الحوار المتمدن - موبايل


هارولد بلوم .. و إعادة إنتاج الأثر الشعري

محمد سمير عبد السلام

2008 / 6 / 6
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يعد هارولد بلوم Harold Bloom من أهم النقاد الذين أعادوا إبداع كل من فرويد و جاك دريدا في اتجاه ما يسمى بالقراءة الإبداعية الضالة . تلك القراءة التي نلمح من خلالها تاريخ الإضافة في الفن و ما فيها من عمليات شعورية معقدة بين المبدع السابق و اللاحق . و لكن إضافة هارولد بلوم الحقيقية من وجهة نظري تكمن في انطباق حديثه عن القراءة الضالة على نتاج النقد الأدبي و الفكر ، و من ثم زوال الحدود المعرفية القديمة بين المبدع و الناقد . و قد قدم جاك دريدا هذا التصور ، و لكن هارولد بلوم قام بتطويره في مجال التأثير و التأثر .
يعيد (هارولد بلوم) قراءة مفهوم الاستبدال عند جاك دريدا ، في علاقة الشاعر المريد بسلفه . هذه العلاقة القائمة على التأثر مع الرغبة في المقاومة واستبدال الآخر ، و ذلك بتحريفه من خلال إعادة تأويل نتاجه الشعري في الكتابة التي هي مزيج من الإبداع و القراءة النقدية المنتجة دون فواصل ، وكأن الشاعر المتأخر صار علامة بديلة تقاوم الأصل من خلال حضوره المؤقت ؛ ليس كمبدع مشبع بالأصالة ، و إنما كأثر يقع في دائرة تأويلية لا متناهية .

ويقسم بلوم مراحل التأثر أفقيا، بحيث تتسم كل واحدة منها بالتناقض بين المريد وسلفه، من جهة القراءة الضالة أو الخاطئة التي يقدمها المتأخر للنص الأصلي. إنها إعادة إنتاج مستمرة تقاوم هوية النص الأول ، وتاريخه الأسبق، وهذه النقطة على درجة كبيرة من الأهمية في درس الأدب المقارن و علاقة العمليات الإبداعية بالنقد الأدبي .
وفي كتابه (قلق التأثر – ترجمة عابد إسماعيل – دار الكنوز الأدبية – لبنان 1998) قسم (بلوم ) هذه المراحل ستة أقسام هي:
1- الانحراف الشعري :
تبدو علاقة (الشاعر) بسلفه هنا، في هيئة حاجة تخيلية ماسة إلى الشاعر
القوي/الآخر، ومن ثم فهي علاقة جبرية ابتداء، ولكنها تنحرف عن الانتقال الزمني
من (أ) القوي إل (ب) المريد، لأن الأخير سيعيد اكتشاف موهبة الأصل من خلال
تجربة أخري يبدو فيها (الانحراف) فعلا اختياريا، فاللاحق يمر بالموهبة الأولي
لينحرف عنها واعيا.

2- تكامل وتضاد :
في هذه المرحلة يبدأ الشاعر نصه ، على أنه إضافة لقصيدة السلف الناقصة ، وكأنه قراءة ضالة لهم ، لا تحافظ على الأصل ، لأنهم لم يغامروا بما فيه الكفاية، فأصبح المريد مؤهلا لخوض هذه المغامرة.

3- تكرار وقطيعة :
وفيها يقف الأديب، وقفة من سبقه ، بينما هو مندمج في القطيعة المقصودة عن السلف ؛ فتبدو قصيدة اللاحق فاقدة لقدسيتها الشعرية الماضية والآنية.

3- السمو المضاد :

هذه المرحلة تمثل للوحدة النفسية السابقة للسلف، ولهذا فهي ( فرادة) اللاحق التي تحتمل التناقض، لأنه في موقع سلفه ، وفيها يحدث الشاعر (العطب) في نص السلف ؛ وكأنها عدوانية عضوية تفكك تفرد الشاعر السابق .

