الحوار المتمدن - موبايل


تأملات فلسفية دياليكتيكية ! .

نجيب المغربي

2007 / 11 / 13
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


- على سبيل البدء : دائمية الشك كارادة معرفة :

هل تودون ان نربّي شكا فائقا تجاه كل ما ظل يوصف حتى الان على انه حقيقة ؟!.
ان نمتنع هذه المرة ايضا عن مجاراة اغراءات عادة المبادهة الساذجة ،و نجرب اسلوب قلب اليقينيات الاشد ايغالا وعمقا ، تلك الاكثر استيثاقا بشكل لا يوصف .
لتحميس الريبية المطلقة ، تلك الملكة الخامدة التي يخذرها العرف الفكري ، سنصغي الى نزق المطمور من الحقيقة ، وجهها الاعلى المتآمر عليه ، ذاك المحجب من وراء ظهورنا عبر تاريخ طويل بدوغما الخذيعة المهذبة المجتزئة .
انا هنا ساغتبط قطعا برفض تلك القبلانية المعتادة للتصديق بكل ما يفترض انه يقين كلي . وبالانزياح عن الحقيقة المخصية سأحاول اعادة بناء تاويل ريبي فعال لمسلماتها ، لاكشف حجم الزيف الذي يتخفى خلف مظاهر ما تعتبرونه بثقة تابثة وجوها للصواب المعرفي الاقصى.
لا يهمني ان تبقى هناك بعد هذا حقيقة او أن تضيع ، فتكون متناقضة او لا تكون اطلاقا ! . ما يهمني ألاّ استسلم لغصب تلك الاقنعة الرائجة كتاثيرات متحجرة نقع جميعا تحت سطوتها ، تلك الاكثر تاصلا في اذهاننا ، تلك التي يرتديها كل موصوف من قبلنا بالحقيقة . لا يهمني ايضا ان أُشنّع كمتمرد يجدف على قدسية ما يظهر في صورة المتواضع عليه ،حين اتسبب بتعسير بعض هدوءكم،لان ما اريده حقا هو تحديدا تكدير افق انتظارملتحم بكم ،عبراتلاف كل شغف خاص لديكم باليقين و افقاده ادعاءاته بتوصيله بريبية جذرية، علكم تستوعبون كلما ما يكون هناك في الحقيقة من أوهام ، لاعادة تكرار تاسيسها كل مرة بحيرة دائمة قد تظل تزعجكم باستمرار.............

* أولا :

