الحوار المتمدن - موبايل


العولمة ، و الاختلاف

محمد سمير عبد السلام

2009 / 5 / 21
العولمة وتطورات العالم المعاصر


لا يمكن فصل سياق العولمة المعاصر عن قضايا الإبداع ، و إعادة تكوين الدال النصي ، أو الحضاري ، أو الفرد المتحرر ، و كذلك قضايا الأنا ، و الآخر ، و ما تحويه من علاقات التفاعل ، و التداخل ، و التعارض ، و الاختلاف .
فهل تعيد العولمة إنتاج الاختلاف في سياقات اتصالية ؛ إعلامية ، و لغوية ، و نصية جديدة ؟
هل تصير تحويلا جماليا للفرد / المكان المختلف ، و المتداخل مع الآخر ضمن ذاتيته ؟
إن خاصية التفرد الجمالي للدال تحمل بحد ذاتها القدرة على الطيران ، و الخروج من البنية الواحدة في اتجاه العالمية ؛ فالنزعة الإبداعية تتواتر ، و تتكرر في نطاق الاختلاف ، و لكن التقدم في الكشف عنها ، و نشرها يمنحها حضورا لا مركزيا عالميا يتجه إليه العالم الآن .
و لننظر إلى المواقع الإلكترونية التي تهتم بنشر تاريخ الفن منذ مرحلة ما قبل التاريخ ، و ما أحدثته من بروز جديد لنقوش الطوطم ؛ مثل الثور ، و الحصان ، و الفيل ، أو الأيدي الصغيرة كأثر للقبيلة ، أو أعضاء الأنوثة ، و غيرها ؛ هذا البروز الجديد يحول الكهف إلى مكان مضيء في الوعي الإنساني ، يستطيع من خلاله قراءة وجوده من منظور إبداعي – تاريخي .
و سيقوم النقد بدور كبير في إحداث الطفرة الإبداعية / الاتصالية في سياق العولمة المعاصر ؛ فمن خلال قراءة الدال الحضاري ، أو النصي سيكتسب بعدا إنسانيا جديدا يخرجه من سياقه المحلي ؛ مثل قراءة هيلين سيكسو لدال الميدوزا ضمن التناقضات الأنثوية في المدرسة الفرنسية ، و قراءة إيهاب حسن للفضاءات العالمية المتخيلة في رواية موبي ديك لميلفيل ، و قراءات دريدا الإبداعية لفوكوياما ، و ماركس ، و جان جينيه و غيرها .
و مازالت حركة الكشف ، و من ثم النقد ، و إعادة إنتاج الأثر مستمرة ؛ و لهذا تتضخم في سياق العولمة ، و تقضي على أشباح المركزيات المطلقة التي تعوق التواصل الخلاق بين الأنا ، و الآخر .
و رغم اتجاه الكتابات الجديدة عن العولمة إلى تحليل ما حدث بالفعل من طيران للمأكولات ، و الفنون ، و أنماط الحياة ، فإنها تسعى إلى التجاوز المستمر للخبرات الجزئية ، أو اتساع نطاق التفاعل بين المحلي ، و العالمي بصور مختلفة ، و يبدو هذا واضحا في كتابات أنتوني جيدنز ، و إيهاب حسن .
يرتكز جيدنز على قدرة العولمة على إحداث تغير أصلي في طبيعة العنصر المحلى ، و مساره الخاص ، و نمط الحياة فيه ، بينما ينطلق إيهاب حسن من الأدب إلى تحقق العالمية الحضارية دون مركز يتعارض مع الآخر .
إن علاقة العولمة بالاختلاف ، و الإبداع ، و علاقتهما بتقدم الاتصالات تتواتر في الكتابات الجديدة عن العولمة ، و هي بحاجة إلى نمو على مستوى التطبيق النقدي ، و الحضاري لكي تتضح أبعاد التواصل التي تجمع بين الكلية ، و التفرد الإبداعي الجزئي .
