الحوار المتمدن - موبايل


النفاق السياسي والأصولية

كامل عباس

2007 / 6 / 25
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يجري الخلط بين المعرفة والأيديولوجيا من قبل الكثير من المثقفين والحركات السياسية عن قصد او عن غير قصد .
فالمعرفة هي مجموعة التصورات والمفاهيم العلمية والفلسفية التي تقارب الحقيقة الموضوعية في زمانها ومكانها استنادا الى معطيات ذلك الزمن ودرجة تطوره , وهي تراجع تلك التصورات والمفاهيم دائما بما يتناسب مع التطور العلمي والاجتماعي ,وينتج هذه المفاهيم في كل عصر , مجموعة من الناس , يشترط أن يتوفر فيها بعض المواصفات الخاصة , في مقدمتها دماغ متميز بطاقة استيعابية عالية, الى جانب عملها الوظيفي المخصص في حقل العمل الذهني ’ وهذه المجموعة هي نخبة المجتمع أو طليعته, واعتمادها الأساسي على العلم والعقل اللذان يمليان عليها أن لا شيء ثابت في الطبيعة والمجتمع , وتلك النظرات العلمية والاجتماعية المنبثقة عنها تخدم المجتمع ككل بكل فئاته وطوائفه وطبقاته .
أما الأيديولوجيا ’ فهي مجموعة المفاهيم والتصورات التي تخدم فئة قليلة وتكرس مصلحتها على حساب المجتمع ككل .
غني عن القول أن أرباب السلطة والمال اعتمدوا على جزء من الطليعة أو النخبة المثقفة بشراء ذممها من اجل دفعها لاستعمال ثقافتها من أجل تبرير وتمرير المفاهيم والتصورات التي تطيل في أمد جاهها ونفوذها وتساعدها على زيادة ثروتها وامتيازاتها , وتجعل انتقالها من الاباء الى الأبناء أمرا ميسورا . أي تحوير المعرفة قدر المستطاع الى أيديولوجيا - وغني عن القول ايضا أن هذه الفئة التي باعت ضمائرها بثمن بخس , تجد سهولة في العمل ضمن المجتمع أكثر بكثير من الذين ينتجون المعرفة , لأسباب عديدة , فالمثقفون الذين يصرون على مقاربة الحقيقة الموضوعية يصطدمون من جهة بعفوية العامة التي ترى في اكتشافاتهم بدعا , ومن جهة أخرى يصطدمون بضغط الطبقة المسيطرة التي تريد منهم تعديل وتكييف اكتشافاتهم بما يخدمها ولا يؤثر على مستقبلها ومستقبل أبنائها .
يحدثنا التاريخ عن هذه الفئة المنافقة سياسيا والتي تعيشت على موائد الملوك والحكام وزينت لهم الدنيا وجيرت موهبتها الفنية والأدبية والفلسفية من أجل إرضاء أسيادها , وقد تم وصفها بحق – مساحي الجوخ – وكان الأخطر من بين هؤلاء هم المنافقون من رجال الدين الذين أنتجوا الفتاوى والفقه الذي يرضي الطبقة الحاكمة ولا يمت بصلة لمفاهيم الدين الأساسية ’ الأمثلة كثيرة في التاريخ عن هذا الدور المشين لرجال الدين المنافقين .
تعاليم المسيح مثلا تحض على المحبة والألفة والتسامح بين الناس وتملأ صفحات الكتاب المقدس
- من لطمك على خدك الأيمن فادر له الآخر , ومن سخرك ميلاً فسِرْ معه ميلين
- أحبوا أعداءكم , وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم , وصلوا لأجل الذين يسيئون اليكم ويضطهدونكم , فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات .
- طوبى لصانعي السلام , فإنهم أبناء الله يدعون .
- طوبى للرحماء فإنهم سيرحمون .
- ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه ؟
دين التسامح هذا وصل النفاق برجاله - وفي مقدمتهم من يعتبر انه خليفة المسيح على الأرض ويجلس على كرسيه الرسولي - لبيع صكوك الغفران لأبناء الدين المسيحي الفقراء من اجل إثراء رجال الدين , وشرعوا محاكم التفتيش التي أحرقت العديد من القديسين المسيحيين وهم أحياء لأنهم أصروا على التمسك بتعاليم المسيح .
