الحوار المتمدن - موبايل


من أجل حوار متمدن

عدنان عاكف

2009 / 6 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


استأثرت موضوعة الحوار باهتمام متزايد خلال الفترة الأخيرة من قبل العديد من كتاب موقع الحوار المتمدن. ولو استعرضنا ما نشر حول الموضوع سوف تستوقفنا حالة غريبة: من ناحية هناك شبه اتفاق ( من الناحية النظرية ) على ضرورة توفر شروط محددة لقيام حوار متمدن بين الأطراف المختلفة: لكننا نجد من الناحية الأخرى ( من الناحية العملية ) افتقارنا الواضح الى روحية وثقافة الحوار الذي ننشده، لأسباب تربوية وسياسية وتاريخية. ويترتب على ذلك حالة من التناقض بين ما ندعو اليه وبين ما نمارسه بالفعل. لا أدعي الكمال ولا أستثني نفسي من هذه الحالة. وقد سبق ان نوهت في مقالة سابقة ( الحوار المتمدن، العدد 2646 ) الى اننا جميعا وبدون استثناء مطالبين بالتخلي " عن العصبية والمواقف المسبقة والتحلي بأعلى درجات الموضوعية. كلنا وبدون استثناء مصابون بهذه الدرجة أو تلك بداء " المواقف العصبوية المسبقة "، ويكفي إطلالة سريعة على ما ينشر من نقاشات سياسية وفكرية وثقافية كي يدرك المرء الى أي مدى انتشر هذا الداء بين المثقفين، نتيجة لعوامل كثيرة، يأتي في مقدمتها التربية الخاطئة التي نشأنا عليها وغياب الديمقراطية وحرية الرأي وسيادة الفكر الواحد والاستقطابات السياسية الحادة التي جعلت كل فريق يتمترس في خندقه دون أي محاولة لمد جسور الحوار والتواصل مع المتمترسين في الخندق الآخر"..
وبما اني لا أستطيع ان أعد القارئ بتقديم نقد ذاتي موضوعي لكل عيوبي المتعلقة بالنقد والموقف منه ، كما يستطيع غيري القيام به، فسوف أترك مهمة نقدي لهذا الغير، وسوف أتوقف في هذه المقالة مع بعض الأمثلة الملموسة عن طبيعة الحوار الدائر من خلال مواقف ، عبر عنها بعض الأخوة من الذين كانت لهم حوارات معي في الفترة الأخيرة.
ولا بد أيضا من الإشارة الى نقطة مهمة، وهي اني لا أتحدث عن الحوار بشكل عام على الساحة العربية بل يقتصر حديثي على الحوار الذي يدور على موقع " الحوار المتمدن ". وسوف يقتصر الحديث أيضا حول الجدل الذي دار ولا يزال يدور بشأن المواضيع التراثية التي نشرت على موقع الحوار.
الملاحظتان السابقتان ستقودنا الى الملاحظة المهمة الثالة التي لا يمكن إغفالها، وهي : ليس بين من كتب عن المواضيع المتعلقة بالتراث من ينتمي الى ما يعرف بالتيار الإسلامي، حتى بمفهومه العام. جميع المتحاورين - حسب ظني - تجمعهم خيمة كبيرة واحدة يمكن ان نطلق عليها الخيمة العلمانية، مع اختلافات قد تكون جوهرية، ومهمة جدا في الكثير من المواقف .
" قناعتي أن الحوار المتمدن لا يعني أن على المتحاورين مهما اختلفوا أن يتراشقوا بالورود، فهذا لا اعتقد أنه يخدم أهداف الحوار كما أراها أنا والتي تتمثل في التواصل المثمر بين المثقفين، توجيه النقد بلا حدود لما نراه مجانبا للحقيقة (رغم أن الحقيقة نسبية) ضمن حدود اللياقة والاحترام المتبادل، حسن السماع لبعضنا مع الابتعاد ما أمكن عن أخلاق التملق والمداهنة والعصبوية والنفاق بين المتحاورين .
علينا أن نمارس النقد بقوة بحثا عن الحقيقة التي هي عادة ما تكون جارحة، علينا أن نفرق بين الخصوم والأعداء ...".
هذه الفقرة منقولة من تعليق مهم ( سوف أعود اليه لاحقا ) للسيد مختار على مقالتي" حول الموقف من كروية الأرض " – الحوار المتمدن؛ 2660 - . وقد دونتها في ملف خاص اعتدت ان احتفظ به بالمقولات الجميلة شكلا ومضمونا. سأعتمد ما ورد في هذه الفقرة في نقد بعض المواقف التي برزت من خلال تعليقات بعض الأخوة ، وسأحاول ان أخذ بنصيحة الكاتب وأبتعد عن التراشق بالورود...
