الحوار المتمدن - موبايل


الاسلام وأصول الحكم

كامل عباس

2007 / 10 / 17
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


شهد الدين الاسلامي صراعا عنيفا بين معتنقيه بعد غياب رسوله الكريم , وقد تبلور الصراع بين تيارين عريضين متعاكسين في رؤية وفهم الاسلام وفي المصلحة الاجتماعية ايضا .
- الأول يريد ترسيخ فكرة حرية الانسان ومسؤوليته عن أعماله ’ ولا يحصر مصدر المعرفة بمصدر واحد وحيد هو المصدر الالهي ’ بل يضيف اليها قدرة العقل البشري على إغناء تلك المعرفة الالهيه ’ وبديهي ان يكون هذا التيار مع ولاية الأمة على نفسها في السياسة وأصول الحكم
- الثاني يرى ان مصدر المعرفة الهي انزل إلى البشر عبر الوحي ولا قدرة لديهم على تعديله او تغيره ’ اما في السياسة فالولاية للأمة تستمد من الله تعالى
تمظهر ذلك الصراع أيام الامويين بين القدريين والجبريين ’ وأيام العباسيين بين المعتزلة والأشعريين , وقد حسم نهائيا لمصلحة التيار الثاني قي القرن التاني عشر على يد زعيم السلفيين في الاسلام ابن تيمية , ومنذ ذلك التاريخ تحالف الاسلام الرسمي مع الأمراء والسلاطين والحكام وشرّع لحقهم في الملك وتوريث الحكم للأبناء ’ وتمت محاصرة التيار الاصلاحي داخل الاسلام , الذي كان يريد ان يطوره عبر الاجتهاد ليتلاءم مع ظروف وزمان ومكان المسلمين في أمصارهم المختلفة , وبما ينسجم مع مصلحة الشرائح العريضة من المسلمين وليس مع مصلحة فئة قليلة منهم تتمثل في الحكام وبطانتهم ومن يدور في فلكهم ,
وظل الأمر كذلك حتى أوائل القرن العشرين حيث تجدد الصراع بين التيارين
وجاء إلغاء نظام الخلافة الاسلامي العثماني في الثالت من آذار عام 1924 على يد اتاتورك ليصب الزيت على النار ويؤجج الصراع بقوة , فالتيار السلفي رأى بان امة المسلمين يجب ان تسارع لمبايعة خليفة جديد ’ وان لم يفعلوا ذلك فان أثار هذا الإثم ستحل بهم عقابا في الدنيا قبل عقاب الآخرة , وقد نشر الكثير من فقهاء هذا التيار فتاوى ترى بان خلو امة المسلمين من إمام يجعلها تعود امة جاهلية من جديد -من مات منها وفي رقبته بيعة مات ميتة جاهلية - وان نصب الإمام واجب في الملة , وان الجماعة التي أمرنا الله تعالى باتباعها لا تسمى جماعة المسلمين الا اذا كان لها إمام بايعته باختيارها .
وقد جاء الرد على التيار السلفي من قبل أحد علماء الأزهر والذي كان قاضيا شرعيا آنذاك في محكمة المنصورة الابتدائية الشرعية هو الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الشهير – الإسلام وأصول الحكم – ارتأيت أن أنقل خلاصته للقارىء السوري هذه الأيام قبل التعليق عليه .
