الحوار المتمدن - موبايل


القاعدة فكرا وتنظيما

كامل عباس

2008 / 6 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


كانت وما زالت الإذاعة البريطانية بنسختها العربية , خير مؤنس لي في وحشتي , فانا أرى أن برامجها المنوعة , السياسية والثقافية والفنية والإخبارية تنمي العقل والحس والذوق أكثر من كل الإذاعات الموجهة الى الشرق الأوسط بما فيها الإذاعات المحلية ’ ولم أر فيها يوما - كما كان يروج أترابي - بأنها تدس السم بالدسم .
مناسبة هذا الحديث برنامج جديد سمعته منها حديثا بعنوان – القاعدة فكرا وتنظيما- أعجبني هذا البرنامج بمعالجته لهذه الظاهرة , وتشبيهه لفروعها التنظيمية بسلسلة مطاعم ماكدونالد المتماثلة وعرضه الرأي والرأي الآخر فيها ,, مما حرضني على كتابة هذه الكلمات ’ رغم معرفتي بان الخوض في هذا الموضوع عندنا يشبه المشي ضمن حقل من الألغام .
يتشابه منطق الإرهاب مع منطق الثورة من حيث أن كليهما انعكاس للواقع الاجتماعي وتمرد عليه بنفس الوقت , الإرهاب والثورة يتغذيان من الإحساس بالفقر والجوع والظلم والقهر من قبل الإنسان لأخيه الإنسان . ان الدافع الأساسي للإرهاب والثورة عبر التاريخ كان وما يزال هو التوزيع غير العادل للثروة القومية ,ففي بلد مثل مصر تتحدث إحصائياته الرسمية عن امتلاك 20 % من أبنائه أكثر من 80% من الدخل القومي , ويوجد قلة فيه يدعونها القطط السمان , تنام على الحرير وتلبس الحرير وتأكل بمعالق من ذهب , مقابل ملايين يفترشون المقابر وينبشون حاويات القمامة بحثا عن لقمة خبز , في بلد كهذا سيعشعش فيه الإرهاب شئنا آم أبينا .
بالطبع ليس الإرهاب انعكاس للواقع الاجتماعي شبيه بانعكاس الشعاع في المرآة , يدخل في هذا الانعكاس عوامل عديدة مثل تاريخ وتراث المكان الذي ظهر فيه ويعطيه هويته , فيأتي إرهابا يمينيا او يساريا ’ إرهابا إسلاميا أو مسيحيا حسب تاريخ و ظروف الساحة التي ظهر فيها.
بناء على هذه المقدمة نقول : لقد عرفت المجتمعات الإسلامية حركات تمرد كثيرة كان سببها الجوع والفقر لعامة المسلمين , مقابل ترف وفساد فظيع تفشى في بطانة الحكام التي تحكم الجماهير تحت راية الإسلام , وكان الكثير منها يتمرد بشكل مقلوب اذا صح التعبير , مثل الحركات الجهادية الاسلامية الحالية وقي مقدمتها القاعدة , على سبيل المثال لا الحصر ظاهرة التصوف في الإسلام .
اغلب الظن ان الظاهرة استمدت اسمها من لبس الصوف لمعتنقيها الأوائل , ردا على لباس الحكام المترفين الذين لا يلبسون سوى الحرير , وهي تعني عند العلامة حسين مروة ( وجها من وجوه التحدي والمعارضة السلبية للأرستقراطية الأموية الحاكمة ) بدأت بحركة الزهد والتقشف في عصر الأمويين وانتهت بالتصوف الواسع في أواخر عهد الخلفاء العباسيين , بعد تدهور حال عامة المسلمين مقابل مجون الخلفاء وبطانتهم وشرطتهم وعسسهم وقمعهم الشديد لرعاياهم .
يهمنا هنا أوجه التشابه بين الظاهرتين , ظاهرة التصوف الإسلامي القديمة , وظاهرة الإرهاب الاسلامي الحديثة .
