الحوار المتمدن - موبايل



المجتمع المدني بين التباس المفهوم والتوظيف الملغوم 4

محمد بلمزيان

2019 / 2 / 3
المجتمع المدني


لقد دأبت بعض الدراسات الى وضع خطاطة منهجية قسمت فيها المراحل التي ظهرت فيها الإطارات الجمعوية بالمغرب منذ 1956، الى اليوم الى ثلاثة مراحل كبرى تشكل عناوين بارزة لتاريخ المغرب ككل، ميزت المرحلة الأولى التي دعيت بمرحلة المهادنة مع الدولة ثم تلتها مرحلة ثانية سميت بمرحلة المواجهة أوالصراع ـ ثم مرحلة الإحتواء والإستيعاب، ويمكن أن نضيف اليها مرحلة جديدة هي مرحلة الفرز بين الجمعيات واصطفافها حسب التصورات الإديولوجية والمصالح وكذا المواقف السياسية، التي يتمترس خلفها كل طرف، والتي تختصر مهمتها، إما الوقوف بجانب الدولة ودعم سياساتها أو الإصطفاف الى جانب الفئات المتضررة من تلك السياسة المفلسة كمعارضة للتوجهات الرسمية، وتنصيب نفسها طرفا للمرافعة والدفاع عن الضحايا وتبني ملفاتهم المطلبية.
وبالرغم من ما يمكن أن يعاب على هذا التقسيم التاريخي لعبورالعمل الجمعوي، على مدار زمني يفوق ستة عقود، إلا أنه يمدنا بصور تقريبية لطبيعة المجتمع المغربي خلال كل تلك المراحل الهامة واختلاف محدداتها الإجتماعية وظروف اشتغالها،انبرى بعضها لتزكية مشاريع الدولة، مقابل تحفظ أخرى عن ذلك، وبالتالي محاولة النأي بالنفس عن التجانس مع اختيارات الدولة، مفضلة أسلوب ما يمكن أن نسميه بمنهجية ( المقاربة الإنتقادية) للسياسات الرسمية، وهي اللحظة التي تنطبق على الجيل الثاني من الجمعيات حسب التقسيم المذكور والذي عرف بمرحلة المواجهة، ثم المرحلة الأخيرة والتي تهمنا في هذه المقاربة، مع الإستئناس على عينات دون تسميتها أو توصيفها، بالرغم من أنها يعج بها المشهد الجمعوي بالمغرب، أعني بها الجمعيات ذات الإهتمام بالبعد التنموي، والى أي جد قادرة على بلورة مفاهيمها الخاصة بالتنمية؟ والى أي مدى هي جاهزة فعلا على إيصال رسالتها الى المجتمع المعني( societe cible) وفق قدراتها ؟ أم أنها مجرد محاولات للتجني على قطاع ليس من اختصاصها ، أومرتبطة بظرفية معينة لاتخلو من حماس للتجاسر على حقل هو من صميم اختصاصات الدولة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقوم الجمعيات المدنية مقام الدولة في إنجاز التنمية ،أو تضع نفسها موضع المنافسة في هذا المجال الحيوي في حياة الشعوب والمجتمعات، بغض النظر عن بعض التجارب لمشاريع تنموية التي يمكن أن ترصد هنا أو هناك، نهضت بها بعض الجمعيات همت مجالات حيوية من فئات اجتماعية ، خاصة بعض المرافق الإجتماعية ذات علاقة مباشرة بالحياة اليومية لعيش الساكنة.
على المستوى الوطني ظهرت الى الوجود مع بداية التسعينات من القرن الماضي تنظيمات جمعوية حاولت أن تقارب موضوع التنمية خاصة في المجال الإجتماعي وفق منظور غير رسمي، والذي جاء من سياق وطني ودولي،كان الحديث حول هذا الموضوع منتعشا في الغرب حول ما يسمى بالمنظمات غير الحكومية (organisations non gouvernementals) وشروع هيئات دولية في تقديم أشكال من الدعم والمساعدات التقنية والمالية لإنجاز بعض الخدمات والمشاريع لفائدة الساكنة المحلية، حسب الإحتياجات الأساسية ووفق الأولويات في حياتها اليومية ، عبر تمويلها جزئيا أوكليا . فانطلاقا من هذه الأجواء العامة لانفتاح بعض المنظمات غير الحكومية، والتي ما فتئت تروج لها عبر مؤسساتها المحلية واٌلإقليمية، التابعة للإتحاد الأوربي أومنظمات تابعة للأمم المتحدة والإتحاد الأوربي واليابان، في إطار علاقة شمال جنوب، تزامن ذلك مع طفرة نسبية في نسبة المتعلمين والحاصلين على الشواهد المعطلين من مختلف الأصناف والمستويات، بالموازاة مع ميول الناس ورغبتهم في الإنتظام في مؤسسات لتحقيق نوع من الرغبات المشتركة، بالرغم من الكوابح الذاتية والقانونية التي تعيق هذا المسار في المجتمعات التي تعرف تضييقا على المبادرات الفردية والجماعية ورصد تحركاتها، حتى تكون منضبطةلاختيارات معينة.