إننا لا يمكن أن نؤول الدال الذي انتقل إلى العالمية إلا من خلال جمالياته ، و قدرته الذاتية على عبور نفسه من جهة ، و سياقه من جهة أخرى .
هل يكون البعد العالمي إذا مضافا ؟ أم أنه يكمن في بعض الدوال / أو الأفراد دون الآخر ؟
لا يمكن تحديد ذلك إلا من خلال حدوث عملية التجدد في الجزئي التي تحدث عنها أنتوني جيدنز في كتابه ( العالم المنفلت ) Runaway World ؛ إذ يرى أن توحيد المعايير الثقافية عنصر جوهري من عملية العولمة ، و لكن التأثير الأعمق لها يكون في التنوع الثقافي المحلي الكبير الذي لا يتسم بالتجانس ، كما أن العولمة تميل إلى تعزيز التجدد في الهويات الثقافية المحلية (1) .
إن طفرة الاتصال عند جيدنز مجرد بداية لعملية تفاعل أصلية تكمن في الجزئي ، أو المحلي ، و لكن اللاتجانس الذي يتوقعه يعود بنا إلى الأصالة مرة أخرى ، و لكن في سياق اتصالي لا يمكن حدوثه إلا بتنمية النزعة الإبداعية في المحلي نفسه ، و التي أرى أنها ستعزز من الاختلاف ، و التواصل الكوني / العالمي في آن ، و من أفضل الأمثلة على ذلك الوصف الإبداعي لأهالي الطيبة في رواية النهايات لعبد الرحمن منيف فهم متميزون بشدة ، و لكن أحزانهم تكمن في اللاوعي الإنساني .
و نلاحظ أمرين حول كتابة جيدنز عن تجدد المحلي :
الأول : دينامية العمل الثقافي في علاقته بالمكان ؛ فقد تحدث في المصدر نفسه عن انفلات الموسيقى الشعبية ، و الأفلام الغربية ، و برامج التليفزيون من الحدود الجغرافية ؛ و من ثم فالدال الإبداعي في الثقافات الإنسانية بوجه عام سيميل بالضرورة إلى العالمية بالطريقة نفسها من التواصل بقدر ما يحمل في بنيته من حضور إنساني عالمي .
الثاني : التغير في البنية ، لابد أن يعقبه لامركزية ، و لكنها تأتي في إطار عمليات النقل ، و القبول لا المحو ، و هنا تكمن خطورة التواصل لأنها تحمل أبعادا غير متوقعة ، و احتمالات عديدة ، و لكن عملية التغير بحد ذاتها تفتح بابا جديدا للعولمة عند جيدنز ، و أرى أن التفاعل النصي ، أو الفني سيكون أسبق من غيره في عملية التجدد ، و بخاصة في الكتابات العربية الجديدة التي يبدو فيها الحس العالمي بالدوال الثقافية الجزئية .
و إذا كان جيدنز قد رصد انفلات الثقافة الشعبية في الغرب ؛ فقد اتخذ إيهاب حسن من دوال الأدب ، و شخصياته مدخلا للنزعة العالمية في مقاله ( العالمية ، و الساخطون عليها ) Globalism and Its Discontents ؛ إذ يرى أن الخصوصية المفرطة تعوق التقدم الذاتي ، كما توقف التعاطف الإنساني الذي بدونه لن يحدث التبادل الحضاري ، و الثقافي . كما يشير إلى مقاومة النصوص الأدبية لسياقاتها المحلية ، و لولا هذه العملية ، ما تمكنا من قراءة هوميروس ، و دانتي ، و شكسبير ، و أوستن ، و جلجامش (2) .
و أتفق مع حسن في أهمية المدخل الأدبي لفهم تطور النزعة العالمية في المجتمع الإنساني ؛ فنحن نتحدث عن ظاهرة موجودة بالفعل ، و تتطور بشكل عابر للزمان ، و المكان ، و من جهة أخرى فهي تتطور في اتجاه إيجابي للتعاطف الإنساني الذي يهدف إليه حسن ، و يتوقعه عندما تنمو النزعة العالمية ، و تتغلب على الصراع بين الأنا ، و الآخر .