الكتاب الذي شغل عصره لا يتجاوز ستين صفحة (1) مقسم الى ثلاثة بحوث
1- في الخلافة والاسلام : وهو يحوي ثلاثة أبواب
- الخلافة وطبيعتها
- حكم الخلافة
- الخلافة من الوجهة الاجتماعية
2- في الحكومة والاسلام : وهو يحوي ثلاثة أبواب أيضا
- نظام الحكم في عصر النبوة
- الرسالة والحكم
- رسالة لا حكم , ودين لا دولة
3- حول الخلافة والحكومة في التاريخ : وفيه ثلاثة أبواب
- الوحدة الدينية والعرب
- الدولة العربية
- الخلافة الاسلامية
يميز شيخنا في كتابه بين ولاية الرسول وولاية الحاكم (( ولاية الرسول على قومه ولاية روحية , منشؤها إيمان القلب , وخضوعه خضوعا صادقا تاما يتبعه خضوع الجسم , وولاية الحاكم ولاية مادية , تعتمد إخضاع الجسم من غير ان يكون لها بالقلوب اتصال , تلك ولاية هداية إلى الله وإرشاد إليه ’ وهذه ولاية تدبير لمصالح الحياة وعمارة الأرض . تلك للدين , وهذه للدنيا . تلك لله وهذه للناس , تلك زعامة دينية ’ وهذه زعامة سياسية ’ ويا بعد ما بين السياسة والدين )) (2)
والرسالة بعرف شيخنا يُبلِغ بها صاحبها بالموعظة الحسنة وبالكلمة الطيبة وسيستعمل أساليب عديدة لذلك لاتدخل بها الأساليب العنيفة , اما الحكومة فعي على العكس من الرسالة تحتاج إلى القوة لتستقيم أمورها , والرسول محمد لا يشذ عن بقية الرسل فقد كان صاحب رسالة ولم يكن مؤسس دولة , ويجهد شيخنا ليدافع عن رأيه فينزع عن تجربة الرسول محمد صفات السياسة والدولة والحكم , ذلك لأن مهمته كانت الدعوة إلى الدين وإبلاغ وحي السماء لا الحكم والسلطان والتنفيذ , ويحاول ان يورد أدلة كثيرة من القرآن والسنة تنفي ان يكون الرسول جبارا او حفيظا أو وكيلا او مسيطرا(( قل يا ايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم ’ فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل )) , وهي كلها صفات لابد لأي حاكم ان يتصف بها او ببعض منها على الأقل ’ الرسول بعث ليتمم مكارم الأخلاق , وان كان قد اضطر لتصريف أمور المسلمين بعد نجاح دعوته , فقد فعل ذلك ببساطة متناهية وبدون ان يعتمد على نظريات السياسة أو ينصح المسلمين بهذا الموضوع لأنه صاحب رسالة وليس طالب ملك ,
لكن المسلمين قصروا كثيرا في هذا العلم بعد غياب الرسول (( من الملاحظ البين في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين أن حظ علوم السياسة فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الأخرى أسوأ حظ ’ وان وجودها بينهم كان اضعف وجود ’ فلسنا نعرف لهم مؤلفا في السياسة ولا مترجما , ولا نعرف لهم بحثا في شيء من أنظمة الحكم ولا أصول السياسة ’ اللهم الا قليلا لا يقام له وزن ازاء حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنون)) (3)
أما الخلافة التي نشأت عند المسلمين بعد النبي فهي أسلوب حكم لا علاقة للنبي به (( الواقع المحسوس الذي يؤيده العقل, ويشهد به التاريخ قديما وحديثا أن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة . ولا على أولئك الذين يلقبهم الناس خلفاء ... ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الاسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد )) (4) هكذا كانت الخلافة في التارخ الاسلامي بعد الخلفاء الراشدين (( لا شك مطلقا في أن الغلبة كانت دائما عماد الخلافة , ولا يذكر التاريخ لنا خليفة الا اقترن في أذهاننا بتلك الرهبة المسلحة التي تحوطه , والقوة القاهرة التي تظله والسيوف المسلطة التي تذود عنه , ولولا ان نرتكب شططا في القول لعرضنا على القارىء سلسلة الخلافة إلى وقتنا هذا ليرى على كل حلقة من حلقاتها طابع القهر والغلبة ... )) (5)
يخلص الشيخ إلى أن الخلافة في الاسلام ليست مقاما دينيا بتاتا ولا وجود لأدلة في الكتاب والسنة تؤيد من يقول بذلك , والرسول الكريم كان واضحا عندما ترك الشأن السياسي ليكون شورى بين المسلمين كونهم ادري بشؤون دنياهم ’ أما إلصاق منصب الخلافة بعد غياب الرسول بالمقام الديني فقد كان لأسباب سياسية محضة التقت فيها مصلحة الفقهاء السلفيين مع مصلحة الملوك (( كان من مصلحة السلاطين ان يروجوا ذلك الخطأ بين الناس , حتى يتخذوا من الدين دروعا تحمي عروشهم , وما زالوا يعملون على ذلك بطرق شتى – وما أكثر تلك الطرق لو تنبه لها الباحثون – حتى افهموا الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله , وعصيانهم من عصيان الله ))(6)
يصل الكاتب بالنهاية إلى غرضه فينهي كتابه بالمقطع التالي
(( والحق ان الدين الاسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون , وبريء من كل ما هيئوا حولها من رغبة ورهبة , ومن عز وقوة , والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية , كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وإنما كلها خطط سياسية صرفة , لا شان للدين بها , فهو لم يعرفها ولم ينكرها , ولا أمر بها ولا نهى عنها , وانما تركها لنا ’ لنرجع فيها إلى أحكام العقل , وتجارب الأمم , وقواعد السياسة .
