الحوار المتمدن - موبايل


الدين الكوني

عدنان عاكف

2009 / 5 / 24
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الدين الكوني
البرت آينشتاين
ترجمة : عدنان عاكف

نشرت المقالة في مجلة نيويورك تايمس في 9/11/1930

كل ما أنجزه وأبدعه الناس مرتبط بإشباع الحاجات وتسكين الآلام. وعلى كل من يسعى لفهم الحركات الدينية وتطورها أن يأخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار. فالمشاعر والرغبات تكمن في أساس جميع طموحات البشر وانجازاتهم، مهما بدت سامية وبعيدة.
ما هي الأحاسيس والضرورات الحياتية التي قادت الناس الى الأفكار الدينية والإيمان، بالمعنى الواسع لهذه الكلمة ؟ قليل من التأمل في هذا الأمر سيبين لنا ان في مهد الأفكار والانفعالات الدينية تكمن مختلف المشاعر والأحاسيس. كان الخوف يشكل المصدر الأساسي للتصورات الدينية عند الشعوب البدائية – الخوف من الجوع، الخوف من الحيوانات المفترسة، والخوف من المرض والموت. وبما ان إدراك العلاقات السببية في هذه المرحلة كان في مستو متدن جدا فان عقل الإنسان إبتدع كائنات مشابهة له بدرجة ما، وأحال اليها والى إرادتها ومشيئتها مختلف الظواهر المخيفة.. ولذا يسعى الإنسان بأي وسيلة لنيل رضا هذه الكائنات. ولهذا بدأ بممارسة بعض الطقوس وتقديم القرابين. وأصبحت هذه الطقوس والقرابين من التقاليد والممارسات التي يتوارثها الناس جيل بعد جيل، من أجل كسب رضاها في الحياة وعطفها بعد الممات. وفق هذا المفهوم سيكون حديثي عن دين الخوف ؛ ان رسوخ هذا الدين ، وليس نشأته ، قد ساعد على تكوين نخبة مميزة من الكهنة، التي أخذت على عاتقها دور الوسيط بين الناس وتلك الكائنات التي يخافون منها. وعلى هذا الأساس بدأ هؤلاء ببسط هيمنتهم. وغالبا ما تسعى الطبقة القائدة أو الحاكمة، التي احتلت مواقعها بفضل عوامل أخرى،( وفي حالات كثيرة يقوم الحاكم والطبقة المميزة ) الى الجمع بين السلطة الدنيوية والمهمة الكهنوتية، أو ان النخبة السياسية الحاكمة تتحد مع نخبة الكهنة من أجل تحقيق المصالح المشتركة.
تعتبر الدوافع الاجتماعية من المصادر الأخرى لنشوء الدين. الأب، الأم، القادة، كلهم من البشر وغير معصومين من الخطأ. والسعي من أجل المحبة والهداية والتضامن تحث الناس على بلورة المفاهيم الروحية والاجتماعية عن الرب. والعناية الإلهية هي التي تصون الإنسان، تقرر مصيره، تحاسبه وتكافؤه. والإله، حسب تصورات الناس، يحافظ على حياة القبيلة والبشر بشكل عام، و على الحياة بأوسع مفهوم لها، ويواسي عند المحن والمصائب، وهو الذي يحمي أرواح الموتى. هذا هو المفهوم الأخلاقي للدين.
يمكن متابعة تحول دين الخوف الى الدين الأخلاقي في الكتاب المقدس عند اليهود. ويمكن متابعة هذا التطور في العهد الجديد أيضا. الأديان لدى جميع الشعوب، وعلى الأخص لدى شعوب الشرق، في أصلها ديانات أخلاقية؛ وشكل الانتقال من دين الخوف الى دين الأخلاق خطوة مهمة جدا في حياة الشعوب. وينبغي الحذر من التصور الخاطئ بأن ديانات الشعوب البدائية كانت من ديانة الخوف كليا، وديانات الشعوب المتحضرة من الديانات الأخلاقية البحتة. الحقيقة هي ان جميع الأديان عبارة عن مزيج متباين من النوعين، مع اختلاف في النسب والمقادير، والدين الذي تزداد فيه نسبة العناصر الأخلاقية يمثل مستوى أرقى في الحياة الاجتماعية.
ما يميز جميع هذه الأنواع هو الطابع الأنثروبومورفي لمفهوم الإله. بعض الشخصيات الموهوبة بشكل استثنائي أو بعض المجموعات النبيلة بشكل خاص يمكن أن ترتفع جوهريا فوق هذا المستوى. وبين هؤلاء يمكن العثور على المستوى الثالث من الممارسة الدينية، بالرغم من انها من النادر ان تتواجد في شكلها الصرف. وأستطيع ان أطلق على هذا المستوى المشاعر الدينية الكونية. من الصعب جدا علي أن أوضح في أي شيء تتجلى هذه المشاعر، لمن لم يعيشها ويجربها. إضافة الى ان المفهوم الأنثروبومورفي للإله غير موجود في هذا المستوى ؛ يشعر الفرد بتفاهة تطلعات الإنسان أمام سمو وعظمة النظام الذي يتجلى في عالم الطبيعة وعالم الفكر....... يمكن العثور على أصول الشعور الديني الكوني حتى في المستويات المبكرة من التطور، كما هو الحال في مزامير داود وكتب بعض الأنبياء. وتتجلى المشاعر الدينية الكونية بشكل أقوى في البوذية، كما تعلمنا أعمال شوبينهاور.