- أول أوجه التشابه هو احتضان جماهير المسلمين للظاهرتين رغم خروجهما كليا عن تعاليم الدين الاسلامي لدرجة الكفر الصريحة والواضحة بمبادئ هذا الدين .
فقهاء التصوف رفعوا الإنسان الى مرتبة الله وأنزلوا الله الى مرتبة الإنسان , أي أنهم حسب تعبير الشهيد مهدي عامل أنسنوا الله وألهوا الإنسان , كل إنسان عندهم اذا جاهد نفسه عن الهوى وتدرج في المراتب الصوفيه,يمكن له بالنهاية أن يشاهد الله بقلبه , او يتحد بالله ,او يحل به , أو ينكشف الله له , ليصبح هو والله في وحدة لا تنفصم عراها , عّبر عنها الحلاج بقوله :
لاهوت من أهوي ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
المفهوم الصوفي يعقد صلة مباشرة بين العارف صاحب الولاية وبين الله ويتجاوز مبدأ التوحيد وتنزيه الله , ولا يفصل بين الله والإنسان , ولا يجعل الاتصال بينهما يمر عبر وسائط سواء كانت النبوة ام الشريعة كما هو وارد في الدين الاسلامي .
والمفهوم الجهادي للإرهابيين الإسلاميين , يحلل قطع الرؤوس للكفار بالبلطات والفؤوس حتى ولو كانوا كتابيين ’ لقد أعلن بن لادن عام 1998 عند قيام الجبهة العالمية لجهاد اليهود والصليبيين فتواه المشهورة ( قتل الأمريكان وحلفائهم مدنيين وعسكريين فرض عين على كل مسلم ) وتبعه الكثيرون حتى قتلوا أكثر من ثلاثة آلاف شخص في قلب أمريكا في حادثة البرجين الشهيرين , ونال الدعاء سرا وجهرا من فقراء المسلمين في كل مكان تقريبا .
لقد خرجت الحركات الجهادية المعاصرة التي تتبنى العنف عن تعاليم الإسلام كليا , لأن تعاليمه تقول ( من قتل نفسا بريئة بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا )
- وجه التشابه الثاني هو النهاية المأساوية لكلتا الظاهرتين وما سببتا من آلام إضافية لفقراء المسلمين في كل مكان .
فالتصوف مثلا استفاد منه حكام المسلمين ليجعلوه دروشة ينشغل به المسلمون فيراقبوا نبضات قلوبهم وخلجات صدورهم تحسبا لمشاهدة الله , وعن طريق دهاء الفقهاء التابعين للحكام , لم يبق من التصوف سوى كرامات أوليائه ومقاماتهم وقبورهم التي تشهد النذور والذبائح طمعا بشفاعتهم للمرضى والمعذبين في الأرض عند الله تعالى , وعلى قدر الذبيحة وزكاتها تكون الشفاعة .
والإرهاب الإسلامي أنتج فقهاء الإرهاب المتاجرين به جهاديا ضد الكفار الأمريكيين كي لاتعم الحداثة في تلك البلدان وتزول هيبة ونفوذ ومصالح فئة كبيرة تشكلت تاريخيا في هذه البلدان ’ مثل رجال الأوقاف الإسلامية وحرس الجوامع وجمعيات الأمر بالمعروف والنهي المنكر وجمعيات الداعون والداعيات إلى الله تعالى الخ .... . والنتيجة مزيدا من القهر والقمع لفقراء المسلمين بحجة مكافحة الإرهاب .
..................................................
ذاد في الطنبور نغما حماقات الإدارة الأمريكية ومعالجتها الحالية للإرهاب عبر الحروب الاستباقية , وتقسيم العالم كما في العهد القديم الى محورين , محور الشر ومحور الخير, وهو الذي أجج نار الإرهاب وجعل المواطن العادي سوء كان داخل البلدان الإسلامية ام خارجها غير آمن على بيته او رزقه , والآتي أعظم اذا لم يعالج الإرهاب من قبل الدولة الأقوى بروح إدارة فرانكلن روزفلت الذي حدد في خطابه الشهير للأمة الأمريكية والعالم ملامح سياسته الداخلية والخارجية في خطابه الشهير مطلع عام 1941 والذي عرف بخطاب الحريات الأربع ومما جاء فيه .