في المقالة المشار اليها تطرقتُ الى بعض النقاط التي تناولها الكاتب محمد حسن جديد في مقالته " الأخطاء العلمية في القرآن " – الحوار المتمدن؛ العدد -2560، وأشرت فيها :
" حري بكاتب يتصدى للكتابة حول هذا الموضوع ( شكل الأرض ) ان يعرف ان العرب كانوا أول من قام بقياس محيط الأرض بطريقة عملية، وذلك بناء على أوامر الخليفة العباسي المأمون. وقد عاود الكرة العالم الإسلامي الكبير البيروني. اذا كان الكاتب يجهل هذه الحقيقة فهي مصيبة ، واذا كان يعرفها، فكيف سوغ له عقله ان يقوم المسلمون بقياس محيط الأرض الكروية، في حين انهم كانوا يعتبرونها مسطحة ؟؟ "
لم يعجب البعض ما ورد في هذه الفقرة من معلومات عن انجازات بعثة المأمون وقياسات البيروني، إذ يبدو ان هناك من يعاني من حساسية شديدة تجاه كل ما يشير الى دور العرب والمسلمين في تطور العلم والحضارة. وبينتُ ان ما ورد في تعليقين الأول للسيد صلاح يوسف والثاني للسيد إسماعيل الجبوري، كانت معلومات لا يجمعها جامع مع أي شيء اسمه" الحوار " بل مجرد محاولات للنيل من العرب والمسلمين.. وبوسع القارئ العودة الى ذلك المقال. سأواصل الحوار مع بعض السادة الذين رفضوا المعلومات التاريخية المشار اليها أعلاه وسخروا منها ومن العرب ومني ككاتب للمقالة. وكان من بين هؤلاء السيد فادي يوسف الجبلي، الذي عقب بالتعليق التالي :
" معلومة جميلة جدا أوردها السيد الكاتب في مقالته وهي ان العرب في زمن المأمون هم أول من قاموا بقياس محيط الأرض بطريقة علمية (لاحظ علمية!) ..طيب وما دام هذا القياس قد تم بطريقة علمية فأنه يفترض ان يكون هذا القياس قد تم بطريقتين اثنتين أولهما ان العلماء قد قاموا بقياس محيط الأرض بطريقة علمية بالاعتماد على الإحداثيات التي يتلقونها في مرصد الأنواء الجوية في دار السلام بغداد من الأقمار الصناعية التي قام المأمون بنصبها في الفضاء وأما الطريقة الثانية التي تم فيها قياس محيط الأرض في زمن المأمون فيفترض ان تكون قد جرت بواسطة صحن فضائي يقوده علماء الخليفة المأمون بعد ترديد أنشودة (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنيين)ومن ثم الطواف حول الأرض وقياس محيطه...باعتقادي ان هاتين الطريقتين هما الوحيدتين في قياس محيط الأرض في زمن المأمون مع الإشارة الى ان الاحتمال الثاني سيؤسس مشكلة فنية وهي ان الصحن الطائر كان يفترض به ان يمر فوق امريكا فما الذي حدا بعلماء المأمون الى عدم تسجيل براءة اكتشاف أمريكا باسمهم ...أتمنى ان أجد الجواب من السيد كاتب المقال ودمت لنا سيدي الكاتب الكريم ودامت لنا عقولنا ".
تعمدت نقل هذه الفقرة بكاملها ليحكم القارئ ان كانت كلمة " حوار " تصلح لوصف ما ورد فيها، وبغض النظر عن كونه حوار موضوعي أو أي نوع آخر؟
من الواضح ان السيد فادي لا يعرف بالضبط ماهية الموضوع الذي يتحدث عنه، وانه جاهل بامتياز بانجازات العرب في الجغرافيا وعلم الفلك. ليس في ما ذكرته أي وجهة نظر ما أو موقف فكري يمكن أن يدور حوله أي حوار. لقد نقلت معلومة تاريخية يمكن للمرء ان يعثر عليها في مئات الكتب والمقالات والأبحاث العلمية التي بدأت بالظهور منذ أكثر من قرن ونصف. ومع ذلك أنا لا أدعي ان هذه المعلومات المثبتة علميا لا تحتمل الجدل والنقاش. ولكن الحوار الذي يمكن ان يدور حولها، حسب رأيي المتواضع، ينحصر في : ليس حقيقة ان هذه الانجازات قد تمت بالفعل أم لا، بل ان يدور حول أهميتها وجدواها ودقة نتائجها، وان كان لها دور في تطور علم الفلك والمعرفة الإنسانية. الواضح من السيناريو الهزيل الذي قدمه لنا الكاتب انه يكذب المعلومات التي نقلتها، وهذا شأنه، وكان بوسعه أن يقول ذلك بصراحة وبدون هذا الكلام العبثي الذي لا معنى له. لكن نكرانه لهذه الحقيقة لا يلغيها، بل يثبت جهله لها.
