الحوار المتمدن - موبايل



المجتمع المدني بين التباس المفهوم والتوظيف الملغوم (2)

محمد بلمزيان

2019 / 1 / 25
المجتمع المدني


بالرغم من أهمية الإطلالة التاريخية على تاريخ تشكل المجتمع المدني في الغرب، والتي تدلنا على الصورة الحقيقية لمجريات الأحداث السياسية والإجتماعية، التي قطعتها تلك المجتمعات الأوربية الى أن وصلت الى وضعيتها الحالية، والتي احتاجت الى عقود من الزمن من أجل التحرر من العبودية والإقطاع والتحكم في مصائر شعوبها، والإنتقال بالتالي من الدولة الدينية الى الدولة المدنية وبناء الدولة العصرية الحامية لقيم المواطنة وحقوق الإنسان، والتي تفصل شأن الدين عن شؤون السياسة والحياة، وهو المسار الدامي والطويل الذي لا يمكن إغفال دوره في التأثير واستلهام تلك الأفكار و كذا صداها على المجتمعات الأخرى، ولو في بيئات مغايرة جيوسياسيا وثقافيا عن المنبت الأصلي لهذا المفهوم كوافد جديد على ثقافتنا المحلية.
فإن الغاية الأساسية من هذه المقالة هي محاولة الوقوف عند طبيعة التوظيف السائد للمجتمع المدني عندنا ، وكذا الوقوف عند بعض تجلياته في البيئة المحلية، في مناخ آخر يكاد أن يكون مختلفا جذريا عن بيئته الأصلية، التي نشأ وترعرع فيها هذا المفهوم، وكذا الشروط الموضوعية التي تحكمت في انبثاقه في الغرب ، والتربة الفلسفية والثقافية التي احتضنته ووفرت الأرضية الخصبة للتجذر وإطلاق الأغصان لاشتداد عوده، متجاوزا بذلك المنعرجات التاريخية الموسومة بالصراع الفكري والإيديولوجي التي طبعت المرحلة التاريخية حينئذ.
الى أي حد يمكن أن نتصور أو حتى قبول فكرة نجاح المجتمع المدني الى التوفيق في أدواره التي يتجاسر النهوض بها ضمن تركيبة اجتماعية ومؤسساتية في بلاد أخرى كبلادنا على سبيل المثال لا الحصر، وهي نفس الشروط التي تتحكم في مجمل البلدان العربية أو بدول الجنوب تقريبا؟ وعن أي مجتمع مدني نتحدث ويستقيم القول حوله ، والأحرى نبحث عنه في ظل ظروفنا المجتمعية المتميزة بغياب المشاركة في اتخاذ القرار وانعدام وسائط تمثيلية حقيقية ، في مجتمعات ما تزال أطرافا واسعة من الشعب تصارع يوميا من أجل الحصول على القوت اليومي، بالرغم من ما قد يعج به المجتمع المغربي وتوافر تنظيمات جمعوية والتي تناسلت بشكل سريع منذ العقد الأخير من القرن الماضي، وأصبحت تنتشر في مختلف الدواوير وتتناسل كالفطر وبشكل غير معهود، خاصة بعدما طفا على السطح في السنين الأخيرة خطاب انتشر كالنار في الهشيم حول إمكانية التمويل والدعم المالي والتقني للمبادرات الجمعوية لإنجاز مشاريع ( تنموية) ، تهم مختلف مجالات الحياة الإجتماعية ، والموجهة خاصة الى العالم القروي.( التعليم - فك العزلة عن العالم القروي- المياه- أنشطة حرفية مدرة للدخل - الدعم النفسي -..) وهي المشاريع التي تمول وطنيا أو عبر ممولين أجانب، ضمن التعاون الدولي كما سنأني على ذكر وتفصيل هذا الموضوع لاحقا.
أعتقد جازما ، وبناءا على الدراسات المتاحة في هذا الإطار، وانطلاقا من المواكبة المتواضعة لهذا الموضوع، بأن مفهوم المجتمع المدني بالمغرب هو حديث النشأة، ولم يصبح مصطلحا رائجا ومتداولا بكثرة في قاموس الأدبيات الحقوقية والجمعوية، إلا مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي. وقد ظل مفهوما هلاميا غامضا الى حد ما وسلعة وافدة مستهلكة إعلاميا وبغزارة ضمن تركيبة مجتمعية أصبحت تلملم نفسها لمحاولة معالجة نفسها، وتجاوز مرحلة الجمر والرصاص، دون الغوص الى دوره واستيعاب وظيفته المأمولة داخل المجتمع . فهل ياترى يتمثل دوره في تكملة (طبيعية ) لأدوار الدولة ومؤسساتها؟ في كليتها أم في جوانب جزئية معينة فقط انسجاما مع اختياراتها ؟ أم أنه طرح بديل تماما واعتراض على سياسة فاشلة برمتها، والإنطلاق من تقديرات مغايرة للواقع، بناءا على مقاربة علمية وتشاركية أخرى، والتي تستهدف إعداد (وصفات دوائية ) مؤقتة لمعاجلة أمراض مزمنة بعينها تهم التنمية والنهوض بأوضاع الساكنة في مجتمعنا في وضعها الحالي ؟ أم أن الأمر يتعلق بمنزع آخر ينحو منحى مغايرا يناهض المقاربة السوسيولوجية والثقافية السائدة في مجال إنجاز التنمية (التي غالبا ما تركز وتستكين الى النوع الإجتماعي) كرهان يمكن أن يفضي الى ربح إحدى معارك التنمية دون الإنتصار في حروبها كاملة ، عبر التأسيس لتصور مختلف يرنو الى بناء دولة المواطنة الحقة، عبر التحضير لشرط تحقيق كرامة الإنسان أولا، عبر قيام مؤسسات ديمقراطية تصون حقوقه ونابعة من إرادة الشعب، عبر إرساء دستور ديمقراطي، كعامل أساسي قبل أي حديث حقيقي عن الدور الفاعل والطبيعي للمجتمع المدني. فهل هذا الأخير والحالة هذه نقيض المجتمع السياسي أم أن كلاهما يشكلان جسدا واحدا كتوأم لكن برأسين مختلفين فقط (!)، فلا حياة لوجود الأول أي المجتمع المدني بدون حياة ووجود قوي للثاني أي للدولة وب مؤسسات ديمقراطية وشفافة؟ بل أن بعض الدراسات تذهب الى حد اعتبار أن الدولة القوية لا وجود لها إلا بوجود مجتمع مدني قوي، بالرغم من التمظهر الشكلي الذي يوحي بمنازعة أحدها للآخر ومحاولة كل منهما مصادرة حق الآخر، والإيهام باشتغال كل طرق بشكل تباعدي عن الآخر. ( يتبع ) .







اخر الافلام

.. السعودية نيابة عن 78 دولة في مجلس حقوق الإنسان تدين حادث نيو


.. اعتقال الرئيس البرازيلي السابق ميشال تامر بشأن قضايا فساد


.. اعتقالات في الشيخ مسكين بدرعا إثر كتابات مناهضة لنظام أسد




.. برعاية مصرية.. اتفاقية بين لاليجا والأمم المتحدة لمواجهة الت


.. اللاجئون السوريون.. ورقة مماحكة سياسية بين القوى اللبنانية