لا شيء في الدين يمنع المسلمين ان يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها , وان يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه ’ وان يبنوا قواعد ملكهم ’ ونظام حكومتهم ’ على احدث ما أنتجت العقول البشرية , وامتن ما دلت تجارب الأمم على انه خير أصول الحكم . ))
...................................................................................
يعد كتاب - الاسلام وأصول الحكم - بحق ثمرة ونتاجا لتيار فكري داخل الاسلام يعتمد العقل مرجعا رئيسيا له, انه تكملة وامتداد لجهود القدريين أمثال غيلان الدمشقي وجهود المعتزلة بعدهم امثال واصل بن عطاء , والدافع الجوهري لكتابته كانت معركة سياسة حامية بين تيارين عريضين في مصر كما عبر عن ذلك الكاتب الاسلامي محمد عمارة في معرض نقده للكتاب (( ان كتاب الاسلام وأصول الحكم لم يكن بحثا اكاديميا من أبحاث السياسة ’ وانما كان بالدرجة الأولى وقبل كل شيء , جهدا سياسيا في معركة سياسية حامية , بل ضاربة وقائمة على قدم وساق , كما كان تحديا لعرش وملك بكل ما وراءهما من قوى وإمكانيات , كما كان مناوأة لقطاعات عريضة محافظة في مختلف أنحاء العالم الاسلامي... وفوق كل ذلك أحد العوامل التي أفسدت على الاستعمار البريطاني في مصر والشرق الاسلامي النجاح والاستفادة من لعبة الخلافة)) (7)
يقول الشيخ علي في تقديمه للكتاب (( أما بعد فان تلك الورقات هي ثمرة عمل بذلت له أقصى ما املك من جهد , وأنفقت فيه سنين كثيرة العدد . كانت سنين متواصلة الشدائد , متعاقبة الشواغل ... لقد تركت بها بين أيدي الباحثين أثرا عسى ان يجدوا فيه شيئا من جدة الرأي , في صراحة لا تشوبها مماراة , وعسى ان يجدوا فيه ايضا أساسا صالحا لمن يريد البناء , وأعلاما واضحة ربما اهتدى بها الساري إلى مواطن الحق ))
وإذا أردنا أن نبني عليه لقلنا : إن نقطة الضعف الأساسية في الكتاب هي عدم فهمه لخصوصية الدين الاسلامي واعتباره كسائر الأديان رسالة من اجل إصلاح النوع البشري , والرسالة بشكل عام سواء جاءت من السماء ام من الأرض تقدم رؤية عريضة للاصلاح وتترك الخوض في آلية وطرق العمل من اجل ذلك , يصح ذلك على كل الأديان السماوية وبشكل خاص على الدين المسيحي ونبيه عيسى المسيح حيث جوهره الفصل بين ما لقيصر وما لله أي بين الرسالة والسياسة , لكن ذلك لايصح أبدا على رسول الاسلام محمد بن عبد الله , فالرسول العربي كان همه الأول هو الحكم . هو السياسة , هو الثورة الاجتماعية وليس الاصلاح فقط , - أي القبض على السلطة كمقدمة للتغيير الاجتماعي- أي أن الرسالة كانت لخدمة السياسة, تلك المفارقة في الاسلام جعلت كل فريق قادر على تقديم الأدلة من الكتاب والسنة التي تدعم وجهة نظره , كل الآيات والأحاديث التي جهد شيخنا ليقدمها لقرائه - حول ان الاسلام رسالة لاحكم - صحيحة ودقيقة وقاطعة في إجابتها ’ ولكن المأساة أن الطرف الآخر وهو فريق العلماء رد عليه بأدلة من الكتاب والسنة بمنتهى الشفافية والوضوح وهي قاطعة في دلالتها بصواب حجتهم مثل قولهم له في المحكمة : ماذا يعمل الشيخ في مثل قوله تعالى
- انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراد الله ( سورة النساء 105
- وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم (سورة المائدة 46 )
وقولهم له ايضا مدعما بالأحاديث النبوية - كتاب الله القصاص –
حدث ذلك بعد الثورة الاسلامية مع الثورة البلشفية , وكان هم مهندسها لينين ايضا القبض على السلطة فلوى عنق نظرية ماركس وطوعها لخدمة غرضه السياسي كما طوع النبي محمد الرسالة لخدمة السياسة .
