الحوار المتمدن - موبايل


المسيحية والإسلام في الميدان السياسي

كامل عباس

2007 / 8 / 25
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


( هذا المقال مهدى أيضا إلى الصديق العزيز الأستاذ رياض سيف تضامنا معه في محنته ومرضه )

احتاج العقل إلى مسيرة زمنية طويلة لظهوره – وقد جاء بحسب الفلاسفة الماديين نتاجاً وثمرة لتطور الأنواع – وبه تميز الانسان عن بقية الكائنات الحية ,ولكن مسيرة تطور من نوع آخر بدأت بظهور العقل , انها مسيرة التجمعات البشرية التي أعطت الأمم الحالية ’ ويبدو ان هذه المسيرة هي الأخرى تحتاج إلى زمن ليس قليلا ليصبح الانسان حرا في استعماله العام لعقله .
ليس من المبالغة القول على ما اعتقد ان الغالبية العظمى من التجمعات حتى الآن في كل مكان يفرض فيها على الانسان اسمه ودينه ووطنه وعادات وتقاليد وثقافة يرضعها مع حليب امه - او مع حليب النيدو لا فرق – كل ذلك يرسم إطارا عاما لعقل المرء كي يتحرك ضمنه , وقلة قليلة جدا تتمرد على تلك العادات والتقاليد فيما بعد فتستعمل عقلها بدون تلك الضوابط وتُكِون ثقافتها الخاصة بها ’ فتغير دينها او طائفتها او وطنها استنادا إلى ثقافتها الجديدة , هؤلاء العقليون لقوا في التاريخ ومازالوا يلقون كل أنواع العذاب والآلام لاستعمالهم الحر لعقلهم - من العزل إلى المقاطعة إلى السجن - وغالبا ما يكون ذلك مغلفا بتهمة الإساءة لمشاعر العامة الدينية .
ومع ان الدين لم يكن متعارضا في بداية نشوئه مع العقل- بل كان الشكل الجنيني له – الا انه تحول فيما بعد ليصبح كابوسا على كل من يستعمل عقله .
ان الاستعمال السياسي للأديان افسد تعاليمها الأصلية وحولها إلى كابح للعقل ’ والدليل على ذلك مسيرة دينين رئيسيين هما المسيحية والاسلام .
فالدين المسيحي أعطى دفعة قوية للعقل قياسا بالوثنية التي كانت سائدة قبل ظهوره وكان نصيرا للفقراء والمظلومين , وظل كذلك حتى اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية , لتبدأ مسيرة تفريغ المسيحية من مضمونها الأساسي ’ وتتحول بالنهاية إلى داعم للملوك والأباطرة وحقهم الإلهي في السلطة , وتصبح سيفا مسلطا على كل من يستعمل عقله , لتطاله محاكم التفتيش ويحرق حيا كونه هرطوقي يسعى لتقويض السلام والنظام الالهي .
اما الدين الاسلامي فقد تمكن نبيه ومؤسسه محمد بن عبد الله من القبض على السلطة قبل ان يموت ,وأسس دولة أراد لها أن تكون قائمة على الشورى ’ – أي انها تستمد شرعيتها من شعبها أيضا, وكان الدين الجديد بنفس حماس الدين المسيحي لنصرة كل مظلوم في الأرض , وقد ركبه الأغنياء من داخله بعد ان فرض وجوده , وكيفوه بالنهاية لخدمتهم وأصبحت فتاوى فقهاء المسلمين تُشرع للحكام وحق أولادهم الوراثي في السلطة بحجة خطر الفوضى في المجتمع !!
في كلا الدينين كان هناك أنصار للعقل ناضلوا بجدية في كل العهود كي لايصبح جوهر الدين كما يريده اللاعقليون , اي التسليم بمشيئة الله التي ارتضت - حسب زعمهم - للحكام السلطة والثروة في الدنيا , ولعامة الشعب جنان الخلد في الآخرة .
