الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


(الشخصية العراقية) بين التفكيكية و التحليلية..

سهيل أحمد بهجت
باحث مختص بتاريخ الأديان و خصوصا المسيحية الأولى و الإسلام إلى جانب اختصاصات أخر

(Sohel Bahjat)

2008 / 9 / 3
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


هناك مجموعة إشكالات فلسفية يعيشها العقل العراقي و يريد هذا العقل أن يحصل لها على إجابات و تحليلات تكشف عن سر هذه العقد الفلسفية الاجتماعية المرتكزة على الفرد المغترب في ذاته، و حينما نقول "عقل عراقي" فنحن هنا لا نطرح جملة مواضيع تتعلق بالمجتمع ككل بقدر ما هو سؤال عام يطرحه كل فرد منتم إلى هذه الأرض، و هذا السؤال يشبه السؤال المنطقي الذي تسرب إلى العقل الأكاديمي الأوروبي و في مركزه الألماني تحديدا، و العراق بالنسبة إلى العالم الإسلامي هو كنسبة ألمانيا إلى العقل الأوروبي، هذا المركز مؤثر و متأثر في الوقت نفسه، بمعنى أن الانعكاسات الثقافية و الاجتماعية في هذا البلد لها تأثير على المحيط أكثر من أي شعب آخر، و نحن نريد لهذا الانعكاس الذي سينتج عن الشعور بالذات أن لا ينتهي إلى ما انتهت إليه ألمانيا في بدايات القرن العشرين و قيام الدولة النازية، و لكن لأن الذات العراقية تختلف من بعض الأوجه عن ألمانيا فإن من الجيد أن الفكر القومي كبديل عن الذات الثقافية الحضارية العراقية قد سقطت في العراق حتى قبل 2003 و الإطاحة بالصنم.
إن العقل العراقي و الذي انتبه إليه الأولون في العصور الإسلامية بأنه عقل "جدلي" و وجده الجاحظ عقلا إيجابيا لأنه يرفض المنطق السائد في محيطه و هو الخضوع للحاكم دون سؤال أو جواب أو تمحيص و تدقيق، فالعقل العراقي منذ نشأته و بروزه خلال العصور الإسلامية هو عقل يمتاز عن غيره و حتى عن محيطه العربي و العجمي على حد سواء، فالعراقي العربي يختلف و يمتاز بصفات عقلية و منطق يكاد يكون خاصا بهذا العراقي و الشيء ذاته يتعلق بالعراقي الكردي و التركماني و الشيعي و السني و الصابئي و المسيحي، صحيح أن سياسات أنظمة معينة ساهمت في تشويه هذا العقل و جعلته ينخدع بالانتماء الكاذب نحو القومية أو الطائفة، و ما عرض العقل الفردي العراقي إلى الزعزعة هو وقوعه على تقاطع طرق مع أمم و شعوب أثرت فيه كشعور بالذات على العكس من الحالة الألمانية التي اندمجت في الشعور الأوروبي و بفضل الجدار الروسي الذي منع أي موجات غزو بعد أن تم طرد المغول و هزيمتهم و تحولت روسيا إلى جدار طبيعي لأوروبا، من هنا فإن العراق يعاني أكثر من التدخلات و إن كنا الآن سائرين نحو بناء الذات العراقية و ترميمها من خلال إعادة بناء الدولة.
العراقي كفرد نشأ منذ قرون على التعامل مع الدولة كعدو و خصم لأنها تمثل بالنسبة له "دولة القهر و الغلبة" بينما تعامل قسم صغير من العراقيين مع السلطة على أنها ظل الله في الأرض و أنها تستعير شرعيتها من الدين و هذه الأقلية التي حكمت البلد بالنار و الحديد و الإرهاب هي نقيض العقل العراقي الأصلي الذي ينظر إلى السلطة بنوع من الشك و الريب و عدم الثقة، و السلطة هنا ليست حكومة بغداد و إنما حتى المحافظون و الولاة و جباة الضرائب و العسكر و السلطات الأمنية و حتى أصغر موظفي الدولة، لقد كان العقل