمل.
أما الحرمان فلا يقصد به الحرمان المادي الذّي يحول دون سد الحاجات الأساس فحسب، بل يقصد به أيضا المساس بالحق في الححصول على خدمات أساسية مثل: الرعاية الصحي، والتعليم، وعدم الإعتراف بهذا الحق، كمّا يقصد بعدم التمكين بمجموعة من العوامل والأسباب التّي تحد من قدرة أفراد أو مجموعات على تحقيق تغيير في ظروفهم المعيشية أو الإنخراط في المجال العام للمجتمع بأسره.
وتفصل بعض أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه الأسباب على النحور التالي( ):
أولا: دوافع هيكلية:
إعتماد الاقتصاد العربي على الطابع الريعي كاعتماده على عائدات النفط والتحويلات والمساعدات الدوليّة أحيانا جعل من السهل على تلك الأنظمة إطلاق العنان للوعود بإصلاحات سياسية واقتصادية مع التذرع بالظروف وعدم مساءلتها لتحقيق تلك الوعود أمام المهتمين.
يعد ضعف أو إضعاف الحكم المحلي أحد أهم دوافع الإستبعاد والتهميش القوية، فبالرغم من وجود إلتزامات قانونية بتطبيق اللامركزية في العديد من الدول العربية فلا يزال إنتشار الرقابة السياسية والمالية ضعيفا، وتمثل اللامركزية الإدارة السمة الرئيسية للحكومة المحلية، وهي سمة تقترن غالبا بتهميش القوى المجتمعية المحلية في مساءلة الحكومات المحلية، ويرجع ذلك لضعف العمليات الإنتخابية المحلية، وبالتالي ضعف المجالس المنتخبة محليا.
يعزز الإضعاف القانوني الإستبعاد والتهميش من خلال فرض القوانين المفيدة للمنظات غير الحكومية حيث لا تدعم تلك القوانين سوى الجمعيات الخيرية، وتقف حجر عثرة في طريق المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان بإستثناء المؤسسات الحكومية.
غياب القاعدة الشعبية المنظمة المناصرة للعدالة الاجتماعية: أدى إلى إضعاف الحركة العمالية التّي تعد أحد أهم مكونات هذه القاعدة الشعبية للإستبعاد الاجتماعي الناتج عن الإفتقار إلى سياسات الحماية الاجتماعية، كمّا أدى إلى تفاقم تهميشهم اقتصاديا، أما الطبقة الوسطى التّي تمثل المكون الثاني للقاعدة الشعبية فلم تسلم هي الأخرى من محاولات إضعافها والضغط عليها ماديا لإلهائها عن المشاركة السياسية، إضافة لتردي المنظومة التعليمية الذّي قلص من دور الطلبة في قيادة حركات تطالب بالعدالة الاجتماعية هذا بالإضافة إلى كون التعليم لا يشمل التوعية بحقوق الإنسان.
ثانيا: الدوافع المؤسسية( ):
الإصلاحات الشكلية: كانت الانتخابات الهزلية التّي تجرى في البلدان العربية أبرز مشاهد تلك الاصلاحات الشكلية، فعلى الرغم من إنتظام إجراء هذه الإنتخابات في مواعيد محددة وبشكل دوري، إلا أنّها إفتقدت التنافسية والشفافية وخضعت للتدخلات الإدارية وينطبق الاصلاح الشكلي أيضا على ذلك الخاص بالفساد والنوع الاجتماعي، فبالرغم من وجود أحكام قانونية لتدارك ذلك إستمر الفساد والممارسات المجحفة ضد المرأة بلا حساب.
الفساد: ذلك الفساد الذّي إستشرى وتوغل في كل صغيرة وكبيرة في الوطن، يعد عقبة رئيسية أمام الإستثمار وممارسة الأعمال التجارية وكعقبة أمام فاعلية مواجهة الفساد، ويزيد من كارثية الوضع في البلدان العربي ذلك المركب الذّي يجمع بين الفساد وإرتفاع مستويات التفاوت الاقتصادي وإرتفاع مستويات المحسوبية الذّي يحرم الفئات الضعيفة من الفرص والخدمات هذا بالإضافة لإعطاء الحصانة للفاسدين وتضعف من إستقلال القضاء.
ثالثا: التهميش والاقصاء وأثره على السوسيو نفسية( ):