أما الدين الاسلامي وتعاليمه التي تعتبر – ان من قتل نفسا بريئة بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا , وتقر بأن أبناء الدين المسيحي هم كتابيون ولا يجوز تكفيرهم ولا إكراه عليهم في دينهم , فقد خرج من بين معتنقيه فقهاء إرهاب أفتوا للخلفاء العثمانيين بقتل كل مسيحي- كونه كافر - في فتوحات الانكشاريين العثمانيين للصرب والبوسنه والهرسك وبلغاريا والبلقان , ودور غلاة رجال الدين المسيحيين والمسلمين في التحريض على الفتنة والقتل معروف في الحروب الصليبية والتي لم يكن يجمعها بتعاليم الدينين أي جامع , بل هي نفاقا سياسيا مكشوفا من اجل مصالح فئة قليلة سواء كانت في الشرق او الغرب , والمؤسف ان يستمر هذا الدور ويأخذ أبعادا خطيرة في أيامنا هذه فيؤجج نار الإرهاب التي يكتوي بها المواطن العادي في كافة الدول سواء كان مسلما ام مسيحيا .
تكتمل المأساة عندما يلتقي النفاق السياسي بالأصولية كظاهرة اجتماعية وسياسية .
والأصولية سواء كانت قومية أو شيوعية او دينية , هي التي تتطلع الى الماضي بدلا من المستقبل , وتقيس الشاهد على الغائب , وتستند إلى أولوية النصوص على الوقائع .
لتوضيح الصورة سنتناول بإيجاز شديد ظاهرة الأصولية الماركسية في عالمنا العربي هذه الأيام كمدخل لفهم الأصولية الدينية .
والماركسية كظاهرة سياسية , قامت أول الأمر في أوروبا على يد كارل ماركس ورفيق دربه فريدريك انجلز , وكانت تعبيرا عن صوت الطبقة العاملة المقهور والمستغل أبشع استغلال من قبل أصحاب المصانع الجشعين في أوروبا والذين كانوا يخلطون الطحين بالشب ( حجر كلسي ) من اجل زيادة أرباحهم وتقليل سعر بضاعة قوة عمل العمال , ومن يقرأ كتاب الطبقة العاملة في انجلترا لمؤلفه انجلز , سيذهل عن حال العمال الذين كانوا ينامون في أكواخ يختلط فيها برازهم بطعامهم, أما أطفالهم فكانوا يعملون على أنوال طوال النهار ويتناولون وجبات طعامهم وهم وراء النول كي لاينخفض إنتاج أرباب راس المال في المعامل . بشّر ماركس بدكتاتورية البروليتاريا . كمخلص للمجتمع من شرور وآثام الرأسمالية , ولكن نبوءته لم تتحقق , كما ان نبوءة المسيح قبله الذي يشر بالمحبة بين الناس - كمخلص للمجتمع - لم تتحقق ولم يتخلص المجتمع من شرور راس المال حتى الآن , وجاء النظام العالمي الجديد , ومعه منجزات العلم والتكنولوجيا التي جعلت دور الطبقة العاملة متواضعا في هذا العصر , ولكن الأصوليون الماركسيون ظلوا متشبسين بنصوص ماركس عن النظام الرأسمالي وقانونه الأساسي الذي يقسم المجتمع الى طبقتين رئيسيتين , والذي سيفضي لامحالة الى الثورة ’ كي يحل هذا التناقض ويزدهر الإنتاج .
هنا يمكن تلمس آثر اتحاد النفاق السياسي بالأصولية ودورهما معا في إعاقة مجتمعاتنا العربية عن التطور . فالمعلوم أن الدول الآن تنقسم الى دول متطورة يتم إنتاج القرار السياسي فيها عبر آلية ديمقراطية , ودول متخلفة يتم انتاج القرار السياسي فيها عبر آلية ديكتاتورية سواء كان حكامها جمهوريون ام ملكيون , والمعروف ان هذا الشكل من الحكم الاستبدادي والذي يتحكم فيه فرد بقرار سياسي في ظل وجود أسلحة نووية ’ شيء خطير على العالم , وان هذه المجتمعات المتخلفة تعاني من جهل وفقر سببه استبداد عمره أكثر من ألف عام , وأن التناقض الرئيسي في هذه المجتمعات هو بين الاستبداد والديمقراطية , وان النظام العالمي الجديد على عكس النظام السابق يوفر مناخا ملائما يساعد هذه المجتمعات في انتقال هادئ وسلمي وتدريجي أذا أحسنت القوى الديمقراطية ( من اسلامية وقومية
