الحوار المتمدن - موبايل


العقليون والاصلاح الديني في أوروبا

كامل عباس

2007 / 8 / 13
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


(هذا المقال مُهدى الى الصديق العزيز الأستاذ رياض سيف مع تمنياتي له بالشفاء العاجل من مرضه الأخير)

أعتقد جازما ان أي باحث وناقد ينقب في تاريخ الأمم سيصل - إذا كان موضوعيا - الى قناعة مفادها ان اوروبا هي الأغنى في تاريخها على الصعيد الثقافي والسياسي والاجتماعي , والأكثر عطاء لقضية الجنس البشري من بقية الأمم , وقد ساعدها على ذلك مناخها المعتدل وخصوبة أرضها وموقعها الجغرافي , ولكن سر تفوقها في العطاء المتواصل لقضية الانسان عن بقية الحضارات القديمة مثل حضارة الصين ومصر وبابل يعود الى عوامل توفرت لها دون غيرها من الحضارات الأقدم والأعرق (( أما الشرق, ومع أن حضارته هي الأقدم بكثير إلا أن تطورها كان له مسار مختلف عن الغرب , والسبب أن تلك الحضارات بدأت مسيرتها حول الأنهار , النيل في مصر , الرافدين في العراق , وأنهار مماثلة في فارس والصين والهند وغيرها من تلك البلدان , واعتماد تلك الحضارة على مياه الأنهار مما استدعى ظهور مركز ينظم ويشرف على توزيع المياه تطورت مهامه مع الزمن لتشمل شق الترع والقنوات والمصارف وبناء القناطر والسدود والجسور , وضبط مياه النهر على مدار العام والإحتياط لسني الجفاف والفيضان . هذا المركز تطور الى حكومة مركزية قوية تشرف على نظام الري في طول البلاد وعرضها وتجمع بيدها كل السلطات وتقوم بتنظيم أعمال الصيانة والسخرة وبث الرعب والذعر في نفوس الناس لإرغامهم على الطاعة . يقف على رأس هذه الدولة المركزية فرد قوي يصبح مهيمنا ,جبارا , مقتدرا ,قاهرا , واهبا , مانعا , جليلا , مهيبا, ..الخ. )) (1) وأفضل باحث أشار الى تلك السمة من التطور هو الباحث المصري احمد صادق سعد في كتابه الغني (في ظل النمط الآسيوي للانتاج , تاريخ مصر الاجتماعي الاقتصادي , مصر الفرعونية و الهلينية , الامبراطورية الاسلامية ’ الفاطمية من المغرب الى مصر و عهد المماليك ) ومنه نقتطف الفقرة التالية التي تصح على كل البلدان ذات التاريخ الاستبدادي الآسيوي (( وبعد فمهما كان منفرا للنفس البشرية ان تشاهد ذلك العدد الضخم من التنظيمات الاجتماعية النشطة الأبوية والمسالمة تتفكك وتتحلل الى أجزائها , وتُلقي في بحر من المحن , ويفقد إفرادها الأعضاء شكلهم القديم للحضارة ’ فعلينا الا ننسى ان تلك المشتركات الفردية الرومانسية مهما بدت مسالمة , فإنها كانت دائما الأساس الصلب للطغيان الشرقي , وأنها كبحت العقل الإنساني في اصغر مدى ممكن ’ وحولته الى أداة لا تقهر للخرافة , واستعبدته تحت نير القواعد التقليدية , ونزعت عنه كل عظمة وطاقة تاريخية ’ علينا الا ننسى الأنانية البربرية التي ركزت انتباهها على بعض القطع البائسة من الأرض فشاهدت هادئة امبراطوريات تنهار وأعمالا تُقترف في قسوة يعجز عنها الوصف , علينا الا ننسى ان هذه الحياة الراكدة التي لا كرامة فيها والنباتية , هذا النوع السلبي من الوجود كان يثير في الجهة الأخرى وفي تمايز مناقض له قوى خراب هائجة لا هدف لها ولا حدود ’ وجعل من القتل نفسه طقسا دينيا في الهند ’ علينا الا ننسى ان هذه المشتركات الصغيرة كانت ملوثة بالتمييز بين الطبقات المتوارثة بالعبودية , وانها كانت تخضع الانسان للظروف الخارجية بدلا من ان تدفعه ليكون سيدا على الظروف , وانها حولت وضعا اجتماعيا الى قدر طبيعي لا يتغير ’ وبالتالي أتت بعبادة للطبيعة تنفث الوحشية ويظهر انحطاطها في كون الانسان سيد الطبيعة يركع متعبدا أمام هانوي القرد وسيالا البقرة)) (2)
