الحوار المتمدن - موبايل


العلم من غير دين أعرج والدين من غير علم أعمى

عدنان عاكف

2009 / 5 / 17
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



ألبرت آينشتاين
ترجمة عدنان عاكف
لن يكون من الصعب التوصل الى اتفاق حول ما نعنيه بكلمة " العلم ". العلم هو مجمل المساعي والجهود الرامية الى توحيد الظواهر التي يمكن إدراكها في هذا العالم، وتجميعها في وحدة متكاملة، قدر ما أمكن ذلك، من خلال استخدام أساليب التفكير المنظم. . ولكن يبدو لي ان الجواب سوف لن يكون بهذه السهولة لو سألت نفسي، ما المقصود عادة بكلمة " الدين ". حتى لو عثرتُ على الجواب الذي قد يكون مقنعا بالفعل في اللحظة الآنية، لكني سأضل مشغول الذهن، لأني ، وتحت أية ظروف كانت ، سوف لن أكون قادرا على التوفيق بين آراء كل من اهتم بهذا الموضوع، حتى لو اقتصر الأمر على نطاق ضيق.
أفضل قبل أن أسأل ما هو الدين أن يكون سؤالي عن الشيء أو الأشياء التي تميز طموحات الشخص الذي سوف يمنحني الإحساس باني قد أصبحت متدينا : شخص متنور بشؤون الدين، و ينبغي أن يكون الأفضل بما يمتلك من مؤهلات، وقد حرر نفسه من أغلال الرغبات الأنانية، و شغوف بالأفكار، والمشاعر والطموحات التي يتمسك بها، لكونها تسمو فوق جميع الاهتمامات الشخصية. يبدو لي ان ما هو مهم هنا هي قوة تلك الطمأنينة الفوشخصية وعمق القناعة التي يمتلكها، بمعناها الكبير، بغض النظر عما اذا كانت هناك أية محاولة لربط هذه الطمأنينة بكائن سماوي. وخلاف ذلك سيكون من غير الممكن اعتبار بوذا وسبينوزا من الشخصيات التقية. وفق هذا المفهوم يكون المتدين ورعا، بمعنى انه لا يشك في أهمية ونبل هذه الأهداف والنوايا الفوشخصية التي لا تتطلب تأسيس عقلاني، وليست قابلة لأي تأسيس عقلاني، ويمتلك وجودها نفس الضرورة والأهمية لوجوده شخصيا. ووفق هذا المفهوم يكون الدين هو تلك المحاولات التي يبذلها الناس منذ القدم لإدراك هذه القيم والأهداف بكل وضوح وبشكل كامل، ومواصلتهم السعي لنشر وتعزيز تأثيراتها . وعندما يُفهم العلم والدين وفق هذه المبادئ، لن تكون هناك إمكانية لنشوء أي تناقض بينهما. ان العلم قادر على ان يؤكد على " ما هذا " فقط، ولكن ليس على " ما الذي ينبغي أن يكون ". وتبقى جميع الآراء القيمة، التي تقع خارج مجاله، ضرورية مهما كان نوعها. من الجانب الآخر، نجد ان الدين يتعامل مع تقييم أفكار الإنسان وأفعاله فقط. فهو غير قادر على التعامل مع الوقائع والعلاقات القائمة بينها بشكل تبريري. ووفق هذا التفسير يمكن أن يعزى الخلاف بين العلم والدين في الماضي الى سوء فهم للحالة التي توقفنا عندها توا. فعلى سبيل المثال يمكن أن تظهر الخلافات حين يصر المجتمع الديني على ان جميع المعلومات الواردة في الكتاب المقدس هي حقائق مطلقة. موقف كهذا سوف يكون تدخل لجانب من الدين في مجال اهتمامات العلم. وهنا بالذات كان يكمن صراع الكنيسة ضد عقيدتي غاليلو ودارون العلميتين. من الناحية الأخرى نجد كيف ان ممثلي العلم غالبا ما كانوا يحاولون التوصل الى أحكام أساسية تتعلق بالقيم والأهداف، من خلال تطبيق الطريقة العلمية،، وبذا يكونوا قد وضعوا أنفسهم في تعارض مع الدين. وكل هذه الخلافات ناتجة عن أخطاء قاتلة.
الآن, وبالرغم من ان مجالات العلم والدين منفصلة عن بعضها البعض بكل وضوح، إلا انه مع ذلك توجد بين الاثنين ارتباطات وعلاقات متينة متبادلة. مع ان الدين، ربما قد حدد الهدف، لكنه مع ذلك لم يتعلم من العلم- بالمعنى الواسع- طبيعة الوسائل التي سوف تساهم في تحقيق الأهداف التي تم تحديدها. لكن ، ينبغي ان نعلم ، بانه لا يمكن إبداع العلم إلا من قبل أشخاص تشربوا تماما بالطموح نحو المعرفة والحقيقة. ومع ذلك ان مصدر الإحساس ينبع من مجال الدين. والى هذا ينتمي أيضا الإيمان بان يكون النظام الساري المفعول لعالم الوجود نظام عقلاني، بمعنى أن يكون مقبولا من قبل العقل. أنا لا أستطيع أن أتصور عالم عبقري بدون إيمان عميق. وربما يمكن صياغة الحالة على النحو التالي : العلم من غير دين أعرج والدين من غير علم أعمى.