إنّ أثر الاقصاء والتهميش الاجتماعي له سلبيات كثيرة وفق ما جاء في رأي علماء الاجتماع، ومن بين هذه الآثار نجد إنزياح المجتمع ضد نفسه ومكوناته بل حتّى في المجتمعات المتقدمة شكلت جيوب المهمشين مشكلة للأنظمة والحكومات، والخطورة في المجتمعات العربية لها شقان لا يتعلقان فقط بأطراف المجتمع نفسه " البقة العليا والطبقة الدنيا"، بل في ظل غياب الطبقة الوسطى كذلك وإضمحلالها.
ويؤكد أنّه كلما كانت السياسة الاقتصادية خاطئة أو كتعثرة تقود على نتائج سلبية وتؤدي إلى أمراض اجتماعية خطيرة من بينها: " البطالة، الفقر والفساد والعنوسة بين الجنسين، والإنحرافات الأخلاقية والجريمة... إلخ.
كما أنّ تفشي ظاهرة الاقصاء والاتهميش الاجتماعي بين أجزاء النسق في المجتمعات لها تأثير واضح على التكامل بين أجزائه وخاصة في الجانب الوظيفي، وقد يكون الأثر البالغ لهذه الظاهرة يتجسد من خلال قيمتي العدالة الاجتماعية والتضامن الآلي بين أفراده على إعتبار أنّهما أهم قيمتين يقوم عليهما التكامل الوظيفي لأجزاء البناء الاجتماعي لأي مجتمع.
1/ـ أثر الاقصاء اوالتهميش الاجتماعي على قيم العدالة الاجتماعية( ):
العدالة الاجتماعية كمفهوم يمثل الحد الأدنى للعدالة وهي نوع من تكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع كمّا أنّها تتيح للفعل البشري الفردي المجال لإعطاء صفة مميزة للأفعال الشرعية، مع التأكيد في نفس الوقت على وجود مظاهر الحرمانفي المجتمع، والذّي ينبغي أن يشير الطلب المشروع للحصول على المعونة أو الإنصاف من الظلم والتعويض عنه، فالإقصاء والتهميش الاجتماعي يتعارض مع مبدأ العدالة الاجتماعية أو الفرص المتكافئة بين الأفراد على الأقل في جانبين:
 يؤدي الإبتعاد الاجتماعي إلى وجود فرص تعليمية ومهنية غير متكافئة.
 يشكل الاقصاء والتهميش الاجتماعي في الواقع إنكارا للفرص المتكافئة فيما يتصل بالأمور السياسية.
فالاقصاء والتهميش الاجتماعي بإمكانه أن يؤدي إلى إنتهاك مقتضيات العدالة الاجتماعية بإعتبارها فرصا متكافئة، ففي بعض الظروف يمكن للإقصاء والتهميش الاجتماعي أن يشكل بصورة فعلية إنكار العدالة.
2/ـ أثر الاقصاء والتهميش على قيم التضامن الاجتماعي:
تختلف العدالة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي في علاقتهما بالاقصاء والتهميش الاجتماعي سواء كان ذلك طوعا أو قهرا، فالتضامن الاجتماعي كمصطلح من مصطلحات علم الاجتماع يرد في سياق تماسك المجتمعات الصناعية الحديثة في مجال محدود وعاجزا عن أن يوفر لنفسه ما يحتاج إليه دون التعاون والتبادل مع الآخرين، لذلك فالمجتمع يتماسك لأنّ الأفراد لا يملكون الموارد والإمكانيات التّي تمكنهم من الإنسحاب منه.
ويقصد بالتضامن الاجتماعي الاحساس بمشاعر الرفقة والألفة وهو يمتد ليتجاوز الأشخاص الذّين يكون المرء على صلة شخصية بهم، وهو في حده الأدنى تقبل الأغراب كبشر لهم نفس الإحتياجات والحقوق، فالتضامن الاجتماعي له أسبابه الاجتماعية والعزلة الاجتماعية أو الاقصاء والتهميش الاجتماعي هو من العوامل المهمة في تقوية التضامن: الإنخراط في المؤسسات المشتركة ومعايشة الخبرات، فحياة الناس تكون أفضل في مجتمع يتشارك أعضاؤه في بعض جوانب تلك الحياة.
إنّ جعل المجتمع يعيش تضامنا آليا يحتاج إلى أسس مادية للمشاركة في حياة المجتمع، فمرافق الخدمات العامة التّي توفرها الأنظمة الأساسية " كالمدارس والخدمات الصحية..." تعد واحدة من أساليب تشكيل التضامن بين أفراد المجتمع، غير أنّه من الملاحظ أنّها أصبحت في كثير من الأحيان منتجة للاقصاء والتهميش الاجتماعي للأفراد أكثر مما تقدمه لهم من تضامن، فكثرة إنتشار ظاهرة الاقصاء والتهميش الاجتماعي داخل المجتمع تقضي تدريجيا على التضامن بين الأفراد.