وهذه الحضارة التي قامت حول الأنهار في مصر وبلاد الرافدين جعلت من تلك البلدان بلدان شرقية سياسيا بامتياز , وهو وصف شائع لها بسبب تاريخها الاستبدادي وبنيتها الراكدة , مع انه خاطئ جغرافيا , فهي تشكل الضفة الأخرى من حوض المتوسط وتمتاز مثل البلدان الأوروبية بمناخ معتدل وارض خصبة وموقع جغرافي مميز , ولكن تلك السمة من دور الدولة وما تبعه من استبداد جعلها تصنف بكونها مركز الشرق سياسيا مع ان الشرق يبتدئ من أفغانستان ويمر بالصين والهند وروسيا ... الخ
على العكس من الضفة العربية اذا صح التعبير في حوض المتوسط , تحللت المشاعات القديمة للضفة الأوروبية دون ان تعرف ذلك الدور للدولة , وأعطت مشاعاتها السلافية والجرمانية تشكيلات اجتماعية متعاقبة , كل تشكيلة درجة أعلى من سابقتها قي التطور الاجتماعي والانساني - رق – اقطاع - رأسمالية - وشهدت صراعا طبقيا واضحا وجليا ومكشوفا وحادا اشتركت فيه مكونات المجتمع الأهلي والمدني وعرفت حيوية كان للعقل دورا كبيرا فيها لم يعرف ذلك الدور في تاريخ الأمم الأخرى (( حقا لم يكف الناس عن الثناء على الفضلاء الصينيين والحكماء المصريين , ولكن كان ينبغي الاعتراف بأنه لاالصين ولا مصر قد وفتا بالعهود التي قطعتها مظاهرهما في الماضي , فبقيتا جامدتين ’ بينما ان العقلية الغربية قد أظهرت شغفا بالاطلاع لا يقبل الفتور ’ وانها لم تتوقف قط ’ بحيث ان الاغريق واللاتينيون أنفسهم قد تفوق عليهم العصر الراهن )) (3)
ذلك التاريخ وما راكم من ثقافة ووعي في ذهن الانسان الأوروبي لمصلحة الانسان وحقوقه والذي تجلى أثناء حرب العراق بمظاهرة كان عددها أكثر من ثلاثة ملايين , مشبوكي السواعد رجالا ونساء ,وقد عبر عن محتوى تلك المظاهرة شابة أنيقة كشفت عن نهديها وكتبت على احدهما صدمة , والأخر , ذهول , سخرية بعناوين العمليات العسكرية للإدارة الأمريكية , مثل عاصفة الصحراء و وثعلب الصحراء , وتعني فيما تعنيه تلك المظاهرة رفض الخيار العسكري بأي شكل في العصر الحالي للبشرية لما يسبب من دمار على المستوى الاجتماعي والسياسي والنفسي والبيئي ,
ذلك التاريخ يؤهل اوروبا لأن تكون قاطرة الأمم نحو المستقبل , وعلى كل غيور على الجنس البشري وحقوق الانسان من بقية الأمم أفرادا او مؤسسات او أحزابا وحركات اجتماعية او بيئية ان يدعم ذلك الخيار لكي نصل الى عالم, فيه الانسان مواطنا داخل قرية كبيرة بغض النظر عن جنسه ولونه وعرقه وقوميته ودينه, وعلينا جميعا ان نوظف كل السبل التي تخدم الانسان من أي حضارة جاءت ’ واذا كان التطور الاجتماعي أعطى أوروبا هذا الدور وهو لمصلحة الجميع قعلينا الا ننزعج من ذلك , وان نغفر لها الجزء السلبي في تاريخها والذي كان ضد هذا الاتجاه مثل مرحلة الحروب الصليبية التي كان هدفها استغلال الآخرين بحجة الدفاع عن المسيحية ومرحلة الاستعمار الأوروبي بعد استيلاء البورجوازية على السلطة في اوروبا ومن ثم الاتجاه نحو استغلال موارد وثروات الشعوب الأخرى عبر نهب تلك البلدان التي استعمرتها بالقوة ’
بهذه الروح أردت ان استأنس بالإصلاح الديني في اوروبا ودافعي الى ذلك إصلاحا دينيا في البلدان ذات الحضارة العربية الإسلامية يكون مركزه دفع العقل للنهضة بهذه البلدان.