وشيوعية ) صنعا وفهمت اللوحة على حقيقتها في العالم, اما الماركسيون الأصوليون فهم يرون ان التناقض الرئيسي هو بين الأمبرالية 0 المتمثلة بهذه الدول المتقدمة ) وبين حركة التحرر المتمثلة بالحكام الوطنيين !!!!!
والأصولية الماركسية مع منافقيها السياسيين هي الأقل خطرا على المجتمع قياسا بأصولية قومية أنتجت فاشيات راح ضحيتها آلاف البشر حرقا بأفران كهربائية وأصولية دينية نحن بصددها هنا .
والدين بطبيعته يحمل خصوصية سهلت وما تزال تسهل عمل رجاله المنافقين المستندين الى الأصولية , فالدين كظاهرة اجتماعية نشأت في طفولة الجنس البشري ردا على قسوة ووحشية الطبيعة من جهة وعلى الحروب الهمجية بين القبائل من جهة أخرى , وهو لايزال يلقى قبولا في الأماكن الريفية , حيث الفلاح الفقير فيها يكدح ويتعب ليضيع تعبه بسبب تقلبات الطقس ونزوات الطبيعة فيظن ان الصلوات والدعاء للسماء سيجعلها ترأف بحاله , على عكس الحال في المدن حيث التعامل مع الآلات والأرقام لايخضع لتلك المزاجية , كما ان الحروب بين الدول لا تزال تستدعيه حتى الآن , اذا أضفنا الى هذا ما يوفر الدين لمعتنقيه الصادقين من طمأنينة وسكينة وتوازن بين القيم الروحية والمادية لم تقدمها له حضارتنا الاستهلاكية ذات البعد الواحد ’ وخصوصية الدين وما راكم على مر العصور من عادات وتقاليد يرضعها المرء مع حليب أمه , وتنتقل من جيل الى آخر عبر الوراثة حيث ابن المسيحي مسيحيا بالطبع وابن المسلم مسلما بالطبع وابن اليهودي يهوديا بالطبع , لايشذ عن ذلك الا من تواتيه معرفة وشجاعة في سيرة حياته الخاصة تؤهله للتمرد وإعلان اعتناقه دينا غير دينه الأصلي او رفض الدين بمجمله , كل ذلك يجعل عمل المنافقين من رجال الدين هينا جدا ’ يصبح الخطر مضاعفا عندما يلتقي ذلك النفاق مع الأصولية الدينية , لأن الصراع الاجتماعي في الماضي كان يمر عبر الدين وأنتج دعوات دينية كان أنبياؤها ورسلها وأولياؤها مصلحون اجتماعيون وثوار ومتمردون على الظلم قبل أن يكونوا انبياء او رسل من السماء , وقد تنوعوا داخل الدين الواحد مما جعلنا نعرف أصولية كاثوليكية وبروتستنتية داخل المسيحية مثلا , وأصولية سنية وشيعية داخل الإسلام أيضا . وهذا ما يسهل عمل المنافقين في توجيه مشاعر الدينين نحو تلك اللحظات التاريخية وتهييج الأمة على بعضها البعض خدمة لأغراض سياسية معينة .
الأصولية الدينية وما أفرزت من إرهاب حالي هي الخطر على المجتمعات الآن , والرد عليها يكون عبر إصلاح ديني يعتمد في مرجعيته على العقل بدلا من القلب ’ على التفكير بدلا من التسليم ’ على الأرض بدلا من السماء , يقوده رجال دين تقاة همهم مرضاة الله تعالى وليس النفاق من أجل مكاسب دنيوية وهو بيت القصيد في سلسلة مقالاتي هذه الذي بدأتها بمقال عنونته - هواجس حول الاصلاح الديني وضرورته الحالية في بلادي - وما زال أمامي مشوارا يتطلب بعض المقالات الأخرى قبل أن أصل الى لب الموضوع واطرح وجهة نظري التي أطمح من ورائها تفعيل الحوار حول الإصلاح الديني وضرورته الحالية في بلادي .
كامل عباس – اللاذقية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السحر .. في القرآن !! / قناة الانسان / حلقة 88


.. قناة الانسان


.. نشرة الرابعة | تعرف على مهام موظفات المسجد الحرام




.. باكستان تطالب الغرب بتجريم اهانة النبي محمد ومتظاهرون يحتجزو


.. فيديوهات فض اعتصامات الإخوان في مصر تعود للواجهة بعد مسلسل #