5- تطهر ونرجسية :
يقصي الشاعر هنا ذوات أسلافه عنه، ليتطهر منهم ويضيف ذاته التي أتت بها لم يأت به أحدهم. وإن هذا التحرر يصطدم بالازدواجية مع السلف الذي مارس تأثيره على اللاحق حتى أراد التطهر ، فيصير المريد مجموعة من الروافد في اتجاه النرجسية

6- عودة الموتي :
في هذه الحركة يسكن الموتي البيوت التي عاشوا فيها ، وكأنهم ينتجون حياتهم من خلال الآخر، فيصبح المريد مخلوقا مختلطا من ذاته وسلفه بعد أن يعزز ذاته التي أعادت ابتكار السلف في حضوره الأول و لكن من خلال عمليات الاستبدال و التحريف الإبداعي لنصوصه دون الخروج الكامل عنه .


إن كتابة النص المكمل ترتكز على توغله الهامشي الذي يزداد انتشارا في النص الأصلي للمبدع، فيصبح النص الثاني مشاركا في عملية التقويض الأداتي الأولي بالضرورة و التي تحدث في النص بشكل طبيعي من خلال تعارض النسق مع الصيرورة اللعبية الحرة لعلامات النص وفقا لدريدا ، وربما يسبقها أو يزدوج بها أو يمكن تعريفها من خلاله .

إن النص المكمل يشارك أيضا في تقويض تعميماته هو ، لأنه لا يسير في خط دلالي واحد، فضلا عن وعيه بالتناقض الأصلي الذي يصاحب استخدام العلامة، ليس لغرض بناء مزعوم، وإنما لتفكيك إمكانات البناء/النص الثاني أيضا وهي وظيفة مزوجة الهوية الأداتية في التفكيك. وفي التطور الذي يقترحه (هارولد بلوم) لقراءة النصوص قراءة ضالة، تعتمد على التأثير والتأثر، يتسع مفهوم النص المكمل وفق أمرين:
الأول: يصبح الشعر في هذا النوع من القراءة التأثرية نقدا للشعر ، ومن ثم فإن الكتابة التفكيكية شاعرية النزعة بالأساس، ولا تخرج عن تاريخ الشعر ذاته، وعلى (القارئ التفكيكي) أن يواصل هذه المسيرة من تحريف القراءة.
الثاني: يؤكد (بلوم) – ماديا- نتاج المؤول عبر الانحراف عن السلف ثم تحويل الرمز القديم في استعارات يزدوج فيها السابق واللاحق ثم تحقيق الأسبقية الأصيلة للمتأخر في عملية الاستبدال كتمثيل فريد للرمز ذاته ؛ وفي هذا إيحاء بأن النص يحتوي فعل قراءة لذاته أو للآخر، ومن ثم فقد يصبح التفسير مجموعة علامات مكملة داخل النص، أو بإمكان القارئ التفكيكي إنتاج مثل هذا الإكمال الدائم لنصه هو متداخلا مع الآخر ومواجها لذاته من ناحية أخري.

أما (جاك ديريدا) فيطرح أنموذجا تطبيقيا حول جان جنيه يعتمد على الوصف الذي لا يخرج عن الشاعرية في إنتاج نص آخر من نتاج القارئ يقاوم الآخر/ الأول وينتشر فيه من خلال إرادة وصفه. فبعد أن يصف ( التوقيع ) كعلامة تعود إلى داخل الخطاب رغم زعمها امتلاكه أو يقيم خارج النص فيستغني الأخير عنه، يري – مجازا – يعي بتناقضه الدلالي - أن النص قبر للتوقيع أو العكس ويستدعي ذلك علامة (الزهرة) عند ( جنيه) في سياق آخر وهكذا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إسرائيل ترد على إطلاق صواريخ من جنوب لبنان بقصف مدفعي


.. شاهد | القصف الإسرائيلي لمنطقة الكتيبة غرب غزة.


.. النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني: بايدن يعرب لنتانياهو عن -تأيي




.. عيدان لانداو


.. مظاهرة احتجاج جديدة أمام سفارة إسرائيل في العاصمة الأردنية ع