..................................................................................

في سياق التطور التاريخي ظهرت المسيحية كديانة توحيدية أرقى من الديانة الوثنية , وككل جديد يلقى مقاومة من القديم ويحتاج الى تضحيات جسام حتى يفرض وجوده , ولقد ضحى المسيحيون الأوائل وذاقوا الويلات من الأباطرة التي كانت تجسدهم الديانة الوثنية كآلهة وتطلب من الشعب الركوع لهم ’ومعروف ماذا جرى لهم على يد نيرون الذي احرقهم في روما بالجملة ’ ولكن ذلك زادهم إصرارا على التمسك بتعاليم دينهم الجديد فنظموا أنفسهم وعبئوا قواهم في تنظيم كنسي له أديرته ومراتبه التنظيمية التي تنتهي برأس الهرم وهو البابا , وكانوا في ذلك التنظيم السري نصير كل مظلوم , وفي النهاية أصبحوا قوة على الأرض فرضت نفسها على القياصرة
(( وليس في تاريخ البشرية قصة أعظم روعة من فئة قليلة من المسيحيين توالت عليها ضروب الظلم والازدراء على يد سلسلة طويلة من الأباطرة , ولكنها صبرت على هذه المحن جميعها واستمسكت بدينها وتضاعف عددها وهي هادئة ساكنة تقيم النظام وقت ان كان أعداؤها ينشرون الفوضى , تصد القوة بالقوة والوحشية بالأمل ومن ثم تهزم آخر الأمر أقوى دولة عرفها التاريخ . لقد التقى قيصر والمسيح في المجتلد فانتصر المسيح على قيصر)) (4)
لكن المسيح عاد وتصالح مع القيصر على يد الأمبراطور قسطنطين, هذا ماجرى في مجمع نيقية المعروف في التاريخ حيث تم تكييف الديانة المسيحية بما يتلاءم مع تاريخ روما وآثينا فاستبدلت روح دعوة المسيح التي تؤمن - بان دخول جمل في خرم إبرة أسهل من دخول غني ملكوت الله - بروح بولص التي تناصر الأغنياء وتدعوا الى طاعة الملوك (( لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة , لأنه ليس سلطان الا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله , حتى ان من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة ’ فان الحكام ليسوا خوفا للعمال الصالحة بل للشريرة .... )) (5) وأطلت الوثنية اليونانية برأسها من جديد داخل الديانة المسيحية في القربان المقدس وقيامة المسيح , وانتهى الأمر بقيام سلطتين في البلدان المسيحية الأوروبية سلطة زمنية برئاسة الملك وسلطة روحية برئاسة البابا تشد كل منهما أزر الأخرى , البابوية تشرع لحق الملوك الإلهي في السلطة ,وتوريثها لأبنائهم من بعدهم , والسلطة الملكية تغض النظر عن أملاك وإقطاعيات ومكوث وضرائب الكنيسة .