و نلاحظ نقطتين حول واقع العالمية ، و مستقبلها عند إيهاب حسن :
الأولى : تأسيس النزعة العالمية على أساس الحوار بين الثقافات من جهة ، و مجالات المعرفة الإنسانية من جهة أخرى مثل جمعه بين الإبداع ، و التاريخ ، و الدراسات السياسية ، و الحضارية ، و مثل هذا الحوار سيقوض البنى المغلقة في العلوم الإنسانية ، و التعارض الجذرى غير المبرر بين الأنا ، و الآخر .
الثانية : يقوم إيهاب حسن بتفكيك الصراع عن طريق الكشف عن التعاطف داخل الدال الأدبي نفسه ، و من ثم تتحلل بنية التعارض المغلقة في النص ، و الواقع معا .
إن حسن يفجر السخط الأرضي العالمي فيما يتجاوزه ، و هو لا يهدف إلى المحو ، و إنما إلى النقل ، أو الانفلات الذي يميز العالمية ، و هو يستشهد بأمثلة قابلة للتكرار ، و الاستبدال الدائم من قبل عناصر ثقافية أخرى .
و أرى أن إيهاب حسن من المفكرين العالميين المعتدلين الذين يحرصون على إيجاد عملية تقدم إبداعية إيجابية للجنس البشري ، تتجاوز العنف ، و صراع الثقافات دون مركز .
و نستطيع – من خلال النقد الأدبي – أن نقدم نماذج جزئية تتجاوز حدودها الزمانية ، و المكانية انطلاقا من كمون النزعة الإبداعية في صورتها الكونية بداخلها ، و سأقدم تحليلا لحدث في رواية الأيام للمبدع الدكتور طه حسين يؤكد عمليتي التكرار ، و الاستبدال في العالمية المعاصرة .
* مدخل نقدي في الأيام لطه حسين :
في الجزء الأول من كتابه ( الأيام ) يصف طه حسين حدث وفاة أخيه – الذي انتسب إلى مدرسة الطب – نتيجة لوباء الكوليرا في سياقه الشخصي / المحلي ، ثم يعيد إبداع الحدث بشكل دلائلي في ذاته ، و من ثم يتجلى البعد الإنساني / العالمي في الحدث ، و الشخصية بمستوييها التاريخي ، و الخيالي .
لقد تواترت علة الأخ / الكوليرا ، و ولدت بداخل الراوي تكرارا لحزن عميق غير مبرر ، و بشكل مضاد ظلت صورة الميت تلح عليه في وعيه ، و لاوعيه ، مما أكسب الحدث ، و الشخصية حضورا فلسفيا ، و طيفيا جديدا ؛ هذا الحضور يعيد بحث الوجود ، و العدم ، و البعث ، و الإبداع ، و طاقة الموتى المتجددة في الأسطورة ، و الأحلام .
يقول :
" و منذ ذلك اليوم عرف الصبي الأحلام المروعة ؛ فقد كانت علة أخيه تتمثل له في كل ليلة ، و استمرت الحال كذلك أعواما ، ثم تقدمت به السن ، و عمل فيه الأزهر عمله ، فأخذت علة أخيه تتمثل له من حين إلى حين ، و أصبح فتى و رجلا ، و تقلبت به أطوار الحياة ، و أنه لعلى ما هو عليه من وفاء لهذا الأخ ، يذكره ، و يراه فيما يرى النائم مرة في الأسبوع على أقل تقدير " (3) .
لقد تجردت العلة ، و خرجت عن سياقها المحلي ، و صارت إنسانية مجردة ، تهدد الوجود ، و تعيد إنتاج الحزن المجرد المتنامي في الجنس البشري ، في لقائه الغامض بالموت .
