الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قلق الأديان... العودة بالدين لمربع الحاجات البشرية

سعدون محسن ضمد

2007 / 9 / 20
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ما هو الدين؟ من أين تبدأ حدوده، وإلى أين يمكن أن تصل مراميه؟ وهل الدين غاية محققة أو تتحقق، أم أنه وسيلة مشاعة وطريق يجب أن يوصل لشيء ما؟
على صعيد المعرفة، دائماً هناك فرق بين الديني والفلسفي، ومع أن كلاً من المجالين يعالج قضايا معرفية، غير أن الفلسفة لا تهتم بما هو جماهيري، نعم هي تهتم بالأخلاق، وضبط السلوك ومن ثم فلها عناية ـ بصورة أو بأخرى ـ بما هو جماهيري، غير أن الدين أرضيٌّ أكثر من الفلسفة، التي تتعالى دائماً على الكثير مما هو جماهيري.
الدين بيتي وعائلي وقروي وبدوي وحضاري وبدائي ومتطور، الدين يبدأ مع الطفل ولا ينتهي عند الشيخ الهرم. ومع ذلك فإن الدين لا يترك للفلسفة كل شؤون المعرفة، بل يذهب بالتأمل لمديات قد لا تصلها حتى هي. من جهة أخرى قد يؤسس الدين لمعرفة يتقاطع خلالها مع الفلسفة، والفلسفة بدورها قد لا تُقر للديني بكل رؤاه...
مع ذلك، ما هو الدين؟
في الطقوس الدينية يتحول الدين لممارسة، لأداء فقط، رقصة ربما، أو حركة مكررة ربما، المهم أن الطقوس تجسد البعد البشري في الدين وليس الإلهي، ومع أن الأداء الجسدي في أغلب أشكاله يفتح الأبواب على منافذ الروح وينفذ بالعقل والإدارك لمدايات تأملية خالصة، غير أن التركيز على الجسد في الطقس الديني يضل طافحاً ومميزاً. وإذا استبعدنا النتائج التأملية عن الطقوس فأنها لا تفقد لا معناها ولا جدواها، غير أن العكس صحيح. فالدفع بالطقوس لأن تكون ذات أهداف تأملية يفرغها من معناها الديني.
في الشعائر الحسينية مثلاً. في اللطم أو التطبير أو الركض (ركضة طويريج) أو ما إلى ذلك، ما هو الغالب، الجسدي أم التأملي؟ طبعاً الجسدي. في فعاليات الدراويش أيضاً. بهذه الطقوس جميعها تتجمع طبقات المجتمع المختلفة وتلتقي عينات من مستويات ثقافية متباينة. لكن مع ذلك تلتحم الأجساد في حمى الأداء الواحد، ما يكشف عن أن الغاية العليا من وراء الطقس هي الفعالية الجسدية البشرية، وليست التأملية، ففي التأمل لا يلتقي الشاعر والحداد بمكان واحد.
عندما يفتح الدين نافذة على الجسد فإنه يعلن للفلسفة بأنه أكثر قدرة منها على التواصل مع الإنسان. وعلى المطاولة معه في تحولاته التاريخية. للدين قابلية على الامتداد الزمني تفوق ما للفلسفة والعلم.
منذ أن وجد الإنسان على وجه الأرض وجدت معه (الحساسية) الدينية، ومنذ ذلك الوقت والدين يرافق الإنسان كما لم يرافقه أياً من معالم حضارته الأخرى أو مفردات ثقافته. وبين الرسم على جدران الكهوف، في حقب ما قبل التاريخ، والرسم على جدران الكنائس في القرون المتأخرة توجد رسالة واضحة تقول بأن الدين أبعد من أن يكون فكرة أو فلسفة أو قاعدة أخلاقية، وهو من جهة أخرى أعمُ من هذه الأشياء. هناك جانب بشري في السلوك (التديني) أو بالأحرى حاجة بشرية تنبعث من إرادة تجاوز ما هو مخيف أو غير مستقر في جدل الحضارة والإنسان.
لكن ماذا يمكن أن نميز بشرية الدين؟
عندما وصل العلم لقمة جبروته وبدت على العلماء خيلاء اليقين، خيل للكثيرين منهم بأن الدين يلفظ أنفاسه الأخيرة، وكان لهم الحق في ضنهم ذاك، فقد كان الاعتقاد الغالب بأن الدين معرفة، خاصَّة مع تدخل رجال الدين بكل فروع المعرفة محاولين ابطال معارف وإقامة أخرى، الأمر الذي حولهم لمجموعة من الحمقى والمشعوذين. لكن الدين وباعتباره (فعالية بشرية اجتماعية حضارية) غير مسؤول عن تخبط رجال الدين.
المهم أن اعتقاد رجال العلم بحتمية انهيار الدين كان مُبَررا ومعقولاً ولكن بحدود الجانب المعرفي منه. وفعلاً كفَّت الكنسية عن التدخل بشؤون العلم وبدا للكثير من علماء الدين المسلمين أن الاستهزاء بنتائج المختبرات العلمية سرعان ما يُكلف ثمناً باهضاً جداً. وهكذا سجل التاريخ أول تراجع للدين إزاء العلم، لكن مع ذلك لم يكفَّ المسيحيون عن ارتياد الكنسية. ولا المسلمون عن الصلاة في الجوامع. بمعنى آخر فإن فشل الجانب المعرفي من الدين لم ينسحب على الجانب السلوكي منه. الأمر الذي يجب أن يوقفنا أمام السؤال المهم جداً: ما هي الحدود الحقيقية للدين؟