وقد تكللت جهود العقليين داخل البلدان المسيحية بالنجاح وتم الفصل بين السياسة والدين في نهاية المطاف .
لكن كل المحاولات الاصلاحية المستندة إلى العقل داخل البلدان ذات الحضارة الاسلامية فشلت فشلا ذريعا ( سنحاول استعراض ابرزها في المقالات اللاحقة ) وكان السبب الجوهري في ذلك هو البنية الراكدة لتلك البلدان قياسا بأوروبا ذات البنية التطورية الحيوية .
في اوروبا كان هناك سلطتان مفصولتان عن بعضهما , سلطة زمنية على رأسها الملك وسلطة روحية على رأسها البابا
وهو الذي سهل فصل السياسة عن الدين كليا
في البلدان ذات الحضارة الاسلامية اندغمت سلطة الدين بالدنيا لأكثر من (1400) عام , وحالت تلك البنية الراكدة من تجاوز المستنقع , الأمثلة عديدة قدمها لنا التاريخ حول اثر تلك البنية (بشقيها الراكد والحيوي )المتعاكس على التطور لاجتماعي داخل البلدان ذات الحضارة المسيحية والاسلامية نكتفي هنا بمثالين وباختصار شديد :
1- لقد انقسم الدين المسيحي إلى مذهبين رئيسيين هما الكاثوليك والبروتستانت ’ وقد جاءت البروتستانتية كحركة اصلاحية داخل الدين المسيحي بعد فساد المؤسسة الكنسية الكاثوليكية وطالبت بالعودة إلى الدين المسيحي الحق وفسحت مجالا للعقل في أماكن انتشارها ودشنت عهدا جديدا في البلدان المسيحية استمر أكثر من أربعة قرون حتى أخذ الإصلاح مداه وانتهى بفصل الدين عن السياسة وتجاور الدينين وغير الدينين مع احترام كل طرف لمشاعر الطرف الآخر وبدون مناورات من احد الفريقين على الفريق الآخر .
انقسم الدين الاسلامي أيضا إلى مذهبين رئيسيين هما السنة والشيعة , وقد كانت الحركة الشيعية مثل الحركة البروتستانتية , حركة إصلاحية ومبكرة في الاسلام , بدأت منذ عهد الخليفة الرابع , ومثل الحركة البروتستانتية طالبت بالعودة إلى منطلقات الإسلام الأساسية التي تحض على تمكين المستضعفين في الأرض والانحياز لهم ضد الأغنياء , ولكنها من جهة ثانية كانت حركة رجعية بامتياز حين طالبت بحصر الخلافة في آل البيت وقالت بعصمتهم , وفي ذلك خروج جلي وواضح عن مبادئ الاسلام التي تعتبر ان أي مسلم تجمع عليه الأمة يحق له ان يصبح خليفة المسلمين ’ أكثر من ذلك لعبت الحركة الشيعية وما زالت تلعب دورا رجعيا في البلدان الاسلامية باستحضارها الماضي بطريقة استفزازية مثل احتفالات عاشوراء مع ان المفروض منها كحركة اصلاحية ان تبرز جانب التسامح في الدين .
2- يعتبر الدين الاسلامي متقدما على الدين المسيحي في موقفه من تحرر المرأة ’ الاسلام شرّع لحق الزوجين في الانفصال عندما يصبح استمرار حياتهما مع بعضهما عبء على الاثنين , وعالج الغريزة الجنسية عند المرأة معالجة منطقية قياسا بالمسيحية التي أوصت بالرهبنة وقهر الجسد , وحرمت على الزوجين الانفصال مهما كانت الأسباب موجبة ’ وقد شاركت المرأة الرجل على عهد الرسول في الميادين الحربية والاجتماعية وحتى السياسية ولا ادل على ذلك من ان الرسول قال : خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء ( يقصد عائشة ) وكان ذلك متوقعا من دين استوعب التطور الاجتماعي الذي جرى للبشرية خلال ستة قرون بعد ظهور المسيحية , ولكن أثر التطور اللاحق في البيئتين الاسلامية والمسيحية قلب الآية , لتصبح مشاركة المرأة للرجل عند المسيحيين في كل الميادين ’ حتى انها تقف إلى جانبه بين يدي الرب أثناء الصلاة وهي بكامل زينتها دون ان يعترض احد من اساقفة وكرادلة المسيحيين الحاليين , ولكن في البيئة الاسلامية الرسمية الحالية يمنع عليها الاختلاط بين الرجال منذ البلوغ , وحتى في البيت الواحد لايسمح للأخ وأخته في النوم سوية في غرفة واحدة , وهناك فتاوى الفقهاء عديدين حاليين تعتبر صوت المرأة عورة , أصبحت المراة في البيئة الاسلامية الجديدة عبدة الرجل ودورها ينحصر في تلبية شهواته وتربية أطفاله والعناية بشؤونه البيتية ’ حتى بات الاصلاحيون الاسلاميون المنادون بتحرر المرأة يحلمون بدور مشابه لها قبل 1500 عام على عهد الاسلام الأول !!
تحالف الاسلام الرسمي في الشرق مع الاستبداد طيلة ألف عام وأنتج عادات وتقاليد متزمتة تغذيها فئات وشرائح اجتماعية دينية مستفيدة من تلك العادات ولها مصلحة في الحفاظ عليها كي تهيج مشاعر المسلمين ضد كل من يستعمل عقله .
لاشبيه للزمن الحلي في البلدان الاسلامية الا زمن محاكم التفتيش المسيحية في القرون الوسطى .
الارهاب الرسمي الاسلامي الحالي يوازي محاكم التفتيش التي كانت تحرق العقليين وهم أحياء بتهمة الهرطقة ,
- ان قطع الرؤوس بالبلطات وتفجير السيارات المفخخة في الأحياء الشعبية عمل بربري يشبه أعمال محاكم التفتيش
- ماذا نسمي فتوى تهدر دم كاتب مثل سلمان رشدي ؟
- ماذا نسمي التفريق بين الزوج والزوجة كما جرى مع حامد ابو زيد وزوجته ؟
- ماذا نسمي تعميم قوائم بمثقفين يعتبرهم الاسلاميون المتزمتون كفارا ومرتدين ويصرون على إقامة حد الردة عليهم؟
- ماذا نسمي تفجيرات تطال طائفة فقيرة ومسالمة مثل الطائفة اليزيدية ولا تحلم سوى بتركها تقيم شعائر دينها بحرية .
- ماذا نسمي تهييج العامة لتكسر وتحرق السفارات احتجاجا على شخص مارس حقه الطبيعي في التعبير عن رايه بشكل رسوم كاريكترية في احدى صحف بلاده .؟
لماذا لايقارع الاسلاميون الحجة بالحجة ويقابلون الكلمة بالرصاصة ؟
اليست هذه الممارسات شبيهة بممارسات الكاثوليك ضد العقليين الأوروبيين بداية عصر الأنوار هناك ؟
الا يعني ان بلداننا أصبحت بحاجة ماسة الى عصر أنوار مشابه يتم فيه اصلاحا دينيا يتجاور فيه الدينون وغير الدينين ويحترم كل واحد مشاعر الآخر ؟
لا أحد من العقليين السوريين ينكر حق أي مؤمن في إقامة شعائره الدينية بحرية او التضيق عليه لتغيير عاداته او تقاليده بالقوة سواء كان المؤمن مسيحيا او يزيديا او شيعيا او سنيا او درزيا او اسماعيليا او علويا ,ولكنهم ضد استعمال تلك المظاهر لارهابهم .
لم يعد مقبولا في القرن الواحد والعشرين استعمال مكبرات الصوت في الآذان لارهاب الناس ’ وفرض الآذان عليهم بالقوة .