العراقي على الدوام يخاف من فقدان الدولة لكثرة تعرضه لغزوات البدو و الشعوب المجاورة التي كانت على الدوام تطمع في أراضيه الخصبة و ثرواته التي كانت تبني دولا و حضارات، و في الوقت نفسه فإن هذا العقل يكره السلطة و الحكام لأنها كانت في الأغلب سلطة غاشمة لغياب الاستقرار السياسي و الاجتماعي، عدا قرنين من العهد العباسي الثاني، و هذا التناقض بقدر ما هو سلبي من جهة أنه مع العاطفة كارثة و لكن هذا الشعور لو سُخّر في نظام ثقافي متناسق فهو قادر على بناء عقل عراقي يستوعب حس الحب و الكراهية تجاه السلطة، فالسلطة إيجابية كونها تبعد الفوضى و تنسق العمل الإنساني و لكن هذه السلطة سلبية من جهة تحولها إلى آلة بيد المغامرين و محبي الهيمنة و السيطرة.
جدلية الفرد و الدولة يجب أن تنتهي باتفاق سايكولوجي نفسي مبني على إعادة النظر في كل المسلمات و أن العقل العراقي بحاجة إلى ثورة عقلية ـ بدل الثورات المسلحة التي حطمت الواقع العراقي ـ تكون بمثابة مراجعة و مواجهة مع كل الموروث الديني و السياسي و حتى الأخلاقي، إن الفرد العراقي لا بد له من أن يُدرك أنه هو المركز الذي تدور في فلكه كل القيم و الأعراف و القوانين، بمعنى أن هذا الفرد هو هدف الدولة و ليس من هوية للعراق غير هذا الفرد و الذي هو مضافا إلى أقرانه ـ الأفراد ذكورا و إناثا ـ يشكلون معا الهوية العامة و إن كان الفرد العراقي يحمل معه ذاتا ترتكز عليه الدولة العراقية و النظام العام، فلا قيمة للأعراف الاجتماعية أو الدين أو حتى الأخلاق إذا ما كانت ستقف حاجزا أمام هذا الفرد لينطلق نحو خطه في الحياة الحرة و التعبير عن الرأي و البحث عن الله و غير ذلك من الأمور الوجدانية التي هي حقوق قائمة بذاتها و ليست مصنفة من قبل حزب أو فئة مرجعية أو قومية عرقية، لأنها بديهة من بدهيات العقل العراقي.
ليس من الانعزالية أن يحاول الفرد معرفة ذاته و طبيعة وجوده كذات مفكرة لديها ـ الضمير يعود إلى الذات ـ مهمة و هدف سامي ينتظر الفرد نفسه كيفية استكشاف الوصول إليه في أن يصبح سيد الموجودات عبر تنجيز ـ اشتقاقا م الإنجاز ـ حريته و جعل هذه الحرية جزءا من الوجود و إنقاذا للدين من العقل التبريري الذي جعل الإسلام تبريرا وحشيا للظلم و التخلف، إن الفرد يمثل البعد الداخلي الذاتي بينما المجموع (الشعب) يمثل البعد الخارجي الذي يؤثر في الذات (الفرد) بشكل سلبي أفقده ذاتيته كون هذا الفرد لا يكشف قناعاته الحقيقية بسبب ضغوط خارجية، بينما الفرد الذي هو ذات الأمة و هويتها و هدفها و غايتها مغيب و مقيد بأفكار و معتقدات وافدة غريبة و طارئة على العقل العراقي سواء كان هذا الوافد و الطاريء اعتقادا دينيا أو نعرة و شعورا قوميا أو قيما عشائرية، فالغاية العراقية هو خلق ذلك (الفرد العراقي الحر) الذي يمثل ذات الأمة العراقية الحرة، لذلك كان من ضرورات حركة التاريخ أن يتحول العراقي من أفكار إلى أخرى إلى حين أن نراه يعثر فعلا على ذاته العراقية.