الصداقة : انها لا تنبني كما هو شائع على استجلاب اللذة (المتعة) ،بل على تبادلية متحدرة من المنفعة .الصداقة اساسا احتماء من الشعور بالغربة و كسر اجتماعي للعزلة الخارجانية ، لذلك فدافعها تحديدا هو ارادة التكافل المعنوي المتبادل كتحييد لعداوات مفترضة . ان ما تتغيؤه الصداقة في الحقيقة ليس اكثر من تجاوز الشعورالمفزع بالضيق وتبديد الاحساس بالاستعداء الدائم الذي يتهددنا به الغير، ما يدفع باتجاه تجاوزالشعور بالاغتراب عن الوجود العام و تاسيس حد ادنى من التعاطف و الالفة بدلا عنهما، عبر نسج علاقاتها (الصداقة ) التي تمنحنا ما نحتاجه من قبول و تحقق للوئام .
رغم كل هذا بامكاننا ان نكشف بسهولة ما وراء وظيفة الصداقة التعويضية هذه - تلك المنبنية على تحالف ضمني موضوعي بين الافراد - اذا ما فهمنا جدلية الصداقة كرابط اجتماعي لايقوم الا كوحدة اضداد ، تحتوي داخلها ايضا قدرا من العداوة المبطنة - بما هي( الصداقة) صراع دائم بين متوالية فعلين اساسيين : الخضوع و الاستتباع -. سنجد ان تلك العداوة وذلك الكره الذين يجري شلهما هاهنا ،- و بالمثل ايضا لذة الاغتباط بالايذاء و الاتعاس التي يجري تجميد فاعليتها عبر الكبث - ، رغم ازاحتهما يظلان رغما عن ذلك كامنين بنفس العمق كنوازع اصلية مجردة من محرضاتها المبررة ، انها هي تماما ما نسميه : صداقة .
كرغبة في تعميق الوجود الاجتماعي ، و بخلاف الحب القائم على النزوع الاستحواذية فان الصداقة تقوم -لا على ارادة الهيمنة والاخضاع كما يحدث فيما يسمى حبا - بل على توازن للسيطرة ، كتابعية مزدوجة مقيدة بين قطبين يحدث بينهما توافق يحفظ ذلك الشعور بالالفة دون ان يتعمق الى درجة اعاقة تعدد اقطاب العلاقة وتوزع اتجاهاتها. غير ان وقوف الصداقة هاهنا بهذه المسافة هو بالضبط ما يجعلها عرضة لتهديدات استنفاذ محتمل و فوري.
ان ما يتحكم بدافعية الصداقة هنا ،هي تلك الرغبة في التقارب والانفتاح لتقليص عدائية المحيط الاجتماعي و تمطيط حقل الاندماج الفردي فيه بتوسيع متزايد لشبكة التفاعل مع الاغيار و تعميقها اكثر لدرء كل احساس بالمناهضة .
تخضع علاقات الصداقة باختلاف أوجهها و مستويات تقعرها الى تحولات كثيرة بحكم جدليتها الخاصة ، و كما يمكن ان يتوسع الانفتاح داخلها (الصداقة) يمكن ايضا بالضد من ذلك ان ينتهي التقارب الى نفور جذري ، يبدأ بتقييد الانجذاب شيئا فشيئا بالاحترازات و هكذا يفضي التساؤل عن القيمة بالنهاية الى التجرد من كل اربتاط رديئ . فتنقلب الصداقة الى تضاد يستبعد عبره احد الطرفين -او هما معا - الآخر كلية كعدو او يتحاشاه بانكاره كغير مرغوب فيه. لكن رغم تحقق هذا الرفض او الانسحاب (التقهقر)، الا ان تجدد الصداقة وعودتها تبقى مع ذلك ممكنة على الدوام.
نقول اذن ، اننا و ان اعتبرنا الصداقة انبعاثا الزاميا مدهشا لاجتماعية الانسان و فعالية ايجابية تحضى بقيمة اعلائية ذاتية على الخصوص ، لا يمكننا من جانب آخر الا ان ننظر اليها ( الصداقة) الا كعداوة معطلة .
ان الصداقة ليست - عن جدارة - غيرمجاوزة و تهذيب متاخر لنزعتي الهيمنة والإشقاء الاكثر أصالة بدواخلنا ، تلك المسدّدة دوما نحو الغير، والمستميتة مع ذلك بثبات في البقاء هناك حتى النهاية .

* ثانيا :