أنهي القسم الأول من هواجسي - حول الاصلاح الديني وضرورته الحالية في بلادي - بحادثة تاريخية بليغة الدلالة عاصرت حدثها واعرف صاحبها عن قرب , ولكنني فضلت ان أوردها كما جاءت في كتاب مترجم حديثا من قبل وزارة الثقافة السورية :
الاسلام والغرب : تاليف برنارد لويس
ترجمه وقدم له د . فؤاد عبد اللطيف
منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2007
جاء في الكتاب ص 218 – 219 مايلي
(( ثمة برهان أبلغ على فرض الحدود الدينية على حكم الحزب الواحد حدث في سوريا في ربيع عام 1967 . ففي 25 نيسان من ذلك العام نشرت مجلة - جيش الشعب - الأسبوعية الصادرة عن الجيش السوري مقالة كتبها ضابط شاب اسمه ابراهيم خلاص عن كيفية تشكيل شخصية الانسان العربي الاشتراكي الجديد . وفقا للمقالة فان السبيل الوحيد لبناء المجتمع العربي والحضارة العربية هو بخلق انسان عربي اشتراكي جديد يعتقد ان الله والأديان والإقطاع والرأسمالية وكل القيم التي سادت في المجتمع القديم ليست أكثر من مومياءات في متاحف التاريخ, وان هناك قيمة حقيقية واحدة فقط : الإيمان برجل القدر الجديد المعتمد على ذاته والذي يعمل لأجل البشرية ويعلم أن الموت نهاية لا مفر منها وان لاشيء بعد الموت – لا جنة ولا نار ... ))
وبعد مظاهرات عنيفة في الشارع السوري يؤرخ لنا الكاتب الأمريكي قائلا :
(( وفي السابع من ايار أعلن راديو دمشق ما يلي : ان المقالة الآثمة والمضللة التي نشرت في مجلة – جيش الشعب – جاءت حلقة في سلسلة مؤامرة رجعية أمريكية واسرائيلية .. وأثبتت التحقيقات التي أجرتها السلطات بان المقالة وكاتبها لم يكونا سوى أدوات بيد المخابرات المركزية الأمريكية التي استطاعت التسلل بدناءة وقذارة الوصول إلى أهدافها بخلق الفوضى بين صفوف المواطنين .. وفي 11 أيار حكمت محكمة عسكرية على الكاتب ......... ))
قد اتفق او اختلف مع الكاتب الأمريكي وغايته من وراء ذكر هذه الحادثة
ولكن استطيع ان أقرر وبكل ثقة : ان عدم دفاع العقليين السوريين عن - ابراهيم خلاص - وحقه في استعمال عقله . وحق الرد عليه بالحجة , وليس في مثوله أمام محكمة عسكرية ’ أعطى زخما كبيرا للأصولية الاسلامية الحالية التي نعاني منها جميعا في الشارع السوري وهي حقيقة واضحة كالشمس في اغلب مدننا وقرانا .
ومادام الشيء بالشيء يذكر فإنني أهيب بكل العقلانيين السوريين الا يكرروا الخطأ مرة أخرى , وان يتحلوا بالشجاعة ويدافعوا عن :
حق رياض سيف في اختياره المكان المناسب لعلاج مرضه الخبيث .

كامل عباس – اللاذقية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أهمية المال في الإسلام | #بذور_الخير الحلقة السابعة


.. ضربة جزاء الزمالك المهدرة ..الحلقة السابعة من مسلسل ضل راجل


.. لقطات مرعبة.. الإخوان يطلقون الرصاص على الشرطة فى رابعة وجام




.. حسان القبي: الجزائر حصلت على تقارير استخباراتية بوقوع لقاءت


.. السحر .. في القرآن !! / قناة الانسان / حلقة 88