الحوار المتمدن - موبايل



المجتمع المدني بين التباس المفهوم والتوظيف الملغوم 6

محمد بلمزيان

2019 / 2 / 14
المجتمع المدني


... فغالبا ما تكون وراء تأسيس بعض مشاريع الجمعيات عناصر معلومة، تشتغل بعقلية مضبوطة، وفق إيقاع منسجم مع مصالح معينة، وهي جاهزة لتقديم الخدمات كلما طلب منها ذلك، وفق منطق تبادل المصالح والأدوار، وبالرغم من الأهداف المعلنة والواضحة لبعض تلك الهياكل الجمعوية على الأوراق ، فإن وضعها في الواقع قد يبدو غير ذلك ، بل هلاميا غامضا ولا يتجاوز المنطقة الرمادية، وغالبا ما تكون مفاتيحها حكرا على فريق أو عناصر محددة ويتحكم بها عن بعد، قد لايكون رقما معروفا لدى العامة، أو ينتقل هنا وهناك كجوكير مستعد لأداء المهمة لأي طرف شرط اقتسام الغنيمة أو فتات منها حسب الوضعية، وهي مشاريع محبطة لأية آمال جادة ومميتة لأية طموحات نزيهة، يمكن أن ينهض بها الشباب للمساهمة في المشهد الجمعوي، وبالتالي اغتيال الحس النضالي والتطوعي لديه، والأنكى من ذلك هو تمييع الرسالة التاريخية للعمل الجمعوي، ومحاولة تشويه سمعته النبيلة والمتراكمة تاريخيا في مجالات التحسيس والدفاع وتحصين حقوق الناس في مختلف تجلياتها المتباعدة، رغم أن هذا الزيغان عن الطريق الصحيح للأسف غالبا ما يكون منطلقا كأرضية لتأسيس بعض التجارب الجمعوية وتأخذ شرعية وجودها من فئات اجتماعية قد تكون تضررت في الماضي أو ما تزال من تلك الأوضاع الإجتماعية الهشة، والتي تستجيب للحياة الكريمة، لكن سرعان ما تتحول تلك المشاريع الجمعوية تحت تأثير شعارات براقة الى مجرد هياكل للإسترزاق، جوهرها الإستفادة من النعمة وظاهرها استعمال خطاب النقمة، في خطاب لا يخلو من نفاق واضح واستغفال الكثير من الناس والمنخرطين الذين قد لا ينتبهون بسهولة وفي مدة قصيرة الى مكر هذا النوع من الخطابات الحربائية والماكرة وما أكثرها في زمننا الحالي،وهي النماذج التي تنتج نفس الوضعية في أسوء تجاربها وتعيد تدوير نفس العقلية المحنطة لمنخرطيها بكيفية تغرس فيهم ثقافة التدجين والخنوع، وحتى عدم القدرة على المناقشة وافنتقاد لتلك الأساليب الملتوية في اتخاذ القرارات الإنفرادية تهم مصير الجمعية برمتها، خاصة حينما يتعلق الأمر بمهام وملفات لا يجب أن يطلع عليها إلا الفريق الواقف خلف الستار وضمن دائرته الضيقة، للحفاظ ليس على صيرورة العمل الجمعوي بل من أجل الإستفراد بحصص الغنيمة بعيدا عن الأعين الأخرى، ولضمان تدفق المنافع تلوى أخرى وقضم الكعكة تحت يافطة العمل الجمعوي، والحال أنها عناصر تعيد إنتاج نفس الأوضاع الإجتماعية، وهي قد تكون مقتنعة بأساليبها أو مدفوعة من قبل بعض الفاعلين السياسيين للإنتفاع من صنبور الدعم المتاح، عبر تنصيب أشخاص في الواجهة يتوفرون على قابلية للعب دور كومبارس ضمن المشهد العام والتنكر لأية رسالة نبيلة قد تنسجم مع حاجيات المواطنين اليومية، وهي في جوهرها ذات ميول مغرضة وتحطم المسار الحقيقي للدفاع عن مطالب المواطنين في شتى مناحي الحياة اليومية، وبالتالي يصير استغلال نبل العمل الجمعوي لغاية قضاء مصالح شخصية هو تحطيم في جوهر العمل التطوعي والإنساني، و هو بالتالي انتهاك صارخ للجسم الجمعوي ومحاولة لتشويه سمعته، والذي من المفروض أن يكون مستحضرا لانشغالات الناس في محيطهم الإجتماعي، وصراعهم اليومي من أجل تحقيق مكتسبات اجتماعية، وغالبا ما تكون بعض الممارسات في الحقل الجمعوي التي تتخذ هذا المسار السيء، تشتغل وفق عقلية لنخبة من التقنيين يقدمون خدماتهم وفق تصور وضعه مهندسوه ، وطلب منهم فقط لتنفيذه في الواقع كما هو أن يكون لهم الحق في الإنتقاد أو التحفظ عن أي قرار كيفما كان نوعه، ويتحول هؤلاء التقنيون الى أطر إدارية لتسيير دواليب الجمعية، والتدبير والسهر على تنفيذها في الواقع، وهم يعرضون خدماتهم مقابل أجرة أو مكافأة يتلقونها من أصحاب المشروع الجمعوي، الذي