أفسد المال ضمائر رجال الدين المسيحي إفسادا تاما , وكتيب سيمون فيش الموجه الى الملك هنري عام 1518 يشي بهذه الحقيقة , ومما جاء فيه (( قي العهود الخوالي لأسلافك النبلاء هناك تسلل في دهاء الى مملكتك , شحاذون وأفاقون مقدسون ومتبطلون , أساقفة ورؤساء أديرة وشمامسة ومعاونو اساقفة وقساوسة ورهبان ورجال دين وكهنة وبائعو صكوك غفران ومحضرون . ومن يستطيع أن يحصي هذا الضرب المتبطل المخرب - الذي طرح كل عمل جانبا – ألح في السؤال الحاحا شديدا الى حد انهم حصلوا في أيديهم على أكثر من ثلث مملكتك بأسرها ؟ ان أعظم المقاطعات وأجمل الدور والأراضي والأقاليم ملك لهم , وكان لهم الى جانب هذا عشر محصول الغلة والمراعي والمروج والكلأ والصوف والمهور والعجول والحملان والخنازير والأوز والدجاج . أي نعم وأنهم ليتطلعون في حرص شديد الى أرباحهم الى حد ان الزوجات المسكينات لا بد وان يكن مطالبات بان يحسبن عشر كل بيضة والا فان الزوجة لن تحصل على حقوقها في عيد الفصح ... ومن التي تشرع في العمل مقابل ثلاثة بنسات في اليوم اذا كان بوسعها ان تحصل على عشرين بنسا على الأقل لقاء نومها ساعة مع اخ او راهب او قس )) (6) ولقد وصفت الكنيسة من قبل الكثيرين ممن بقي فيهم ضمير من رجال الدين بأنها عاهر تبيع نفسها بالمال , وكانت قمة ذلك الفساد بصكوك الغفران الشهيرة ,
الى جانب الفساد وبالتوازي معه سارت الرقابة على الشعب مسلحة بمحاكم تفتيش فاقت بقسوتها ووحشيتها أعظم الأباطرة بمن فيهم نيرون, على سبيل المثال لا الحصر مرسوم شاتوبريان الذي صدر عام 1551وهو ينص على ان من يطبع او يبيع كتب احد الهراطقة يرتكب جريمته عظمى ويحرق حيا ويستلم من يبلغ عنه ثلث أمواله , والهرطقة شملت كل من يعترض على سلطة الكنيسة بمن فيهم رجال دين مشهود لهم بتقاهم , تلك القسوة تتبعها مفكر معروف في اوروبا في كل كتاباته هو بيير بايل (( أتستعمل القوة في مسائل الضمير ؟ يا للشناعة !يا للفضيحة ! وينتقل بايل من سباب الى سباب ’ ومن استنكار الى استنكار . ان الكنيسة الرومانية التي تطالب لنفسها بالسلطة والعصمة ’ والتي تريد ان تفرض على الأرواح قانون الأقوى , والتي لا تتورع عن استعمال مبشرين أنصاف جنود وأنصاف وحوش ليست الا امرأة سليطة بل بغيا فاجرة . لا لن يجمعنا بالكاثوليك قياس مشترك بعد الآن , لأنهم يعودون دائما الى رطانتهم العتيقة , قائلين نحن الكنيسة وانتم العصاة , فلنا الحق في أن ننزل بكم العقاب دون ان تستطيعوا إنزاله بنا : يا للادعاء الذي لا يطاق ! فلتبق أوروبا في انقسام كما هي الآن !اللهم لا توقع الشعوب التي تخلصت من ربقة روما تحت نيرها مرة أخرى )) (7)
وهكذا لم يبق من المسيحية الأولى التي كانت نصيرا للفقراء والمظلومين سوى معجزات المسيح والعشاء الرباني , وشعائر فخمة متأصلة في تقاليد منيعة ’ متعالية تعاليا صريحا عن الشعب في اللغة والملابس والرموز والموسيقى , وكل شيء فيها محصور برجال الدين المنتظمين في سلك اللاهوت الخاضع للبابا , وهم وحدهم لهم الحق في تفسير الكتاب المقدس وتعاليمه بما يتناسب مع مصلحة البابا وأتباعه . وقد نافست تلك السلطة سلطة الملوك وجرى صراع مكشوف بين الجهتين في اوروبا حول أيهما يجب ان يخضع للأخر الملك ام البابا ؟ ولكن السلطتين كانتا موحدتين ضد الهراطقة سواء كانوا رجال دين اعترضوا على فساد الكنيسة والملك او فلاسفة وعلماء ومصلحين اجتماعيين , الكل وسموا بسمة الهرطقة, وقد تضافرت وتكاملت جهود السلطتين في ملاحقتهما وتعذيبهما ليكونا عبرة لمن يتطاول على السلطة سواء كانت زمنية ام روحية , وقد بلغت تلك الوحشية مداها في ايام لويس الرابع عشر في فرنسا (( كم تغير صوت القسيس كلود بعدما فسخ لويس الرابع عشر الأمر المشهور!