جميع العباقرة المتدينين ومن جميع العصور قد اتصفوا بمثل هذا الشعور الديني الكوني، الذي يخلو من الدوغما أو من الإله الذي صُورَ على شاكلة الإنسان. لهذا لم توجد أية كنيسة قامت تعاليمها على أساس من الشعور الديني الكوني. ومن هنا أيضا نستطيع ان نعرف لماذا كان بين الهراطقة، بالذات، وفي جميع العصور، من كان يصاب بدرجة عالية بهذا الشعور؛ وقد كان هؤلاء بنظر معاصريهم، يبدون كملحدين ، وأحيانا قديسين.. ومن وجهة النظر هذه نجد ان هناك الكثير مما هو مشترك عند ديمقراطيس، وفرانسيس أكسيزيس وسبينوزا.
كيف يمكن للشعور الديني الكوني أن ينتقل من شخص الى آخر، ان كان لا يقود الى أي مفهوم متكامل عن الإله، ولا الى أي لاهوت كان ؟ يبدو لي ان أهم وظيفة للعلم والفن تكمن بالذات في إثارة مثل هذا الإحساس والحفاظ عليه متقدا، لدى الناس الذين يمكن أن يتحسسوه.
هكذا وصلنا الى مناقشة علاقة العلم بالدين، من وجهة نظر مخالفة كليا لوجهة النظر الاعتيادية. يميل المرء من خلال دراسته التاريخ الى اعتبار العلم والدين خصمين متناقضين، بشكل لا يمكن الجمع بينهما، وذلك لسبب من السهل ملاحظته. ان فكرة وجود الكائن الذي يتدخل في مسار الأحداث في العالم تصبح أمرا مستحيلا لمن تشبع بمفهوم قانون السببية في كل ما يحدث، من تقبل السببية بجدية حقيقية. إنسان كهذا ليس بحاجة الى دين الخوف ولا الى الدين الأخلاقي. والرب الذي يعاقب ويكافئ ، يصبح لا معنى له، لسبب بسيط هو ان الإنسان يتصرف وفق الضرورة الداخلية والخارجية، ولذا سوف لن يكون، بنظر الرب ، مسؤولا إلا قليلا ، كمسؤولية الجوامد عن تحركها من موقعها. على هذا الأساس غالبا ما يتهم العلم بانه قد قوض الأخلاق بشكل غير مباشر ، وهي فكرة خاطئة بالتأكيد. من الأفضل بكثير لو ان السلوك الأخلاقي للإنسان يقوم على أساس من التعاطف والتربية والعلاقات الاجتماعية، ولا يتطلب أي مساندة دينية. سيكون أمر بغيض لو انه لم يكن من وسيلة لإجبار الناس على المحافظة على النظام إلا باستخدام قوة الخوف من العقاب والأمل بالثواب على عمل الخير بعد الممات.
ليس من الصعب ان نفهم السبب الذي دفع بالكنيسة دائما الى معاداة العلم ومحاربة أتباعه. ولكن من الجانب الآخر، أجزم بان الشعور الديني الكوني هو العامل المحرك الأقوى والأنبل الذي يقف خلف عملية البحث العلمي. لا أحد يستطيع ان يدرك قوة الشعور، القادر بحد ذاته على بعث الحياة بعمل ما، بعيد كل البعد عن الحياة العملية اليومية، إلا أولئك الذين يستطيعون بالفعل، تقدير عظمة الجهود الهائلة ونكران الذات، والتي بدونها ما كان يمكن أن يظهر للوجود أي عمل علمي قادر على فتح طرق جديدة. علينا ان نتخيل أي إيمان عميق في عقلانية بنية العالم، وأي شغف لمعرفة حتى الومضات الطفيفة للعقل المتجلي في هذا العالم، اللذان تملكا كل من كبلر ونيوتن، ما داما قد سمحا لهما بانفاق سنوات عديدة من الجهد المضني في سبيل الكشف عن ألغاز المبادئ الأساسية للميكانيكا السماوية. كل من لا يعرف البحث العلمي إلا من خلال تطبيقاته العملية يمكن بكل سهولة أن يتوصل الى تفسير خاطئ عن الحالة الروحية لأولئك الرجال الذين، استطاعوا بالرغم من الوسط الارتيابي الذي عاشوا فيه، أن يرشدوا أشقاءهم المبعثرين في جميع القارات وفي مختلف العصور الى الطريق. فقط من كرس نفسه من أجل مثل هذه الأهداف يستطيع ان يفهم ما الذي يلهم مثل هؤلاء الناس ويمنحهم القوة للحفاظ على الإيمان بالهدف الذي وضعوه أمامهم، بالرغم من ألإخفاقات المتكررة . لا شك ان أناس بمثل هذا الطبع يستمدون العزيمة من الشعور الديني الكوني. لقد كان أحد معاصرينا على حق حين قال : فقط رجال البحث العلمي الحقيقيون، في عصرنا المادي هذا، هم المتدينون بعمق !!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تبقى خطوة
مختار ( 2009 / 5 / 23 - 21:05 )
هذه المرة ترجمت، يا سيد عدنان، مقالا في غاية الأهمية. وأنا شخصيا كنت ثاني المصوتين. من سبقني كان غاضبا وأعطاه العلامة الدنيا أما انا فقد أعطيته العلامة القصوى بسبب إعحابي الشديد به.
مع ذلك فإن بين مرتبة الإلحاد وهذا النوع من الإيمان خطوة واحدة فقط قصيرة.
والقارئ المنتبه بين سطور المقال لا يخفى عنه ميل أنشتاين لرفض كل المعتقدات القديمة. أقول خطوة واحدة فقط لأن الإنسان الذي استطاع أن يعطي تفسيرات معقولة لكل ما كان يخيفه ويزعجه ويدفعه للبحث عن قوى غيبية تقف وراء تلك المجاهيل، هذا الإنسان أصبح اليوم ليس في حاجة إلى إله. بل ليس في حاجة إلى هذا النوع من الإيماني الأنشتايني الذي وجود كعدمه.
شكرا