في الفلسفة والعلم تكون الفعاليات ذهنية خالصة وتكون الغاية هي المعرفة أو الإدراك، في الدين الأمر مختلف... فكثيرا ً ما تُعَبِر الأفكار الدينية عن حاجات بشرية وليست عن رغبة معرفية. فكرة الحياة بعد الموت مثلاً فكرة دينية في أصلها، لكنها تعبر عن حاجة بشرية وليس عن رغبة معرفية، ولهذا نجد أن أكثر المعارف المرتبطة بهذه العقيدة هي معارف مُوَجِّهَة للسلوك وضابطة له، كما أنها، من جهة أهم، منسقة للحياة النفسية الداخلية للكائن البشري. أو مُطَمْئِة لمخاوف إنسانية مختلفة. وهي بعد ذلك غير معنية ـ على وجه الدقة ـ بمعرفة أو إدراك العالم الآخر، أي عالم ما بعد الموت. الأيمان بالله أو المطلق، بحد ذاته، أيضاً لا يعبر عن معرفة، لأن الإيمان في أصله فعالية تقفز على المعرفة والإدراك، وتتقاطع مع اليقين العلمي، فلا يتأسس الإيمان ـ وخاصة الجماهيري منه أو العام ـ لا على الاستقراء ولا على القياس، بل هو فعالية تشترط في أساسها التسليم بفكرة المطلق (الغيب)، أما الأسس الفلسفية التي تعالج موضوع الإيمان فأنها تأتي بمرحلة لاحقة وتابعة على الإيمان (التسليمي). والنص القرآني الذي يقول: ((الر ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)) يشير بصورة واضحة لهذا البعد في الدين، فالمتقين هنا موصوفين بالإيمان بالغيب، والغيب هو كل ما لا يمكن إدراكه، أي لا يمكن معرفته ولا التعاطي المباشر معه. هكذا يقفز الدين على أهداف العلم. ليكون فعالية منبعثة عن الحاجة للاطمئنان أو الاستقرار أو حتى التطور والنضج.
هناك الكثير من الأشياء التي تحيط بالإنسان البسيط وتدفعه للجنون، للخوف، للقلق. وهذه المخاوف لا يمكن مقاومتها بالفلسفة، فالبنّاء والنجّار وعامل التنضيف كل هؤلاء لا يتعاطون لا مع العلم ولا مع الفلسفة. الأمر الذي يجعلهم بحاجة للإيمان بمسلمات جاهزة تمكنهم من تجاوز عقبات الحياة وصعوباتها.
وبالعود لعملية المقارنة بين الدين والفلسفة، نستطيع أن نكتشف بأن التعامل مع الدين وسواء كان ذو أبعاد فلسفية أم علمية أم اجتماعية، يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار كونه حاجة، وليس معرفة، الدين انعكاس مباشر للآلام والمخاف البشرية التي لا تجد مُنعكسها المباشر في مجال آخر من مجالات الثقافة الإنسانية. الأمر الذي يبتعد بنا عن التعاطي مع الدين باعتباره رؤى معرفية تحتمل الخطأ والصواب، الدين يجب أن يكون خارج هذا المنطق، باعتباره حاجة، ومع قطع النظر عن كون العقيدة الدينية صادقة أم كاذبة تبقى هي حاجة ضرورية بل وحتمية، وإذا منعنا الإنسان من شكل من أشكالها ابتكر هو شكلاً جديداً ليؤمن به.
عندما ندعوا، منطلقين من دوافع معرفية تنويرية، لتحجيم الدين فإننا نفعل ذلك ونـحن نعامل الدين باعتباره معرفة، لكن المعرفة حدُّ من حدود الدين، وليس من اللائق أن نعالج الدين ونـحن نركز على أحد حدوده فقط. لهذا السبب انهارت عملية التنوير العربية أمام ضربات (غول) التدين الذي خرج عليها من تحت الأرض؛ أي من بين الجماهير صاحبة الحاجات البشرية البكر. فهذه الجماهير لم يطالها المد التنويري بكل تفاصيله، هو على الأقل لم يطمئن مخاوفها ولم يلغي قلقها من الموت والقدر والقيامة والنار ووووو.. الخ.
يخطئ رجل الشارع الذي يمارس الدين باعتباره حاجة، عندما يحاول الخروج بالدين لأبعد من مداه (البشري)، ويخطئ أيضاً رجل الفكر عندما يختصر الدين بالسلوك الشاذ أو الفكر (اللاتنويري) ويحاول من هذا المنطلق أن يجتث الدين من جذوره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المحكمة العليا الإسرائيلية تلزم اليهود المتدينين بأداء الخدم


.. عبد الباسط حمودة: ثورة 30 يونيو هدية من الله للخلاص من كابوس




.. اليهود المتشددون يشعلون إسرائيل ونتنياهو يهرب للجبهة الشمالي


.. بعد قرار المحكمة العليا تجنيد الحريديم .. يهودي متشدد: إذا س




.. غانتس يشيد بقرار المحكمة العليا بتجنيد طلاب المدارس الدينية