الحوار المتمدن - موبايل


تأملات في الحياة اليومية

خالد كاظم أبو دوح

2009 / 1 / 3
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ونحن نتابع أنشطتنا المختلفة طوال اليوم، ننتقل من سياق إلى آخر، مثال خروجنا من الأسرة في الصباح، يعني دخولنا إلى عالم الحياة اليومية لسياق آخر هو الشارع، ومنه قد ننتقل إلى سياق آخر هو مؤسسة العمل، وهكذا كل فرد منا يخرج من سياقات ويدخل إلى أخرى، ومعظم هذه السياقات المحلية يتماثل في صفاته وخصائصه مع سمات المجتمع الكبير وخصائصه.

وسيادة سمة معينة داخل المجتمع وتجسدها في ثقافة المجتمع الكبير، قد يعني أن هذه السمة تسود في معظم السياقات المحلية، وعلى هذا فإن الخطر على أي مجتمع لا يكمن في ظهور الفساد لدى شريحة أو جماعة ما داخله، ولكن كل الخطر أن يكون هذا الفساد وما يرتبط به من سمات سمة متوفرة داخل السياقات الصغيرة التي تشكل المجتمع الكبير.

ويتضح من تأملي لمجتمعي الصغير أن الفساد وأخلاقياته الرديئة أصبح سمة متجذرة في معظم السياقات الاجتماعية، بمعنى أنه أصبح – أي الفساد – وثقافته يشكل لحد كبير عنصر في البنية الثقافية للأفراد والمجتمع، ويتم إنتاجه بأشكال مختلفة مغايرة لحقيقته، حتى يتم قبوله اجتماعياً، فالرشوة على سبيل المثال أصبح لها الآن أكثر من مصطلح مثال ( الإكرامية، محبة، مساعدة ) بل أصبحت – أي الرشوة – نصيحة تتلقاها من كل فرد يعلم أنك مقبل على عمل ما، وتعبيرها الشعبي ( مشي حالك ).
تأمل أيضا الكلام من حولك، داخل كل السياقات الاجتماعية التي تمر عبرها في حياتك اليومية، سوف تلمح أن الكلام لم يعد حوار تحت مظلة نظام الكلام الرمزي، ولا هو اعتراف متبادل بين ذاتيين، ولكنه أصبح يحمل في طياته تنكر لإنسانية الآخر، وقد يصل إلى حد هدره وقهره واستغلاله، وحتى إبادته.

وعبر تأملك للملاحم الكلامية التي تعايشها في حياتك اليومية قد تجد ذلك الشخص الذي يعكس كلامه بطولاته اليومية، فالحديث عن الإنجازات والأفعال تغلفه البطولة الدالة ضمنياً على أن المتحدث أفضل من الآخرين، وأكثر استقامة منهم، وأكثر قدرة على التغلب على المشكلات ومواجهتها، في مثل هذا الموقف ينتفخ الحديث ويتضخم، وكأن المتحدث ينادي: أني هنا، هل من ناظر يدركني؟ أنا يمكنني أن أنقذكم وأنتم لا تعرفون!!! وفي هذا الموقف قد تعلو الأصوات، وتتنافر، وغالباً ما يكون أعلاها هو أكثر قدرة على الكسب، وفي كل الأحوال تغيب الصور الحقيقية للتميز.

وهنا أصبح الكلام في الحياة اليومية زاد للمتعة وقضاء وقت الفراغ، ففي غياب الصور الخلاقة للتميز والتباين ما بين الأفراد، تتحول الحياة اليومية إلى ملاحم كلامية، يتم فيها تتبع أخبار الأفراد، ورواية أحداث حياتهم، وسرد قصص فشلهم ونجاحهم، ويصبح فائض الكلام رصيداً لمن لا رصيد له، وتصبح ملكية هذا الفائض الكلامي رأسمالاً يمكن توظيفه، وتتحول ملاحم الكلام إلى قوة تخويف حقيقة، تسد أفق الإبداع، وتخلق ضروباً من عدم الثقة في علاقات التفاعل بين الأفراد، وتتدعم ملاحم الكلام عبر فضاءات الفراغ التي تخلقها البطالة والفقر وأنماط العمل القسري، والبطالة المقنعة، ونقص الكفاءة في الأداء، بحيث يصبح الكلام هو زاد من لا يملك، من لا يملك شيئا يفعله، فمن لا يملك شيئا يملك الكلام. وكأن أولئك يخلقون بملاحم الكلام سلطة غير منظورة تعمل على إيقاف الحياة عند حد معين لا تتجاوزه، وتغلق أفق الإبداع والنجاح، وتعمل على أن تتوقف الحياة عند هامش الضرورة.

فإن كانت حياتك مكتظة بمثل هؤلاء الأفراد الذين لا يملكون إلا الكلام كرصيد للتعبير عن بطولاتهم الخيالية، أو الكلام كقوة رمزية يحاربون بها كل من يشاركهم السياق ويحاول الخروج عن مخططاتهم، يحاول أن يتميز بعمله وعلاقاته، يحاول أن يصنع لنفسه وللسياق الذي يحيا فيه بطولة حقيقية، أن يقدم للسياق الذي يحيا فيه كفاءة واقعية، فحاول أن تعرفهم جيداً، وتأخذ حذرك منهم، ولا تبالي كلامهم، وإذا ما طالك كلامهم يوماً ما، قول لهم:
قل ما شئت في مسبتي فسكوت عن اللئيم جواب
وما أنا بعديم الرد لكن ما من أسد يجيب الكلاب








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الاختيار2 بالصدارة وانسحاب من مشاهدة -موسى-.. دراما رمضان 20


.. وفد أمني مصري يصل إلى قطاع غزة في مسعى للتهدئة


.. عاجل | كلمة للرئيس الفلسطيني محمود عباس#




.. دمار كبير يلحق بالمنشآت المدنية والأبراج السكنية جراء القصف


.. مراسـلة آر تي: حشـود عسـكـرية بـرية إسرائيلية كبيرة على حدود