التربية : انها سيرورة التنشئة الاجتماعية الاساسية ،عبرها تتبدى وظيفة التكييف الايديولوجي و السلوكي التي تباشرها المؤسسات الاجتماعية كالاسرة و المدرسة ....الخ. ان دور التربية هو اساسا تمكين الفرد من مخزون ثقافي معياري للاندماج الامثل بالمجتمع و الانضباط للسائد فيه من نظم مادية و قيمية، و تتم هذه الوظيفة عبر آليتي الجزاء و العقاب (التحريض / القمع) .
رغم ان التربية تبدو كعملية تحميل لمخزون ضخم من الخبرات و المهارات المتراكمة التي تسهل عملية النمو العقلي و الجسماني و النفسي للفرد ، الا انها من زاوية نظر اخرى تتكشف عن تسلط غريب يحدد اتجاه حياة الفرد المستقبلي و يطبع شخصيته بالكامل . بهذا المعنى تظهر عملية التربية كتصحير منهجي لكثير من الميولات العفوية و ترهين لارادة الفرد ، وفي مقابل هذا فانها تدفع بمنحى تصعيد لميولات اخرى و تفتح رغما عن ذلك افقا مناقضا بما هو اعادة صوغ جدلي للشخصية الذاتية . ان التنميط العنيف الذي تمارسه التربية على الانسان ، بقدر ما يسهل عملية التوافق و الاندماج يحمل بين طياته استلابات كثيرة لايجري التمرد عليها و مقاومتها لازاحتها الا بعد تحقق الاستقلال الخاص للشخصية باكتمال نموها . ان يقظة الكينونة الخاصة خلال مراحل متقدمة من العمر تأتي في الحقيقة كردود فعل واعية ( او لا واعية حتى ) على التشبع الايديولوجي على امتداد مراحل طويلة من النمو العقلي و النفسي . و رغم هذه الارتكاسات لا يجري تخليص الذات تماما من كل تأثيرات التربية ، الثقافية و النفسية تماما ، بل فقط تعديلها او تغيير جزء محدد منها عبر عملية استبدالية متزمنة تحل محلها (التربية ) هذه المرة التنشئة الذاتية .
لا تقوى كل الزامات دور التخذيد العيني الذي تتكفل به عملية التربية على تقويض محرضات مناقضة يحفزها بشكل جدلي محيط الحياة الاجتماعية ذاته ، كما لا تستطيع التجربة الخاصة لكل فرد ان تغلق افق وجوده الشخصي المتحرك باستمرار و ان في حدود لا يمكن تجاوزها . غير ان شروط هذا الوجود تفتح افقا خاصا لتموضع الكينونة، ذلك (الافق) الذي ينتج في النهاية مشروع انا فريد في ذاته ، يتغلب بالنهاية حتى على خلفية الوعي المادية . ما يسمح بتفتق توجه معين للشخصية تتحكم به ايضا الازمات الخاصة و المعايشات الحياتية والخيارات الفردانية . و قد يؤدي كل هذا الى حدوث انقلاب نوعي على ميراث الانساق التربوية الاساسية اوحتى قطيعة مع اصولها .
ان اكراهية التربية التي تقود الانسان الى تبلور مسار خاص لانيّته ، من حيث هي عمليات ضبط و توجيه قهرية ، تسهم ايضا في تهييئ و ايجاد ذلك الافق المنفتح بامكانياته العميقة ،تلك ( الامكانيات ) التي يستطيع الانسان من خلالها هجر سلطة مرجعيتها و اثارها (الدمج و التدجين) او على الاقل اعادة تنضيدها لتحرير الذات من خراب توزعيتها امام ضرورتها اللامشروطة ، عبرعملية اعادة بناء أصيل للوجود الخاص او تعديل شروطه المهدورة ، هذه المرة بمسؤولية ذاتية أكبر وان كانت( المسؤولية ) تظل مع كل ذلك غير تامة.
ليست التربية غير تسوية مؤقتة بين نزعة التكينن الفردي الخاص و تعبئات للتكييف الجمعي تعكسها بالنهاية امبريقية صيرورة الوجود الشخصي ، كاستمرارية جدلية . ان التربية بما هي تشكيل و ملاءمة وجودية للفرد وفقا لمعايير و قواعد كليانية عامة يغنى الفرد بكثير من مبراثها التماثلي، هي في الان ذاته تحريض ممتد لضدية اللاتجذر الخاص و التفرد الشخصي تلك التي تحقق الانا العميق كتاريخ وجود خاص متفرد بالمخالفة، و متطور داخل هذه الجدلية باستمرار .









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حسني عبيدي: هناك شكوك حول إرادة إيران بالرد حول ما تعرض له م


.. العراق وتحولاته..حاضره ومستقبله..في حوار مع أسامة النجيفي رئ


.. اكتشف سر شهرة أغنية -وحوي يا وحوي- في رمضان وأغنية -رمضان جا




.. روسيا.. عقوبات أميركا تعرقل التخطيط لقمة بين بوتن وبايدن


.. حقائق مثيرة ...شاهد