هناك الآن مقاومة دينية و قومية و رفض للشعور العراقي – الذي هو حتمية تاريخية – و لكن عبثا يحاول القوميون "عربا أو أكرادا أو تركمانا" وقف هذا الشعور الذاتي بالانتماء و الذي سيتحول بمرور الزمن إلى واقع يغير كل ما هو موجود على الساحة، فالشعور هو إدراك و إحساس بالوجود و التملك الذي يكوّن أساس الدولة الجديدة التي يملك شعبها ذاكرة تاريخية عميقة من الظلم و المعاناة و الألم و بالتالي فإن كل الأطروحات الفكرية الدينية مثلا اضطرت أن تتكيف مع الوعي الوطني الإنساني العراقي و تتخلى عن خطابها الفقهي اللاهوتي نحو آفاق العراق التي تتجاوز الدين و القومية في آن واحد، فالعراق جذوره أقدم من كل الأديان السماوية و الأرضية التي وجدت على أرض العراق و من الطارئ على الفرد العراقي أن يبني دولته على كل ما هو طارئ و جديد و لا يكون عميقا بالمعنى الذاتي للوجود العراقي فيكون من السهل على من يحمل "قناعات طارئة" أخرى أن يهدم بنيان هذه الدولة.
هناك من المرتزقين القوميين – ممن يرتزق عبر الثقافة – من يروج لفكرة مفادها أن القوميات في العراق تعيش حالة من التنافر و أن ما يسمونه "المكونات" تنظر إلى بعضها البعض نظرة كراهية و رغبة في "الطلاق"، هذا الطرح الذي يأتي من خارج التاريخ و من خارج = ضد العقل الباطن العراقي هو طرح فاشل سبق للبعث و مرتزقته من حاول فرضه عكسيا، فالبعث حاول خلق وحدة "إجبارية" مبنية على طارئ – القومية – و من يروج للتقسيم فهو أيضا يستخدم خطة "طارئة" تقسيمية إجبارية، و هذا الفكر ما دام طارئا فهو يحكم على نفسه مسبقا بالفشل لأنه إخبار للذات العراقية بغير حقيقتها و كل ما يستطيع هؤلاء المرتزقة و القوميون أن يفعلوه هو فقط تأخير ساعة الحقيقة، هذه الحقيقة التي هي غاية "بديهية" غائبة في التعقيد اللا واعي و الذي يسعى من خلال علاقاته المتناقضة إلى الوصول إلى غاية اللا وعي التي هي الوعي الحقيقي لكنها غائبة في المتناقض الذي يتكون من جملة طوارئ – جمع طارئ أي محدث – ستنتهي لا بمعنى الإلغاء و لكن الانسجام في الوعي النهائي.
إن خلق أي هوية – دينية كانت أم قومية أو حتى أممية تتجاوز حدود العراق كالماركسية – هي هوية كاذبة و مزيفة و تريد خلق نقيض الدولة في الدولة مما سيعني فتح الباب على مصراعيه للعقل التفكيكي لا التحليلي كون الفكيك يختلف عن التحليل بشكل كبير، فالتفكيكية تتعامل مع التنوع بنزعة "انفصالية"، بينما التحليلية تراعي الاختلاف بشرط أن لا تتناول الذات العراقية المقدسة كغاية نبيلة بالأذى أو الانتقاص، فالتنوع هو كائن طبيعي و وليد غير طارئ لنظام الحرية الفردية كون السائل مهما انقسم فهو يتحد بكل سهولة، بينما التفكيك يتعامل مع (مفاصل) أو أجزاء قابلة للكسر و التناقض و التضاد و هو ما يمثل جانبا سلبيا من تكوين دولة قائمة على أجزاء تنظر لنفسها بعين الاختلاف و القسمة كمقدمة كاذبة للحقيقة العراقية التي ستتحول بفعل التفكيكية إلى "كذبة" يجب إلغائها – و إن كان من المستحيل ذلك – فإن هذا الإلغاء سيكون مجرد تأجيل آخر للحقيقة العظمى التي هي الهوية العراقية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غزة: مدينة منكوبة تاريخها عريق ومستقبلها غامض


.. ما أهم ردود الفعل في إسرائيل على خطاب حسن نصر الله وتهديداته




.. الولايات المتحدة.. بائعة قهوة تلقن زبونا درسا قاسيا! • فرانس


.. ممثلو الأحزاب الفرنسية يعرضون برامجهم أمام جمعية -أرباب العم




.. مراسلنا: قوة خاصة إسرائيلية تقتحم جنين وسط اشتباكات مع فلسطي