على صعيد السياسة الداخلية :
1- تكافؤ الفرص للشبان وغيرهم .
2- وظائف لمن في وسعهم ان يشتغلوا .
3- الضمان الاجتماعي لمن هم بحاجة اليه .
4- نهاية الامتيازات الخاصة المحفوظة لعدد قليل .
5- حماية الحريات العامة للجميع .
6- التمتع بثمار التقدم العلمي في مستوى معيشة أكثر رخاء وفي ارتفاع مستمر .
على صعيد السياسة الخارجية :
1- حرية الكلام والتعبير في كل أنحاء العالم .
2- حرية كل شخص في أن يمارس عبادة الله على طريقته و في كل أنحاء العالم .
3- الحرية بالنسبة الى الحاجة التي تعني بعد ترجمتها الى لغة عالمية , اتفاقات اقتصادية تكفل لكل امة حياة سليمة وبسلام لسكانها في كل أنحاء العالم .
4- الحرية بالنسبة الى الخوف , التي تعني خفضا عالميا جذريا للتسلح الى حد لا تعود معه أي امة قادرة على ارتكاب عمل عدواني عسكري ضد أي من جيرانها , وذلك في أي مكان من العالم .
اعتقد جازما لو ان الإدارات الأمريكية السابقة قد سارت على خطى إدارة فرانكلين في سياستها الداخلية والخارجية بدلا من ان تسير على خطى سياسة ريغان وبوش و الكيل بمكيالين , والقبضة الحديدية ضد كل من يقف بوجه سياستيهما داخليا وخارجيا ’ لما ضرب الإرهاب أمريكا في عقر دارها .
لا يكفي أن نقول : ان كل من يحمل حزاما ناسفا على خصره ويفجر نفسه وسط مجموعة من الناس هو إرهابي. يجب قتله . علينا ان نفكر بالأسباب التي دعت مثل هذا الإنسان الى تفجير نفسه .
كل انتحاري يفجر نفسه سياسيا , قد يكون الدافع لذلك هو اليأس من حياة فيها درجة فظيعة من الذل والجوع والفقر ,
او قناعة بان ما يفعله هو عمل صحيح بوجه الكفار الظالمين ’ وعمله هذا سيدخله جنان الخلد وفي الحالتين علينا أن نبحث عن الأسباب التي دفعت بالإنسان لهذه " التضحية " على قاعدة قول الشاعر – الجود بالنفس أقصى غاية الجود- ومن ثم نعالج هذه الأسباب بطرق أخرى غير الطرق العسكرية .
هذا هو الطريق الصحيح لتجفيف مستنقعات الإرهاب , فهل ستتعظ الإدارة الأمريكية القادمة ؟
نأمل ذلك , ومن اجل ذلك أيضا ’ نورد هذه الحادثة البالغة الدلالة وذات مغزى عميق لما
جرى ويجري في أمريكا وإيران وغيرها من البلدان التي تجعل من فرقعة العظام أساسا لها في الحكم .
كتب والي خراسان - الجراح بن عبد الله الحكمي - الى الخليفة عمر بن عبد العزيز في دمشق يقول : ان أهل خراسان لا يصلحهم الا السيف والعصا , فجاءه جواب الخليفة .
كذبت , بل يصلحهم العدل والحق فابسطه بينهم .
كامل عباس – اللاذقية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ولما كان حد بيحاول يوعي الناس ويقولهم الإخوان مش على حق.. كا


.. هذه جرائمهم وثقتها الكاميرا.. بالفيديو جرائم الإخوان وعنفهم


.. بالتزامن مع حلقة الاختيار 2 عن فض رابعة ...هذه جرائم الإخوان




.. قناة الانسان


.. الشريعة والحياة في رمضان- الشيخ عصام البشير يشرح معنى السنة