وهذا ما عبر عنه المفكر الفرنسي Toqueville قائلا ( في البلدان الأكثر ديمقراطية هي البلدان التي يجيد فيها الناس السعي الجماعي نحو تحقيق الرغبات المشتركة على اعتبار وجود علاقة تلازم بين الجمعيات والمساواة). مضيفا لتوضيح هذه المسألة أكثر: (فن الإنتظام ضمن الجمعيات مؤشر تحضر وأنه فن يتنامى بالتوازي مع تنامي شروط المساواة) رغم الإختلاف في الأوضاع الإجتماعية والتشخيص للواقع بين المجتمع الأمريكي الذي خضعه توكفيل لمشرحة تفكيره النقدي، والذي أفضى من خلال المقاربات للمجتمع المدني الإمريكي،على أنه أغرز مجتمع في تأسيس الجمعيات وميل المجتمع المدني فيه نحو الإنتظام في الجمعيات المختلفة، مقارنة مع المجتمع الفرنسي والإنجليزي المائلان الى الإتكالية على الدولة حسب تعبيره. غير أنه يمكن العثور على أكثر من خصلة شعرة كقواسم مشتركة بين المكونين، تتمثل في وجود الرغبة والإرادة الجامحتين لدى فئات واسعة من الشباب بشكل خاص وعموم المهتمين والفاعلين في تبادل الأفكار والإنخراط في عمل الجمعيات غير الحكومية، والقيام بمبادرات من شأنها المساهمة في بلورة مقترحاتهم في مشاريع مختلفة ذات بعد تنموي، تهم بعض المتطلبات اليومية للساكنة، نتيجة وجود إما تقصير واضح من الدولة في تلبية المطالب المختلفة، التي تشكل شرط الكرامة الإنسانية، سواء تعلق الأمر بالعالم القروي أو الحضري. وقد جاء استغلال بعض الجمعيات لأجواء هذه الخطابات التي أطلقت من أعلى مستويات المحافل الدولية في سياق اشتداد الأزمة الخانقة للنظام الرأسمالي العالمي وتنامي الهجرة غير النظامية، والدعوة التي أطلقتها هيئة الأمم المتحدة في إطار علاقة شمال/ جنوب عبر ملحقاتها المختلفة، وضمن نزوع دولي متزايد في اهتمام البنك الدولي بحالات الدول السائرة في طريق النمو،والمساعدات التي يمكن تقديمها في قفازات ناعمة،( سرعان ما تتحول الى ذريعة في التدخل لرسم سياسات على مقاسه، لتلك الدول، والأمثلة كثيرة،) للحد كذا من هوامش الفقر الهجرة السرية والجريمة والتي أصبحت تتغذى أكثر من مثل هذه الظروف القاسية، والإحساس بالحرمان من الحقوق الأساسية، والتي باتت تهدد ليس فقط المجتمعات التي تستهدف ببعض هذه المشاريع التنموية، بل أيضا حتى بلدان الشمال، وأن هذا الدعم المقدم في العمق يخفي وراءه استراتيجيات أخرى، وليس في سبيل عيون فقراء وضحايا السياسات المفلسة، أو من أجل النهوض بأوضاع الشعوب والمجتمعات في دول الجنوب، بقدرما هي في جزء من استراتيجيتها البعيدة والحقيقية هي إبعاد شبح الهجرة والجريمة عن دول الشمال وتحصين بيتها الداخلي من تداعيات تلك الأوضاع الهشة وغير المستقرة، فكان من الطبيعي أن تنبري عدة جمعيات لتقديم مشاريعها برامجها على شكل مقترحات مستوحاة من هذا الواقع الإجتماعي الذي يغلي، ويعلق فيه المواطن أماله على كل خشبة النجاة من الغرق في هذا اليم . فأصبحت تلك الجمعيات في رمشة عين تستقطب عدة نخب كانت منكمشة على ذاتها ومنزوية في الظلال على الهامش، بالرغم من بعض من ما يؤهلها ثقافيا أو علميا،من تدبير مشاريع تنسجم مع هذه المرحلة الحساسة، خاصة بعدما بدأت بعض هذه المشاريع تعطي بعض ثمارها، وأصبحت بعض الجمعيات تتحكم في أموال هامة مصدرها ممونين وشركاء، لإدارة مشاريع متنوعة، حسب تصوراتها ومزاجها، فأصبحت بعض هذه النخب التي كانت معطلة أو عاملة في مهن مختلفة أو حتى موظفين أو مقاولين تحت غطاءات حزبية أونقابية وجمعوية، تسيل لعابها من اقتسام هذه الكعكة والإستفادة من هذا الريع الجمعوي والدعم الدولي والمحلي، الذي كان يغدق بالأموال من كل جهة محليا أو أجنبيا،وماتدره من أرصدة مهمة تصل أحيانا حد الإثراء الفاحش للبعض باسم إطارات جمعوية وباسم التنمية وهو حق أريد به باطل، وتحت مظلة المجتمع المدني للآسف .







اخر الافلام

.. مؤسسة أورينت للأعمال الإنسانية تطلق حملة لإغاثة نازحي جنوب إ


.. آلاف الجزائريين يتظاهرون ومطالبة بعدم تدخل الجيش في الأزمة ا


.. مصر.. هيومن رايتس تطالب بالكشف عن مصير النائب السابق مصطفى ا




.. الرئيس اللبناني يرجع أزمات بلاده إلى وجود اللاجئين السوريين


.. واقع حرية التعبير يشهد تدهورا في لبنان