إن دال موت الأخ يصير عودة للوباء ، و الحزن ، و الموت ، و البعث ، و الحياة معا في وعي الراوي ، و المتلقي ، فهو يحقق اندماجا في تواريخ ، و سير جديدة مكملة للسياق المحلي ، من خلال نقله إلى المستوى العالمي ، و الروح العالمية .
و نلاحظ في هذا المقطع ثلاث نقاط تتعلق بتجدد الأبنية الجزئية في النص :
الأولى : طيران الدال النصي في الآخر الذي يعاين للتو الحدث من داخل لقائه السري به في اللاوعي ، فحدث الموت عن طريق الكوليرا يستعيد مخاوف الموت في المتلقي ، و من ثم فهناك جزء أصلي من دلالة الجزئي يتداخل مع الآخر .
الثانية : دائما ما يستدعي أدب السيرة طابعا إنسانيا عالميا من خلال خصوصيته المميزة ، فعلامته تؤكد الخصوصية ، و تنفلت من حدودها ؛ لأنها تستعاد في صور تمثيلية جديدة في الآخر .
الثالثة : يكشف المقطع التناقضات الإبداعية الأصيلة التي ساهمت في نقل الحدث من المحلي إلى العالمي ؛ فالراوي يستعيد الموت ، و بعث الأخ معا بالقدر نفسه ، كما يتداخل في وعيه الماضي ، و المستقبل ، فالموت لم يحدث بصورة كاملة ، كما أن الحياة معلقة ؛ لأنها طيفية ، فهو يشبه صورة أخيه الجديدة دون حسم كامل لبنية الحدث ، أو الشخص .
• قراءات حول العولمة ، و الثقافات المحلية :
من أهم الكتابات التي تناولت علاقة العولمة بالثقافات المحلية كتاب ( العولمة ، و الثقافة ) للدكتور جون توملينسون ، ترجمة د إيهاب عبد الرحيم محمد ، و قد صدر عن المجلس الوطني للفنون ، و الآداب بالكويت 2008 .
و قد ناقش توملينسون علاقة العولمة بالثقافات المحلية ، و دور الوسائط المختلفة في تقريب الأماكن ، و الفضاءات التمثيلية ، و عملية اللاتوطين في العولمة ، ثم عن احتمالية الإنسان العالمي ، أو الكوني ، و مميزاته بين الحاضر ، و المستقبل .
و سوف أتناول أهم القضايا التي أثارها الكتاب على مستوى المناقشة ، أو العرض التحليلي ؛ و هي :
أولا : علاقة الحياة المحلية ، بتقدم الاتصالات .
ثانيا : عملية اللاتضمين ، و مدي تجسدها في الحياة اليومية .
ثالثا : التناول الإبداعي لقضايا العولمة .
رابعا : مميزات الإنسان الكوني .
مازالت – إذا – أبحاث العولمة ترتكز على المدى الواسع للعلاقات بين الأماكن ، و البشر ، و المنتج الثقافي ، و العادات و التقاليد في صورتيها الجزئية ، و الكونية ، و هذا المدى قد يتحقق بشكل أكبر ، أو يقف عند تقدم الاتصالات دون نتائج حاسمة حتى الآن .
أولا : علاقة الحياة المحلية بتقدم الاتصالات :
يرى توملينسون أنه على الرغم من أن الحياة المحلية تشغل معظم الزمان ، و المكان ، فإن المرتبطية المعقدة Complex Connectivity قد أحدثت مزيدا من عمليات الانتقال المادية ، و التمثيلية ، كما أنها تهدف أيضا إلى تغيير طبيعة النواحي المحلية نفسها من خلال الاتصالية .
و لا يمكننا فهم تطور الفكر العالمي في السياق الذي يشير إليه توملينسون إلا من خلال إعادة تشكيل البنى من خلال حوار خلاق يؤكد ثراء الذات ، و قدرتها على ولوج الآخر ، و العكس ، و كذلك قدرة الاتصالية التكنولوجية على التفاعل المنتج مع السياق المحلي .