3/ـ أثر الاقصاء والتهميش الاجتماعي وإنتشار العنف في المجتمع( ):
يمثل العنف ممارسة سلبية تهدد إستقرار البناء الاجتماعي للمجتمع وعوامل إستمراريته وتطوره الآمن، ويعتبر ظهور العنف وكافة الجماعات الرافضة للدولة نتيجة حتمية لما يعرف بالاقصاء والتهميش الاجتماعي، وبالتالي فإنّ ظاهرة العنف هي صورة من صور الاسبعاد الاجتماعي الذّي يعني الانسحاب من الالتزام بالقواعد والقوانين المنظمة للمجتمع، وعدم الالتزام بالتسلسل الهرمي للأوضاع الاجتماعية، وللسلطوية المستقرة في المجتمع، بفعل الظروف قد تكون قاهرة ولا يستطيع الأفراد من مواجهتها.
 خاتمة:
وعليه فإنّ مفهوم الاقصاء والتهميش الاجتماعي والذّي عرف في أبسط صورة بأنّه عدم الحصول على الموارد وإنعدام القدرة على الإستفادة منها والحرمان من الفرص التّي تعزز الوصول إلى هذه الموارد وإستخدامها وعدم التمكن من التواصل مع الآخرين والمشاركة في حياة المجتمع ويشكل هذا الاقصاء حرمانا لما فيه من إفقار لحياة الشخص.
كما أنّ هناك بعض المؤشرات التّي تدل على الاقصاء والتهميش الاجتماعي مثل: الصعوبات المالية التّي تواجه الأسرة، النقص الشديد في الاحتياجات الأساسية للإنسان، ظروف السكن غير الملائمة، تدني قدرة الفرد في الإدراك الذاتي لحالته الصحية، عدم الرضا عن العمل أو النشاط الأساسي للفرد داخل المجتمع، قلة وندرة الاتصالات مع الأقارب والأصدقاء.
 قائمة الإحالات:
( )ـ محسن عوض: قضايا التهميش والوصول إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية " نحو مقاربات جديدة لمكافحة التهميش في العالم العربي"، ديسمبر 2012م، ص 18. أنظر الموقع الإلكتروني: http://www.pdffctorg.com/06/11/2017/12.30
( )ـ محسن عوض: المرجع نفسه، ص 20.
( )ـ سلطانية بلقاسم وبن تركي أسماء: تشكل صور من الإستبعاد الاجتماعي " الفقر والبطالة في الجزائر"، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة محمد خيضر بسكرة، العدد (24)، ص 20. أنظر الموقع الإلكتروني: https://www.ar.wikipidia.org/wiki/06/11/2017/12.45
( )ـ محسن عوض: المرجع السابق، ص 28.
( )ـ سلطانية بلقاسم وبن تركي أسماء: المرجع السابق، ص 35.
( )ـ هدى أحمد الديب ومحمود عبد العليم محمد: الاستبعاد الاجتماعي ومخاطره على المجتمع، العددان (31/32)، ص 210.
( )ـ أديتيا أنوبكومار/ ترجمة: بثينة إبراهيم: مفهوم الإقصاء الاجتماعي وتحسين النسل، دار الصفاء للنشر والتوزيع، الأردن، ص 142.
( )ـ هدى أحمد ديب ومحمود عبد العليم محمد: المرجع السابق، ص 35.
( )ـ سلطانية بلقاسم وبن تركي أسماء: المرجع السابق، ص 40.
( )ـ محسن عوض: المرجع السابق، ص 45.
( )ـ أديتيا أنوبكومار/ ترجمة: بثينة إبراهيم: المرجع السابق، ص 175.
( )ـ أديتيا أنوبكومار/ ترجمة: بثينة إبراهيم، المرجع نفسه، ص 178.
( )ـ هدى أحمد ديب ومحمود عبد العليم محمد: المرجع السابق، ص 43.







اخر الافلام

.. بعد البريكسيت: بريطانيا هي من أكثر البلاد ترحيبا بالمهاجرين


.. إعادة مئات اللاجئين السوريين من دول أوربية إلى كرواتيا


.. المرصد السوري لحقوق الإنسان: اشتباكات بين داعش وقوات سوريا ا




.. الأمم المتحدة تحذر لبنان من سلاح حزب الله وزيارات الحشد الشع


.. لاجئون عراقيون في مخيم الهول يطالبون بالعودة إلى بلادهم