يعلن كلود انه قد مضى الزمن الذي كان المرء يستطيع فيه ان يقارع الدليل بالدليل , والسبب بالسبب , واذ لم يكن الظفر الا بسلامة النية ,فانظر كيف خدعوه و ومن معبده اقتلعوه , وكيف أجبروه على ان يأخذ طريق المنفى في بحر أربع وعشرين ساعة , يا للذكريات الأليمة !لقد أقبلت الجنود ’ وطوقت الطرق ومنافذ المدينة ’ حيث نصب الحراس ’ ثم اخذوا يتقدمون وسيوفهم مشرعة صائحين القتل ...! القتل او الكثلكة ! وبين صيحات السباب والانتخاب , اخذوا يشنقون الناس , رجالا ونساء ’ من الشعر ومن الأقدام ’ على أسقف الغرف او منحنيات المداجن , وكانوا يعذبونهم باستنشاق دخان القش المبلول وينتفون شعر اللحى والرؤوس ’ وكانوا يلقون بهم في نار أشعلت خصيصا لهذا الغرض , ولا يخرجونهم منها الا نصف مشويين ’ وكانوا يغلّونهم بالحبال ثم يغطسونهم بالآبار ’ ولا يخرجونهم منها الا بعد وعد بتغيير الدين )) (8)
ولكن تلك الشدة في التضييق على المنادين بالإصلاح ذادت غالبيتهم إصرارا على مقاومة إجراءات الكنيسة والملك وقد اتخذت المقاومة شكلين من الاصلاح
1- اصلاح على قاعدة الضمير , وهؤلاء كاثوليكيون حتى نقي عظامهم ومع سلطة البابا الجالس على الكرسي الرسولي وممثل الله في الأرض , ولكنهم يطالبون بالعودة في البساطة والتقشف الى تعاليم المسيحية الأولى المنحازة للفقراء ضدا لأغنياء وتحض على العيش المشترك كما هو وارد في العهد الجديد (( وجميع الذين أمنوا كانوا معا وكان عندهم كل شيء مشتركا ’ والأملاك والمقتنيات كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج , وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة , واذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب مسبحين لله ولهم نعمة لدى جميع الشعب, وكان الرب كل يوم يضم الى الكنيسة الذين يخلصون)) (9) ولذلك لاعجب ان نرى قساوسة ورهبانا متزمتين دينيا ولكنهم يحلمون بمدينة الشمس او المدينة الفاضلة كرد على فحش وثراء الكنيسة والملك معا والذين أحرق الكثير منهم أحياء وعذبوا ولم يتراجعوا عن مطالبهم ومعتقداتهم الدينية مثل جون فيشر الذي قدم الى المحاكمة وهو في عامه الثمانين وليس فيه سوى الجلد والعظم ورفض ان يوقع على قَسَم يعترف به بالملك هنري رئيسا للكنيسة الانجليزية ,وسيرة المصلح الديني الكبير توماس مور مثال حي في ضمير اوروبا , فقد كان نائبا في البرلمان , وعلى مقربة من فساد السلطتين معا , مما دعاه للحلم بمدينته الفاضلة كبديل عن المدينة الفاسدة التي كان يعيش فيها , والتي كان يريدها على قاعدة الكنيسة الكاثوليكية , ولكنه كان يريدها بنفس الوقت متسامحة مع كل المذاهب الدينية الأخرى وحتى الذين ينكرون وجود الله تعالى’لايجب إكراههم على الاعتقاد بما هم غير مقتنعين فيه , وفي مدينته الفاضلة (( كل انسان يأخذ إنتاجه الى المخزن العام ويتسلم منه حسب ما تتطلبه احتياجاته . ولا احد يطلب أكثر مما يكفيه لأن الأمان من الحاجة يصده الجشع . ويتناول الناس الوجبات على مائدة مشتركة ولكن للمرء ان يأكل في بيته اذا شاء . وليس في المدينة الفاضلة عملة ولا شراء بثمن رخيص ولا بيع بثمن غال , وآفات الغش والسرقة والنزاع على الملكية غير معروفة ... الخ )) (10) وبذلك رأت فيه الكنيسة بعد تلك الأحلام أخطر الهراطقة على الاطلاق , فاستحق السجن حتى يتوب وقد استغربت زوجته كيف يرضى ان يحبس بين الفئران والجرذان بينما في وسعه ان يعود الى بيته الفسيح فيما لو فعل ما يفعله كل الأساقفة والمتعلمين الذين يطمحون برضى الملك ’ ولكنه كان يجيبها بإصرار بأنه خادم الرب اولا قبل الملك , ورفض ان يعترف بسيادة الملك على الكنيسة بل السيادة فيها للبابا , وبذلك استحق التقديم الى المقصلة في السابع من تموز عام 1534 , وعلق راسه بعدها على جسر لندن .