ثانيا : عملية اللاتضمين ، و مدى تجسدها في الحياة اليومية :
يرتكز توملينسون على تحليل أنتوني جيدنز لعملية اللاتضمين في سياق العولمة ؛ إذ يصفه بأنه نقل العلاقات الاجتماعية من السياقات المحلية للتفاعل ، ثم إعادة تشكيلها في نطاقات غير محددة من الزمان ، و المكان ، ثم يشير توملينسون إلى عملية اللاتضمين في مجال الغذاء ؛ فقد قوضت العولمة العلاقة المادية الوثيقة بين مصدر الطعام ، و الناحية المحلية ، من حيث التنوع ، و الوفرة المستمرة .
و أرى أنه ثمة تحولات ثقافية ، و إبداعية ، و نقدية كبيرة تصاحب طيران الطعام ، و إعادة تشكيله ، منها :
أولا : على المستوى الثقافي تقاوم الصورة الأرضية للطعام عملية البزوغ المفاجئ القديمة في الربيع ، و من ثم إمكانيات العدم في المستقبل ، فقد أجلت الحضور المستعاد المتكرر ، و الاختفاء معا ، و ازدوجت بالجوانب التمثيلية ضمن بنيتها المادية ؛ فثمة أزمنة ، و أماكن أخرى طائرة تكمن فيها .
ثانيا : هل يمكننا قراءة الوفرة من خلال الدوال الجمالية البهيجة للتفاح ، و الكمثرى ، و الأشجار في لوحات سيزان ؟
إن الوفرة الجمالية التمثيلية في لوحات سيزان تستعيد الحضور الآخر للمادة من حيث الاستمرارية الجمالية الكامنة في المادي .
من هنا تأتي الأطباق المعاصرة كتحف فنية تشبيهية في معرض يومي واقعي في آن واحد .
ثالثا : يذكرنا اللاتضمين بعملية طيران النصوص بصورة غير واعية في دراسات الأدب ، فيما عرف بالتناص ، أو فيما بعد بالقراءات المنتجة ، و لكن الطيران الحر مازال في نطاق نصي إنساني ، أما في المجالات اليومية فثمة حوار بين الأنا و الآخر يحدثه تقدم الوسيط التكنولوجي .
ثالثا : التناول الإبداعي لقضايا العولمة :
مازالت نتائج الفكر العالمي غامضة ، و غير محسومة ، و لكن ضمن سياق الدوال الثقافية ، و الإبداعية نراها تتخذ صورا نصية تمثيلية ضمن التحليلات الاجتماعية ، و السياسية ؛ مما يعكس أهمية النظرة الإبداعية للعالم في تشكيل المستقبل ، و قد رأينا هذا من قبل في كتابات حسن التي جمعت بين ما بعد الحداثة ، و ما بعدها ، و الفكر العالمي الجديد من خلال امتزاج الأدب ، و الجغرافيا السياسية .
و من المقاطع الإبداعية في تناول توملينسون للعولمة ، إعادة تشكيله لعملية ولوج الحيز المنزلي المعاصر ، بأنها تمثل انتصارا لهرمس Hermes على هستيا Hestia ؛ أي غلبة دال الاتصال على دال المحلية ، أو الشعلة المنزلية المقدسة في ثقافتي اليونان ، و الرومان .
لقد ازدوجت الأسطورة بنمو الوعي الإبداعي العالمي ، فتغيرت العلاقات القديمة بين دوالها ، و كأن الفكر العالمي قام بتفكيك المدلول الأول ، ليحدث وعيا أكبر بالذات ، بالمدلول العالمي نفسه في سياق تشبيهي جديد ، و هو انتصار هرمس .
لقد تضاعفت عالمية هرمس ، و صار مناهضا لمحليته الخاصة ، فضلا عن اتحاده المحتمل بهستيا ؛ إذ أعاد تشكيل المحلي في علاقة تعارض جديدة تفقده مركزيته المغلقة .