2 - للحديثِ صلة بما سبق
نادرعلاوي ( 2009 / 5 / 23 - 23:27 )
الدكتور عدنان عاكف المحترم
قرأتُ مقالكَ بنهم وشغف كبيرين ، ومن جملة ما استخلصتُ من محتواه وفحواه ان الهدف الأساسي لأيّ دين هو تنظيم العلاقات المتشعبة لبني البشر ، بأطرها الشاملة ، الأخلاقية والروحية ، والحقوقية والأجتماعية
أما العلم فأنهُ الحقل الذي يبحث عن رموز الحقيقة ، مُعتمدآ طريقة البحث والأستقصاء سندآ ومعينآ للتوصل الى الهدف المادي المُتمثل بجوهر الحقيقة
اذن فأن الدين والعلم حقلان مُكملان بعضهما للآخر ، ماداما
لا يَمُسان النسق المترابط للمجتمع
قد بدى لي ان رسالة آينشتاين تتمثل بأنَّ الشعور الديني الكوني هو العامل المحرك الأقوى والأنبل الذي يقف خلفَ عملية البحث
العلمي ، وهذا ما وردَ في صلبِ مقالكم المترجم
انَّ أشد ما حفزني للغوص في مطالعة المقال هو موضوع البحث الذي لهُ صلة بأعتقادي بمقالكم السابق : ـ العلم والدين :هل هما
متناقضان ـ والمنشور بتأريخ 20 / 5 ـ موقع الحوار المتمدن
أخيرآ ـ كل الشكر والعرفان للجهد الرائع وللعطاء الجزيل الذي يستحق الثناء ....معَ فائق التقدير والأعتزاز
نادر علاوي