اما لاصلاح الثاني في الكنيسة على قاعدة الضمير الذي نادى به رجال دين مثل ويكلف وكالفن ولوثر وانتهى الى ما عرف بالمذهب البروتستانتي ’ فلم يخرج عن الدين ’ بل رأى رواده ان المسيحية الحقة هي التي لا توسط فيها بين الانسان والله , ولذلك يجب رفض ما تدعيه الكنيسة او يدعيه أي قس من ان يكون واسطة لابد منها , وبهذا المعنى يكون كل مسيحي قسيسا ’ وكل انسان غير معصوم عن الخطأ بما فيه البابا , وكل مسيحي يحق له الاطلاع على الكتاب المقدس , ولا يجب ان يحصر بالبابا وأساقفته وكرادلته , وقد أصر أتباع هذا المذهب على ترجمة الكتاب المقدس وكان أول من قام بترجمته مدرس في جامعة كامبريدج هو ويليام تايندل عام 1524 وقد لاحقته الكنيسة وتمكنت من القبض عليه بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ وقدمته الى المحاكمة بتهمة إفساد معاني الكتاب المقدس وأعدمته حرقا بالنار وهو حي في ساحة عامة ,
لكن البروستانتية صمدت ولاقى فيها الكثير من الملوك بالنهاية عونا لهم ضد سلطة البابا المطلقة على اوروبا .
2- إصلاح على قاعدة العقل :
تتميز قارة اوروبا عن بقية القارات بمكانة العقل الكبيرة في تاريخها ’ ولا أدل على ذلك من عدد العباقرة العقليين الذين ساهموا في حضارة الجنس البشري بكل ميادينها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية والفنية والنفسية والأدبية ’ وما زال نتاجهم يشغل حيزا كبيرا من محاضرات كل جامعات العالم ’ ريكاردو , , سميث , مكيافلي , هيغل , كنت , فيورباخ , ماركس , ديكارت ’ هيوم ’ غاليلوا ’ كوبرينكس ’ مايكل انجلو ’ ليوناردو دافنشي , سرفانتس ’ شكسبير , فولتير , فرويد , وغيرهم وغيرهم الكثير ’ لم يحلم هؤلاء بمدن فاضلة يكون كل شيء فيها مشتركا بين الناس كما حلم زملاؤهم رواد الاصلاح على قاعدة الضمير وتعاليم الأديان السماوية ’على الضد من ذلك كانوا يرون ان التبشير بالمساواة حماقة ’ فلن يتساوى الانسان الفاضل مع الوغد أبدا وسيظل يوجد تفاوت بين الشاب والشيخ , والغبي والذكي , وتفاوت ايضا في الملكية بين الطبقات ’ بل يكفي ان يكون الناس متساوون امام القانون . ورأوا ان المشكلة في الأديان القائمة التي تقيد العقل وتروج للمعجزات والأساطير والخرافات وتدعم الحق الالهي للملوك في السلطة , وكان همهم المشترك هو مقارعة الاستبداد الذي يحد من حرية العقل ويدفع باتجاه الإيمان والتسليم بقضاء الله وقدره وهو ما تفعله السلطتين الزمنية والروحية بملاحقتها لكل عقلي تحت بند انه هرطوقي يسعى لتقويض النظام الاجتماعي ’ فالسلطات المستبدة عموما ترى الخطر الرئيسي عليها يأتي من انسان حر يفكر تبعا لعقله ويعبر عن فكرته بالكلام والكتابة ,و يختار دينه تبعا لضميره سواء كان الكاثوليكية او البروتستنتية او البوذية او اليهودية او الاسلام .
مشكلة هؤلاء هو التفاوت الكبير فيما بينهم لدرجة ان الفيلسوف ديدرو تساءل بحق هل يمكن ان ينتصر هؤلاء على جيش المؤمنين المنضبط تحت لواء الله وكرسيه الرسولي ؟
(( هناك مسألة عظيمة في حاجة الى الحسم , وهي معرفة ما اذا كان هذا الجزء يؤلف هيئة ... لأنه لا توجد هنا معابد ولا مذابح ولا تضحيات ولا مرشدون, ولا يتبع الناس راية مشتركة , ولا يعرفون تعقيدات عامة , والكافة منقسمة الى طوائف تتفاوت كثرة وقلة , وهي غيورة على استقلالها ))(11) .