مع اني قد أكدت، من قبل، على انه لا يمكن أن يكون في الواقع أي خلاف حقيقي بين العلم والدين، ولكن علي أن أحدد هذا التوكيد، ارتباطا مع نقطة جوهرية، وذلك بالرجوع الى المحتوى الحقيقي للدين التاريخي. وهذا التحديد يرتبط بمفهوم الإله. في مرحلة الصبا من التطور الروحي للجنس البشري أبدعت الفنتازيا الإنسانية آلهة في مخيلة الإنسان. وتستطيع هذه الآلهة، حسب مشيئتها، ان تحدد الأحداث في العالم، أو ان تؤثر عليها بهذه الدرجة أو تلك. وقد حاول الإنسان أن يغير من أمزجة تلك الآلهة، لخدمة مصالحه الخاصة ، وذلك من خلال إقامة مراسيم العبادة وأعمال السحر. ان مفهوم الإله في التعاليم الدينية في الوقت الحاضر هو تسامي الفكرة القديمة عن الآلهة. ويظهر طابعه الأنثروبومورفي ، على سبيل المثال، في لجوء الناس الى الكائنات السماوية في صلواتهم ملتمسين تحقيق أمنياتهم.
لا يوجد، بالتأكيد، من ينكر ان فكرة وجود القادر على كل شيء، حقيقة، وان الإله الشخصي الكلي المقدرة يستطيع أن يواسي الإنسان في عزاءه، ويساعده ويرشده؛ وكذلك فهي ( الفكرة ) بسبب بساطتها مقبولة لغالبية العقول غير المتطورة. ولكن من الناحية الأخرى توجد نقاط ضعف فاصلة مرتبطة بهذا المفهوم بحد ذاته، والتي كان تأثيرها مؤلما في المراحل التاريخية الأولى. والمقصود هنا هو : اذا كان هذا الكائن قادر على كل شيء، ومن ثم ان كل حادثة، وكل فعل إنساني، كل تفكير إنساني، وكل شعور وطموح إنساني هو من فعله هو، فكيف يمكن في هذه الحالة الاعتقاد بان الناس يتحملون وزر أفعالهم وأفكارهم أمام مثل هذا الكائن القادر على كل شيء.؟...... كيف يمكن أن يستقيم هذا مع الطيبة والعدل التي يوصف بهما ؟
المصدر الرئيسي للخلافات الحالية بين العلم والدين نابع من المفهوم الذي يتعلق بهذا الإله الشخصي. ان مهمة إرساء القواعد العامة لتحديد العلاقة المتبادلة بين المقاصد والظواهر في الزمان والمكان هي مهمة العلم. وهذه القواعد، أو قوانين الطبيعة تتطلب مشروعية عامة مطلقة. ....... ولكن من الصعب ان تجد أي إنسان يستطيع أن ينكر هذه النجاحات الجزئية واعتبارها خداع للذات. وكوننا قادرين على أساس مثل هذه القوانين ان نتنبأ بالسلوك المؤقت للظواهر في مجالات معينة، بثقة كبيرة وبدقة عالية، هو واقع كامن عميقا في وعي الإنسان المعاصر، بالرغم من انه لا يملك سوى القليل من مضمون هذه القوانين. انه بحاجة، على سبيل المثال، الى ان يأخذ بنظر الاعتبار ان مسارات الكواكب في المنظومة الشمسية يمكن ان تحسب بدقة عالية على أساس عدد محدود من القوانين البسيطة. وبطريقة مماثلة، وقد لا تكون بنفس الدقة، نستطيع ان نحدد سلفا النمط الذي يعمل به المولد الكهربائي، ومنظومة التحويل، أو الجهاز اللاسلكي، حتى وان كنا نتعامل مع تصميمات جديدة.
عندما يصبح عدد العوامل المؤثرة في ظاهرة ما كبير جدا، فان الطريقة العلمية ، وفي حالات كثيرة، يمكن ان تخذلنا. يكفي، مثلا، أن نفكر بحالة المناخ، التي يكون التنبؤ فيها لبضعة أيام سلفا أمر غير ممكن. مع ذلك لا أحد يشك في اننا في مواجهة علاقة سببية، معظم عناصرها السببية معروفة لنا. فالظواهر في هذا المجال تقع خارج نطاق إمكانية التنبؤ الدقيق، بسبب الاختلاف الحاصل في العوامل المساهمة في العملية، وليس بسبب الافتقار الى أي نظام في الطبيعة ذاتها.