رابعا : مميزات الإنسان الكوني :
يجمع توملينسون في وصفه للمواطن العالمي المحتمل Citizen Of The World بين دمج الهوية المحلية ، و الاهتمام بالقضايا التي توحد البشر دون انفصال ، أو آخرية ، و قبوله للتنوع الثقافي ، و لكن في إطار الحوار بين الأنا ، و الآخر القريب بفعل الثورة الجديدة في الاتصال .
و أرى أن الكتابات حول العولمة ، و الأفكار الجديدة حول الوسائط مازالت تعيد إنتاج العنصر الثقافي في اتجاه الاختلاف الإبداعي المضاف للإحساس بالتداخل بين الأنا و الآخر ، و الدليل على ذلك استخدام توملينسون لحدث وفاة الأميرة ديانا بوصفه حدثا عالميا احتمل قصصا تأويلية عديدة بين البشر ذوي الرؤى ، و الثقافات المختلفة .
إن هذا الحدث الذي ارتكز عليه الكاتب مازال يفتح حوارا حول الحب ، و الموت ، و الغرائز ، و الإبداع التأويلي دون نهاية ، و الأهم أن الحدث تشكل أولا بصورة عالمية ثم إعيد إنتاجه في اتجاه الاختلاف الإبداعي .
و أخلص من هذه الدراسة عن العولمة ، و الاختلاف إلى أربعة نقاط :
الأولى : ثمة عمليات تأجيل ، و إكمال ، و إعادة إنتاج مستمرة لعلاقة الأنا بالآخر في الأبحاث العالمية الجديدة ، فضلا عن حضور المختلف بدرجات كثيرة متنوعة ، و تجمع في تصورها بين الماضي ، و المستقبل ، و الاجتماعي ، و الإبداعي .
الثانية : لدينا دوال مصرية ، و عربية أصيلة تماثل في حضورها العالمي موسيقى بيتهوفن ، و فيردي ، و شتراوس ، و روايات جراس ، و ماركيز ، و مسرح العبث ، و غيرها ؛ مثل إيزيس التي انتقلت إلى روما في العالم القديم ، و يعاد استخدامها في النصوص الجديدة ، و تناول نجيب محفوظ الإبداعي / الإنساني لزقاق المدق ، و أشياء البحيرة الفريدة عند محمد البساطي ، و خصوصية مفضي المبدعة في مدن الملح عند منيف ، و تصوير شادي عبد السلام للمومياء و غيرها ، و لا يمكن اختزال هذه الدوال ضمن حدود مغلقة ؛ إذ يكمن فيها الكوني / الآخر بشكل أساسي .
الثالثة : يشتبك نطاق الفكر العالمي المعاصر بمجالات فكرية ، و ثقافية ، و فنية عديدة ، مثل الحداثة ، و ما بعد الحداثة ، و ما بعدها ، و الدراسات الاجتماعية ، و الحضارية ، و التاريخية ، و الفنية ، و غيرها دون مركز واضح .
الرابعة : مازالت الدراسات العالمية تكتشف الدوال المحلية ، و تعيد إبداعها في إطار إنساني يجدد الوعي بالأنا .
• هوامش /
1- Read : Anthony Giddens / Runaway World /Taylor , Francis 2003 p.xxiv
2 – Read : Ihab Hassan / Globalism and Its Discontents on :
http://www.ihabhassan.com/globalism_its_discontents.htm
3- راجع / د طه حسين / الأيام ج1 / هيئة الكتاب المصرية 1994 ص 137 .
محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نجمة برامج التوك شو المذيعة المصرية -ريهام إبراهيم- ضيفة مرا


.. ريتا أغنى فاشينيستا عربية على انستجرام ?? انصدمت


.. التصعيد الإسرائيلي الفلسطيني: تواصل الضربات واستمرار التحركا




.. كيف أثرت السيارات على تصميم المدن؟ هكذا قد يكون المستقبل بسي


.. البيت الأبيض: منخرطون في دبلوماسية هادئة من أجل خفض التصعيد