ومع إقرارنا بذلك التفاوت والتدرج فيما بين عقليي اوروبا وصعوبة الفصل بينهم , من الذين يومنون بالله ويعتقدون ان المسيح رسول من الرسل , الى الذين ينكرون وجوده صراحة , فاننا يمكن ان نقسمهم الى فريقين
- فريق يقر بأنه لا توجد ساعة بلا ساعاتي , وان لدينا أمام أعيننا ساعة جيدة الضبط , ولذلك لابد ان يكون هناك عامل ماهر قد صنعها وهو الذي ينظم ضبطها وهو الله ’ ولكنهم ينكرون الوحي , وذلك لأن العقل عندما يختبر الوحي يجد فيه تناقضا , فالوحي يقر بالمعجزات والخرافات , والإيمان يجب ان يكون على قاعدة العقل ’ هؤلاء أطلق عليهم في اوروبا اسم المؤلهون وهم مؤلهون متعددون لدرجة التناقض احيانا ’ يعبر عنهم أحسن تعبير المؤله المشهور والأديب الكبير فولتير الذي يقر بوجود الله تعالى ويرى ان الإلحاد خطر حقيقي على النظام الاجتماعي ولكنه بنفس الوقت يرفض جميع الديانات التي بحثت في صفات الله لأنها تفتقر الى المصداقية ويريد دين بلا اسرار ولا وحي ولا معجزات ولا اعتراف , وهو ما ما دعا الكثيرين في عصره لأن يصفوه هو وغيره من المؤلهين بأنهم - نوع من الناس ليس لديهم القدر الكافي من الضعف ليعتبروا أنفسهم مسيحيين , ولا القدر الكافي من الشجاعة ليعتبروا أنفسهم ملحدين –
- فريق ينكر وجود الله صراحة او مداورة , ولا يقيم وزنا سوى للقوانين التي تفعل فعلها في المجتمع والطبيعة والكون بدون أي تدخل من قوى ماورائية او ما شابهها , وهؤلاء يعطي صورة عنهم المفكر الكبير سبينوزا في الفلسفة والسياسة الذي رأى انه (( لم يبق من المسيحية الا تقاليد شكلية واعتقادات باطلة , اعتقادات تجعل من الناس حيوانات بمنعهم من حرية استعمال الحكمة وبإخماد شعلة العقل البشري ’ ينبغي ان نعاود البدء على أساس هذا ا لعقل , وان نعمل باسمه على هدم مؤسستين غير منطقيتين دنيا الكنيسة ودنيا الملك )) (12)
(( إن الدين المسيحي لم يكن الا ظاهرة تاريخية يفسرها الوقت الذي ظهرت فيه والظروف التي تطورت خلالها , ظاهرة لم تكن لها الا صفة زمنية لا أبدية , نسبية لا قطعية .
ان الملوك استغلوا الاعتقادات الدينية لمصلحتهم الشخصية ’ وان النظام الملكي هو فن خداع الناس ما دام يزين ذلك الخوف الذي يرمي أصحاب السلطان الى بقاء الناس فيه كالعبيد ويقدمه لهم باسم الدين .
ولو أراد الناس التخلص من تلك الحالة فليس أمامهم الا دواء واحد , هو تطبيق روح الفحص التي نستعملها في نقض الخرافة والقضاء عليها , على طبيعة الأنظمة السياسية وأغراضها , لتحقيق ذلك لا بد من البدء بالتفكير الحر , حينئذ سيدركون ان الدولة لم تتأسس للاستبداد والطغيان ’ وان الحكم ليس الا تفويضا ارتضاه المواطنون , وان الديمقراطية هي اقرب أشكال الحكم الى القانون الطبيعي , وان غرض الأنظمة السياسية , في كل الأحوال , هو ان تضمن للفرد حرية العقيدة ’ حرية الكلام وحرية التصرف .)) (13)
.............................................