يشتغل كفريق غالبا منسجموفق غايات لا تعدو ان تكون قاسما مشتركا بين حفنة من المساهمين كمؤسيين للمشروع الجمعوي، فهؤلاء التقنيين الذين يمكن إدراجهم ضمن خارطة مثقفي المزاد العلني،مستعدين لتقديم خدماتهم لمن يدفع الثمن أكثر، بصرف النظر عن الأبعاد والأهداف التي ترمي إليها تلك المشاريع،ودون أن يتوفر لهم الحق في إبداء الرأي أو تقديم اقتراح خارج الأرضية والتصور العام الذي وضعه مؤسسوا الجمعية، فيحتفظون بصفتهم النفعية المادية كأجراء يتلقون أجورهم وتعويضاتهم حسب ما يقدمون من أشغال ومدى برهنتهم على القدرة في الفعل وتنفيذ فقرات المشاريع في الواقع ، وأن هذا التصور يعاكس على الطرف النقيض تماما لتصور المفكر (غرامشي أنطونيو ) لطبيعة المثقق الذي تصوره عضويا في النسيج الإجتماعي، ولا يستقيم له عوده إلا بمواقفه الجذرية وصراعه الإيديولوجي مع الثقافة السائدة لتقويضها وإحلال أخرى بديلة،وهو المثقف القادر على المرافعة على ملفات الناس والدفاع عنها في مختلف تجلياتها الإجتماعية والإقتصادية والثقافية ، وهو المثقف القادر على قيادة قاطرة التغيير، عبر استبطان هواجس الفئات المتضررة ، التي بفضلها يتحول الى لسان حالها، يعكس همومها وآهاتها اليومية، وينشد تغيير أوضاعها البئيسة .والحال أن بعض التجارب الجمعوية التي تتخذ من شعارات براقة حول التنمية منهجا لاشتغالها، قد تنساق نسبة مهمة من المنتسبين والمنخرطين في إطاراتها ، الى صف المنخدعين بهذه الشعارات، ويتحولون الى مطبلين للدعاية ونشر هذا الوهم، ويجدون أنفسهم منخرطين في هذه الجوقة، وذلك لعوامل لا حصر لها لعل أكثرها هو استغلال الفقر والبطالة في أوساط الشباب بصنفيه المذكر والمؤثث، في الوقت الذي لا تخرج هذه الشعارات الموسمية عادة عن إطار خطاب الدولة في إعادة إنتاج نفس السياسة المفلسة في القطاع المتوجه الى عموم الناس . وإذا كانت رسالة المجتمع المدني تشكل نقيضا للمجتمع السياسي، فإننا حينما نستعرض بعض التجارب الجمعوية التي توغلت كثيرا في غابة المعمعان التنموي، وتقمصت أدوارا يبدو أنها فوق طاقتها وقدراتها الذاتية،واصطدامنا ببعض التنظيمات الجمعوية وهي تحاول أن تقحم نفسها في مجالات الرفع من مستوى معيشة الناس، وتكوينهم وإبراز قدراتهم في مجالات حرفية ومهارات يدوية وصقل مواهب مختلفة، نتفاجأ ببعض الممارسات المخلة بالعمل الجمعوي التزاماتها الأخلاقية، باعتبارها جمعيات غير ربحية ولا تهدف الى الكسب أو جني أرباح مادية، وبالتالي شروعها في إنجاز مشاريع ذات مرامي تنموية، عبر استقطاب تمويلات دولية، غالبا ما يتم تفويتها بطرق احتيالية على يد حفنة من الإنتهازيين الذين يختفون في جلابيب العمل الجمعوي، وهذا السلوك غالبا ما يجد تربة خصبة في تلك المكاتب الجمعوية التي تشكل على المقاس ووفق مشيئة البعض، بعيدا عن الشفافية والديمقراطية، وتوزع المهام داخلها وفق علاقة القرابة العائلية أو حتى أحيانا استغلال بعض علاقات الصداقة التي تنصهر في عقلياتها مصالح متقاسمة حول الربع الجمعوي ، لتوفير جو من التزام مكوناتها للصمت أو عدم المناوشة، والإكتفاء بالتصويت أثناء اتخاذ قرارات مهمة وفق عقلية القطيع، لإضفاء نوع المصداقية على طريقة التدبير الداخلية والتنظيمية للجمعية، وإعطاء انطباع لدى الرأي العام، بأنها قدرة في الممارسة الجمعوية ومنزهة من أي انزلاق أو تجاوز في كيفية تصريف قراراتها، والحال أنها في العمق تساهم في تعشيش عقلية الفساد في المجتمع .







اخر الافلام

.. السعودية نيابة عن 78 دولة في مجلس حقوق الإنسان تدين حادث نيو


.. اعتقال الرئيس البرازيلي السابق ميشال تامر بشأن قضايا فساد


.. اعتقالات في الشيخ مسكين بدرعا إثر كتابات مناهضة لنظام أسد




.. برعاية مصرية.. اتفاقية بين لاليجا والأمم المتحدة لمواجهة الت


.. اللاجئون السوريون.. ورقة مماحكة سياسية بين القوى اللبنانية