وكذلك فعل الشيخ علي في كتابه من اجل كسب المعركة ضد السلفيين والعرش والاستعمار .
أما الحقيقة الموضوعية بالنسبة للاسلام فهي كما يقول عنه خصوم الشيخ علي - دين ودنيا- ورسالة وحكم , وأن محمدا كان رسولا وملكا- الاسلام ببعده الأرضي نموذج متكامل مثله مثل الماركسية له تصوره للحياة الدنيا بكل أبعادها في الاقتصاد والسياسة والمجتمع والقضاء والتشريع وفي كل مناحي الحياة (8)
السؤال الذي يطرح نفسه الآن في البلدان ذات الحضارة العربية الاسلامية , لماذا فشل التيار العقلاني المستنير في الماضي والحاضر من أن يجذب إليه قاعدة شعبية عريضة بين عامة المسلمين ؟
ولماذا بعد كل ما قدّم العلم والحضارة للجنس البشري بقيت جماهيرنا المسلمة تحت تأثير سلطة النقل ولا أثر يذكر لسلطة العقل عليها ؟
لماذا ذهبت محاولة الشيخ علي عبد الرازق أدراج الرياح ؟ وقد انعكست عليه في حياته بعد الحكم عليه باجماع أربع وعشرين عالما من علماء الأزهر , وإخراجه من زمرة العلماء , فصمت تقريبا حتى وفاته
ولماذا لم يتم البناء على اجتهاده في مصر وخارج مصر ؟ بعد ذلك هل يحق لنا ان نعتب على الشارع الاسلامي لأنه وقع أسيرا بين يدي الجهاديين الحربجيين .
يعلم القاصي والداني أن الشارع المصري بعد تلك المعركة تحول ليكون مع الاخوان المسلمين الذين يرفعون شعار – الاسلام مصحف وسيف – وان الجماعات الاسلامية السلفية ( التي تكفر كل من يعترض على ان تكون الحاكمية لله تعالى) اصبحوا مسيطرين على عقول المسلمين ,وأبو علي المودودي صاحب نظرية الحاكمية لله في الفكر الحركي الاسلامي ومؤسس الجماعة الاسلامية في الهند البرطانيةعام 1941 ’ له من الهيبة والنفوذ بين أبناء مصر المسلمين أضعاف أضعاف ماللشيخ علي عبد الرازق.
لماذا تكاثرت تلك الجماعات كالفطور ؟ ولا تزال تتكاثر مثل جماعة التكفير والهجرة والقاعدة وفتح الاسلام وجند الشام ...الخ , وكلها جماعات تستعمل العنف وتريد تنفيذ برنامجها الاسلامي بحد السيف , جميع تلك التنظيمات تنطلق من ان العبودية هي لله وحده , وان عبودية الله هي التي تضمن حرية الجنس البشري ’ ان الله عند هؤلاء خلق الانسان حرا وانه لاسيادة لأحد على احد , بل يخضع الجميع لسيادة الله تعالى ’, يقوم قانون الفطرة عند هؤلاء على انه ليس أحد عبد لأحد بل الجميع عباد الله , والعبودية لله من اجل تحطيم سلاسل العبودية البشرية .
هكذا نجد ان تلك النظرية تسيطر على عقول شبابنا المسلمين وتدفعهم نحو العنف أما من يقول أن الاسلام :
(( - دين الاخاء والمساواة ولا فضل لعربي على عجمي الا بالتقوى .
- دين السلام : حيث يقول الرسول – السلام قبل الكلام ’ ومن يلقي السلام وجب الكف عن قتاله( ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مؤمنا ) وتحية الله للمسلمين تحية سلام ( تحيتهم يوم يلقونهم سلام )
- دين احترام الرأي والرأي الآخر (قل يا ايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم , فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه , ومن ضل فانما يضل عيها و وما انا عليكم بوكيل )
- دين التسامح ونبذ العنف ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي أحسن ) ... ( افانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) ..... ))
لا يجد من يصغي اليه !!!!!
المفروض ان نبحث عن الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة .
ان في مقدمة تلك الأسباب ما فعلته بريطانيا عندما كان العالم الاسلامي جزءا من مستعمراتها , كانت نظريتها تقوم على صرف الأموال الطائلة لدور العبادة والجوامع وتحويلها إلى مدارس لتحفيظ القرآن , كونها الوسيلة التي تجعل عقل الشاب المسلم معطلا عن العمل , ومنصرفا عن السياسة ومقارعة الاحتلال , أي ان بريطانيا على عكس ما كانت تدعي بأنها جاءت من أجل نشر الحضارة والتقدم في البلدان المتخلفة , كانت نصيرا بقوة للتيار السلفي في الاسلام وموقفها تجاه معركة الخلافة ودعمها للملك فؤاد - مرشحها للخلافة - وتضييقها على الشيخ علي وكتابه اكبر دليل على ذلك .
بعد أفول نجم بريطانيا جاء دور امريكا في هذه البلدان . وقد سارت على نفس القاعدة ودعمت بقوة التيار السلفي في الاسلام وحاربت التيار المستنير, والأمثلة لاتعد ولا تحصى تقدمها لنا الوقائع العنيدة عن هذا السلوك – من تحالفها مع المؤسسة الوهابية السعودية إلى صرفها معها الأموال الطائلة من اجل افتتاح مدارس تحفيظ القرآن في الباكستان وافغانستان , إلى دعمها بالسلاح تيار الأفغانيين العرب من اجل الجهاد ضد الكفار الشيوعيين !! والنتيجة انقلاب السحر على الساحر حيث كانت تلك المدارس الحاضنة التي فرخت الارهاب .
اما حصتنا نحن أبناء حركة التحرر العربية فهو ليس قليلا في جعل الشارع رهينة بين أبناء سلطة النقل , وتحديدا الشق القومي المتمثل بالناصرية والبعث .
لم يكن هاجس حركة التحرر العربية يوما التيار العقلاني داخل الاسلام وتوفير كل الامكانيات اللازمة له لكي يشق طريقه إلى قلوب المسلمين وترجمة ذلك بالبناء على كتاب الشيخ علي عبد الرازق وغيره من النهضوين الاسلاميين العرب, امثال الكواكبي الذي أكد مثلا أن الاستبداد هو سبب الانحطاط، والأفغاني الذي أرجع تخلف الشرق للتعصب الديني، والطهطاوي الذي شدد على أن النهضة تقوم على تفسير الشريعة حسب الاحتياجات العصرية، وخير الدين التونسي الذي حذر من من نبذ كل ما يأتي من الغرب، و قاسم أمين الذي ركز على تحرير المرأة كأولوية للنهضة،...
لقد صبت تلك الحركة في اوج صعودها - خصيصا فروعها التي استلمت السلطة - جميع جهودها من اجل مصادرة الاسلام وتسخيره ليخدمها في معركتها ضد الغرب والاستعمار , ضاربة على وتر العداء القديم بين الغرب والاسلام , وقد سلكت في ذلك أساليب الترغيب والترهيب للحركات الاسلامية , وصلت حد اعدام سيد قطب لأنه لم يصبح بوقا للناصرية , أما فترة انحدارها فقد فعلت ما فعله الاحتلال الخارجي في اعتمادها على مدارس تحفيظ القرآن , والنتيجة انها خدمت التيار السلفي أكبر خدمة فأصبح أقوى مما كان عليه في مصر وسوريا والعراق أيام الاستعمار العثماني .