اننا لم نستطع حتى الآن ان نتغلغل عميقا في المنظومات السائدة في عالم الأشياء الحية إلا بشكل طفيف. ولكن مع ذلك، فقد تعمقنا بما يكفي، على الأقل، لأن ندرك قانون الضرورة الثابتة. يكفي المرء ان يفكر بالترتيب المنظم وراثيا، وبتأثير السموم وتأثير الكحول، على سلوك الكائنات العضوية. وما نفتقر اليه هنا هي سعة العلاقات العمومية العميقة، وليس معرفة الترتيب بحد ذاته.
كلما كان المرء متشربا بنظام تسلسل الأحداث كلما أصبح أكثر ثقة بأنه لم يترك أي مجال لحالات أخرى، خارج نطاق ذلك النظام، مهما كانت طبيعتها. وبالنسبة له فان قانون البشر والقانون الإلهي لن يكونا كحالة مستقلة عن أحداث الطبيعة. بلا ريب ان عقيدة الإله الشخصي، بتداخلها مع الظواهر الطبيعية لا يمكن تفنيدها أبدا، بالمعنى الفعلي، بواسطة العلم، ويمكن لهذه العقيدة دائما ان تجد لها ملاذا حيثما يبدو ان المعرفة العلمية ما تزال غير قادرة على ان تجد لها موطئ قدم.غير اني اقتنعت بان مثل هذا السلوك الذي يسلكه بعض ممثلي الدين هو سلوك، ليس فقط غير لائق، وانما سلوك مضر جدا. العقيدة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلا في الظلام، وتجد نفسها عاجزة عن القيام بذلك تحت الأضواء الساطعة، سوف تفقد تأثيرها بين الناس، بعد ان تخلف أضرارا كبيرة لا يمكن تقديرها. لذلك ينبغي على الدعاة، الذين يبذلون جهدهم من أجل نشر القيم الأخلاقية ان يمتلكوا القدرة على التخلي عن عقيدة الإله الشخصي، بمعنى، التخلي عن مصدر الخوف والأمل، والذي كان في الماضي يضع قوة طاغية بين أيدي الكهنة. بعملهم هذا سوف ينفعون أنفسهم، من هذه القوى، القادرة على تنشأة الخير، والحقيقة، والجمال في الإنسانية ذاتها. لاشك ان هذه المهمة ستكون أصعب على رجل الدين، لكنها أكثر نبلا، وبشكل لا يضاهى. وبعد ان ينجز الدعاة عملية التربية تلك فانهم سيشعرون بسعادة بالغة، ويدركون بأن الدين الحقيقي، بفضل المعرفة العلمية، قد سما شأنه وغدا أكثر عمقا.
واذا كان من بين أهداف الدين تحرير الناس ، قدر المستطاع، من عبودية الرغبات الأنانية، والطموحات الذاتية، ومن الخوف، فيمكن للتفكير العلمي ان يضيف للدين بعدا آخر. من الحقائق المؤكدة ان هدف العلم هو اكتشاف القوانين التي تسمح بجمع الوقائع والأحداث، والتنبؤ بحدوثها . إلا ان مهمة العلم لا تنحصر في ذلك فقط. العلم يحاول أيضا أن يختزل الروابط المكتشفة الى أصغر عدد ممكن من العناصر المفاهيمية المشتركة والمستقلة. ونجاحه الأعظم يكمن في المساعي التي يبذلها من أجل التوحيد العقلاني للمتغيرات التي تواجهه، حتى وان كانت تكمن في هذه المساعي أعظم المخاطر من الوقوع ضحية للأوهام. ولكن أي كان الشخص الذي خضع للتجربة الصعبة للتقدم الناجح الذي تم إحرازه في هذا المجال فانه كان يسعى بدافع التبجيل العميق للعقلانية التي تتجلى في الوجود. ومن خلال فهمه سوف يبلغ أبعد مدى من التحرر من أغلال الآمال والرغبات الشخصية، حتى يصل الى تلك الحالة المتواضعة للفكر أمام عظمة العقل المتجسدة في الوجود،والتي هي في أعماق أعماقها منيعة أمام الإنسان وعصية عليه. مع ذلك يبدو لي ان هذه الحالة هي حالة دينية، في أسمى معاني هذه الكلمة. لذا فأني أعتقد بأن العلم لا يتوقف دوره عند تنقية ( تطهير ) الدوافع الدينية من نفايات التشبيهية ( خلع الصفات البشرية على الإله )، بل يتعدى ذلك ليسهم في تشكيل فهمنا الديني الروحاني للحياة.
كلما كان التطور الروحي للناس متقدما، كلما بدا لي ، وبثقة أكبر، ان الطريق الى الدين الحقيقي لا يمر من خلال الخوف من الحياة، والخوف من الموت، ومن خلال الإيمان الأعمى، بل من خلال السعي من أجل المعرفة العقلانية. بهذا المعنى، أؤمن بأن على رجل الدين أن يصبح معلما، ان كان يريد ان ينجز مهمته التربوية النبيلة بالحق..