3 - الكنيسة بحد ذاتها لم تعارض العلم
sary ( 2009 / 5 / 24 - 11:07 )
تتحدث عن الكنيسة وكانها منغصة للعلم استاذ عدنان وتجهد لكي تبرهن على ذلك،ان المعاداة للعلم كانت من قيادات الكنيسة الفاسدة والفكر الظلامي الذي كان سائدا في اوروبا في العصور الغابرة،ولكن الكنيسة كروح لم تعارض ابدا العلم، ان حالة معادات قيادات الكنيسة في الماضي للعلم قد ولت وتيقظت الكنيسة للخطر الذي احدثه ابنائها فيها ان وضع اليوم الكنيسة مع العلم في اوجه


4 - زيد ليس له اى علاقه بعبيد
Zagal ( 2009 / 5 / 24 - 12:12 )
اخى الحبيب عدنان

لا افهم ماهى العلاقه بين الدين و العلم !!!

الاول يبحث فى الامور الروحيه و مابعد الموت
اما الثانى فهو يبحث فى الطبيعه و الامور الدنياويه التى تهتم بالجسد و المعيشه الارضيه ..

ربما كان فى الكنيسه بالامس فى ايام العصور الوسطى للمسيحيه عندما ارتبط الدين بالسياسه و العلم ... وذلك مايحدث للاسلام اليوم.

ولكن اليوم ليس الكنيسه اى تعديل او تدخل فى العلم ... لمن يفهم رسالة الكتاب المقدس ...

فالكتاب المقدس يستخدم العلم لخدمته و لكنه لايقف حاجزا لتقدمه.

شكــرا Zagal


5 - اختلافات جوهرية نعم؛ ولكن ليست تناقضات حتمية
عدنان عاكف ( 2009 / 5 / 24 - 14:32 )
الأخوة الأعزاء
لا علاقة لعدنان عاكف بكل ما طرح من أفكار ومواقف من الدين. انا لست سوى مترجم لمجموعة من المقالات التي كتبها عالم يعتبر من أشهر علماء الفيزياء في القرن العشرين. مقالتي الوحيدة بين هذه المقالات ( عددها 6 ) هي التي كانت بعنوان - آينشتاين بين العلم والدين - في 7/5/2005.
الأستاذ مختار! ملاحظتك في مكانها وذكية جدا، بشأن الخطوة الوحيدة القصيرة الفاصلة بين ايمان آينشتاين والدين. ولكن لاحظ اني استخدمت كلمة - الفاصلة - بدل كلمة - المتبقية - التي استخدمتها انت في تعقيبك. أنت تتصور ان آينشتاين كان يتوجه من الايمان نحو الالحاد ولم تتبقى سوى تلك الخطوة. لو وضعنا إيمان آينشتاين في السياق التاريخي لتطور موقف العلماء الكبار في أوربا من الدين لوجدنا ان تلك الخطوة هي التي تراجع بها آينشتاين عن موقف الالحاد الذي ساد في الوسط العلمي خلال القرون الثلاثة الماضية وحتى مطلع القرن العشرين. آينشتاين أكثر إيمانا من دارون وفرويد وبرنال رسل
على أية حال هذا موضوع آخر وحبذا لو يتقدم من هو قادر على تنويرنا به من المتخصصين في هذا الموضوع
وبالرغم من أهمية معرفتنا بموقف عالم كبير مثل آينشتاين من الدين، خاصة في مرحلة يشتد فيها الصراع بين الموقف العلماني والمواقف الدينية المتطرفة، غير ان الذي

اخر الافلام

.. قناة الانسان


.. الإمام الطيب الأمة الإسلامية مسؤولة عن قيادة الإنسانية وتصحي


.. الإسلام دين سلام وتعاون وتسامح ورحمة متبادلة بين الناس ??




.. القباب المتحركة، معلم من الجمال يعلو المسجد النبوي الشريف


.. الرئيسة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية: -تنظيم الدولة الإ