ان قوة التيار السلفي في البلدان االعربية تكمن في قدرته على دغدغة مشاعر المسلمين اكثر بكثير من القوميين ( مع أن التيارين يريدان مصادرة الاسلام وتجييره لمواجهة الغرب خدمة لمصالحهم الخاصة ) والصورة واضحة الآن حيث الشباب المسلم متعاطف بقوة مع الجهاديين العرب , ولا طريق لفك أسر جماهيرنا الدينية ,الطيبة والعفوية , الا باكمال طريق العقلانيين الاسلاميين السابقين امثال علي عبد الرازق و محمد عبده وغيرهم
البلدان ذات الحضارة العربية الاسلامية بحاجة إلى اصلاح ديني شامل يتعاون من اجله كل المخلصين والمحبين لقضية الانسان’ افرادا ومؤسسات وقوى مدنية , تأخذ على عاتقها مساعدة التيار العقلاني المستنير داخل الاسلام الذي يرى ان الاسلام دين العقل والتسامح والاخاء والمساواة والوسطية والاعتدال وليس دين العنف وتنفيذ ارادة الله في الأرض بحد السيف
أي ان الطريق هو البناء على حركة النهضة العربية الأولى بشقيها العلماني والاسلامي
ومحاولة الاقتداء بهم وبسلوكهم . لقد عمل رواد النهضة الأولى بجد وتفان من اجل تطوير وتحديث مجتمعاتهم , كان همهم التقاطعات فيما بينهم التي تخدم قضية الحرية وليس التفتيش عن الخلافات حول المجتمعات القادمة هل هي علمانية ام اسلامية,
نسجل هنا بكل مرارة وأسف ’ ان شطرا مهما من المثقفين السوريين علمانيين واسلاميين لم يستوعبوا دروس الماضي , وما زال الكثير منهم يفتعل المعارك الجانبية ويفتش عن نقاط الخلاف أكثر مما تهمه نقاط اللقاء , والكثير منهم ما زال أثير الفهم الماضي المسئول إلى حد كبير عن قوة التيار السلفي الحالية في الشارع السوري , سأدعم وجهة نظري بمثالين :
الأول : عبّرت عنه مقالات عديدة جاءت ردا على وثيقة اعلان دمشق فور صدورها , (الوثيقة التي تنحو منحا جديدا في الثقافة والسياسة ’ ويظهر فيها بوضوح محاولة تجاوز أخطاء الماضي ) لقد اعتبر الكثير من الناشطين في الشأن العام , الوثيقة محابية للاسلاميين وسماها بعضهم اعلان قندهار , وتنادوا لمعارضة الاعلان بمحاولتين أحدهما سميت اعلان حلب والثانية اعلان حمص
الثاني : هو السجال الدائر الآن وتحديدا في موقع الأوان الالكتروني والذي بدأه وائل السواح بمقال في جريدة الحياة تحت عنوان - معارضون وسلطويون في سوريا ضد العلمانية – والمكتوب يُقرأ من عنوانه ,اذ بدلا من أن نكتب – معارضون وسلطويون في سوريا مع العلمانية وضد السلفية, نحاول افتعال المعارك الجانبية ,مع أن من هم ضد السلفية سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة متضررين جدا من قوة التيار السلفي في الشارع السوري ويحتاجون إلى تنسيق جهودهم سواء كانوا في السلطة او المعارضة للحد من تزايد نفوذ السلفيين بعد ان أصبحوا القوة الرئيسية في المجتمع السوري .
لم يحدثنا التاريخ عن معارك جانبية بين شقي النهضة العربية الأولى
بين العلمانيين أمثال فارس الشدياق وفرح انطون وشبلي شميل وبطرس البستاني وعبد الرحمن الشهبندر
وبين الاسلاميين امثال محمد عبده وعلي عبد الرازق وعبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي
فلماذا لا نقتدي بهم ونحاول ان نكون امتدادا لهم ولجهودهم من اجل نهضة بلداننا العربية ؟
كامل عباس – اللاذقية – 15 / 10 / 2007
...........................................................
هوامش :
1- سيجد القارئ أن رقم الصفحات التي استشهدت بها من الكتاب فوق المائة ’ والسبب في ذلك انني لم أعثر على كتاب الشيخ علي مطبوعا بشكل مستقل , بل عثرت عليه ضمن دراسة للكاتب الاسلامي محمد عمارة حول الكتاب .
2- الاسلام واصول الحكم لعلي عبد الرازق : دراسة ووثائق بقلم محمد عمارة ص 157
3- المرجع السابق ص 127
4- المرجع السابق ص 136
5- المرجع السابق ص 129
6- المرجع السابق ص 181
7- المرجع السابق ص 8
8- اكتفي بهذا القدر من التعليق على الكتاب علّ تلك الكلمات تكون فاتحة لندوات وحوارات حوله في الساحة السورية ,








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ولما كان حد بيحاول يوعي الناس ويقولهم الإخوان مش على حق.. كا


.. هذه جرائمهم وثقتها الكاميرا.. بالفيديو جرائم الإخوان وعنفهم


.. بالتزامن مع حلقة الاختيار 2 عن فض رابعة ...هذه جرائم الإخوان




.. قناة الانسان


.. الشريعة والحياة في رمضان- الشيخ عصام البشير يشرح معنى السنة