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - مناورة ليس الا ؟
ابو العز ( 2009 / 5 / 16 - 21:44 )
الاديان كانت هرباًً من ظواهر الطبيعة التي لم يتمكن الانسان القديم من تفسيرها او ترويضها ومع العمل وتراكم الخبرة ظهرت فئة تستفيد من الدين اقتصادياً ككهنة قم رجال دين واخيراً انبياء كرسوا العبودية للبشر بمعنى الكلمة الحرفي كالمسيحية والاسلام!! فالكلام عن حاجة الانسان السوي الحالي للدين انما هو نفاق صريح لا يقبل ثفسيراً اخر. اما فيما يخص الروح فالكاتب يسير على نفس خطى كهنته اذ ليس هناك شئ اسمه روح بالمعنى العلمي ان كان هو يتكلم عن العلم. اما ما يخص التطور العلمي فهو نسي او تناسى اهم هذه الا وهو الموت الذي تدعي كل الاديان بانه بيد اله بينما العلم يقول انه ليس الا برنامج يمكن ايقافه في اي وقت وهذه هي الحقيقة التي ما زلن ندور حولها في مجتمعاتنا التي ما زالت تجتر ماضيها وتحاول بكل امكانياتها ان يحشر الدين في الحياة.


2 - Religion, science and other issues
Talal Alrubaie ( 2009 / 5 / 17 - 02:44 )
Dear Dr Adnan
I read your conceptualization of religion and science and the relationship between the two, and wish to make the following comments:
1. You speak of the ‘religious person’. But who is the religious person? This is a very vague concept, and there are no well-defined criteria to guide us. Although in some prominent cases the characterization is easy to make, nevertheless, in many other cases, it could be very imprecise and based, greatly or exclusively, on self-designation or on external criteria related to religious rituals or some statements ‘parroted’, in order to give a deeply, though false, religious impression.
2. What makes you think that the religious person, even in an abstract term or when referring to the profits as the ultimate personification of religion, is the person who has freed him/herself of selfishness and reached a status of moral purity? This statement has no evidence from history and is not informed by research into social sciences, particularly social or moral philosophy or even religious texts themselves. A religious person, certainly ha


3 - الاسلام من غير علم ليس دين
جوليا روبرتس ( 2009 / 5 / 17 - 13:35 )
الاسلام يناقض العقل والعلم لذلك فهو ليس بدين من عند الله ولكن جعل الاسلام من المسلمين عميان وطرشان... شكرا

اخر الافلام

.. استكمال التحقيقات مع سعيد بوتفليقة بتهم الفساد في الجزائر


.. توقعات بانخفاض إنفاق الكويتيين خلال شهر رمضان


.. إيلينا سوبونينا: روسيا اقترحت مساعدة تقنية وفنية في محادثات




.. آخر تطورات جائحة كورونا في عدد من العواصم العربية والأجنبية


.. حريق هائل في مصنع تاريخي في مدينة سان بطرسبورغ