الخلاصة :
تضافرت جهود المصالحين الأوروبيين وتكاملت على قاعدة الضمير والعقل ’ ووقفت ضد فساد الملك والبابا , ضد محاكم التفتيش وصكوك الغفران ’ ضد الملاحقات للمعارضين بكل تلاوينهم تحت تهمة الهرطقة , وصمدت قرونا احرق فيها الكثير من المواطنين الأوروبين وهم أحياء , ولكنها أنتجت بالنهاية دولا حرة ديمقراطية في كل بلد ’ وكان كل بلد اوروبي له طريقه الخاص سواء عبر الاصلاح التدريجي ام الثورة من أعلى او من أسفل ’ وكان ختامها مسك بالثورة الفرنسية التي أهدت للعالم – اعلان حقوق الانسان والمواطن - الذي تم التصويت عليه داخل فرنسا في آب عام 1789 ووضع على رأس دستور سنة 1791
(( ان الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الحقوق : ان التمييزات الاجتماعية لا يمكن ان تؤسس الا على المنفعة المشتركة . ان غاية كل جماعة سياسية هي الاحتفاظ بحقوق الانسان الطبيعية وغير القابلة للإبطال , وهذه الحقوق هي الحرية والملكية ومقاومة الاضطهاد . اذ ان القانون هو التعبير عن الإرادة العامة , ولا يمكن ان يتهم احد , ولا إن يعتقل ’ ولا أن يحجز الا في الحالات التي عيّنها القانون وعلى الصورة التي أمر بها . ان الإعلان الحر للفكر والآراء هو احد حقوق الانسان الأكثر نفاسة , واذن فكل مواطن يستطيع الحديث والكتابة والنشر في حرية . ان كل مجتمع ليس فيه ضمان الحقوق مؤكدا , ولا انفصال السلطات مستقرا ليس له دستور . ))
يهمنا هنا ان نؤكد ان تلك الصيرورة في اوروبا جعلت العقل والضمير يتناسبان طردا مع بعضهما ويسيران باتجاه واحد بسبب تركيز المصلحين على الحرية , وهو الذي جعل المواطن الأوروبي الحالي ينعم بالحريات المتعددة
- حرية الصحافة والطباعة والنشر
- حرية التعبير عن الراي واحترام الرأي المخالف
- حرية المعتقد وتغييره من دين الى دين او من مذهب الى آخر ضمن الدين الواحد
- حرية الزواج المدني
- حرية التظاهر
- حرية تشكيل احزاب او جمعيات او نقابات مستقلة .........ألخ
والأهم من الحريات كان فصل الدين عن الدولة والسياسة في أوروبا , وهو ما يعرف عند مثقفي بلادي بالعلمانية , وهذا اصطلاح غير موفق وغير معبر عن تلك الصيرورة ’ بل يعبر عن جانب منها وهو دور العقليين فيها. كما انه يُفسَر خطأ لدى العديد من المثقفين العرب والسوريين , فالعلمانية لم تعني الإلحاد ولا فصل الدين عن الدولة ’ بل عنت في اوروبا تجاور الدينين وغير الدينين وتضافر جهودهما لكي يكون الدين لله والوطن للجميع , وهم مازالوا يتجاورون في اوروبا وكل يحترم قناعات الآخر وهو المعنى العميق لعلمانية أوروبا .

لم يكن مركز علمانية اوروبا هو دور العقل - على أهميته - فيها , بل كان الأهم منه هو حرية المرء في الاستعمال العام لهذا العقل .

كامل عباس – اللاذقية
...........................................

هوامش :
1- من كتاب – الناصرية نهضة ام سقوط ؟ كامل عباس: دار التكوين : دمشق ص 45
2- تاريخ مصر الاقتصاد الاجتماعي : أحمد صادق سعد ص 31
3- الفكر الاوروبي في القرن الثامن عشر: تأليف بول هازار : ترجمة د محمد غلاب , منشورات وزارة الثقافة ص 519
4- قصة الحضارة : ويل ديورانت ج 25 ص 381
5- من رسالة بولس الى اهل رومية : الاصحاح الثالث عشر
6- قصة الحضارة ج 25 ص 93
7- ازمة الضمير الأوروبي: تأليف بول هازار ترجمة جودت عثمان ومحمد نجيب المستكاوي ص 126
8- المرجع السابق ص 104
9- اعمال الرسل : الاصحاح الثاني : الآيات 43 .44 , 45 , 46.
10- قصة الحضارة ج 25 ص 109
11- الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر : بول هازار ص 471
12- ازمة الضمير الوروبي : بول هازار ص 169
13- المرجع السابق ص170









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لقطات مرعبة.. الإخوان يطلقون الرصاص على الشرطة فى رابعة وجام


.. حسان القبي: الجزائر حصلت على تقارير استخباراتية بوقوع لقاءت


.. السحر .. في القرآن !! / قناة الانسان / حلقة 88




.. قناة الانسان


.. نشرة الرابعة | تعرف على مهام موظفات المسجد الحرام