ربما ان صاحب التعليق لا يتخيل إمكانية قياس محيط الأرض بدون قمر صناعي. في هذه الحالة يكون صاحبنا محدود العلم وكسول الخيال !! فان كان الأمر كذلك فهو متخلف بنحو عشرة قرون عن الخليفة المأمون وتلك النخبة الشجاعة من الفلكيين والمساحين العرب والمسلمين الذين أنجزوا أول قياس عملي لمحيط الأرض.
كرر السيد فادي كلمة " علمية " ثلاث مرات. لا توجد طريقة علمية وطريقة غير علمية لقياس محيط الأرض. ولو عاد القارئ الى الفقرة التي نقلتها سيجد اني تحدثت عن أول طريقة " عملية " وليس " علمية ". كل ما قصدته بكلمة " عملية " - وهي علمية أيضا بالتأكيد- هو انها المرة الأولى التي يتم فيها قياس محيط الأرض بشكل عملي ومباشر، بالاعتماد على القياسات الهندسة والأرصاد الفلكية.. وقد وصف المستشرق المعروف كارلو نللينو أعمال تلك البعثة بالكلمات التالية : " أما قياس العرب فهو أول قياس حقيقي أجرى كله مباشرة مع كل ما اقتضته تلك المساحة من المدة الطويلة والصعوبة والمشقة. واشتراك جماعة من الفلكيين والمساحين في العمل، فلا بد لنا من عداد ذلك القياس من أعمال العرب العلمية المجيدة المأثورة "!!!
بما ان السيد فادي لم يقدم لنا أية معلومات تفند ما ذهبنا اليه، غير السخرية ، فليسمح لنا ان نقدم هذه الفقرة، التي قد تنفعه وتنفع غيره من زملاءه الذين أخذوا على عاتقهم مهمة هدفها النيل من جهود العلماء العرب والمسلمين، حتى وان كان ذلك من خلال تشويه تاريخ العلم :
" نحو عام 830 أمر الخليفة المأمون بتشكيل بعثة من الفلكيين للقيام بقياس المسافة بين مدينتي تدمر والرقة ( سوريا ). وقد توصلت البعثة الى ان المسافة بين المدينتين بمقدار 66 وثلثي ميل عربي، وتفصل بينهما درجة طول واحدة. وقد كانت النتيجة التي توصلوا اليها هي ان محيط الأرض يساوي 24000 ميل ( 38600 كم. ). وهذه النتيجة تختلف عن القياسات الحديثة بنحو 3،6%. أما القياسات الثانية التي قدمها علماء الفلك للمأمون فقد توصلت الى ان محيط الأرض يساوي 40248 كم، بينما القياس الحديث هو 40068 كم.
وقام البيروني ( 973 – 1043 ) بحل معادلة جيوديسية ( ) معقدة من أجل التوصل الى قياسات دقيقة لمحيط الأرض، وقد كانت قياساته بالفعل قريبة جدا من القياسات الحديثة. وقد ابتدع البيروني طريقة جديدة مستخدما قياسات المثلثات واستطاع ان يعتمد طريقة لقياس المحيط بحيث يمكن أن يجريها شخص واحد ومن موقع واحد على سطح الأرض. وتوصل البيروني الى ان نصف قطر الكرة اأرضية يساوي 6339.6 كم ، وهو رقم لم يتم التوصل اليه في الغرب إلا خلال القرن السادس عشر....".
ما ورد في هذه الفقرة هو الشيء نفسه الذي ذكرته من قبل، ولكن بتفاصيل أكثر، وهي مترجمة بتصرف من موقع ويكيبيديا باللغة الانجليزية. ولا أظن ان السيد فادي يشك في ان القائمين على هذا الموقع من أتباع أسامة بن لادن أو زغلول النجار، ولا أظنه يشكك بموضوعيتهم. أما الإحداثيات التي يشير اليها الكاتب باستخفاف فانها لم تحدد بواسطة الأقمار الصناعية التي أطلقها المأمون في الفضاء، بل قام علماء الفلك بتحديدها من خلال قياساتهم الفلكية. وتشير معلومة الويكيبيديا، التي نقلنا عنها الفقرة السابقة الى ان " القانون المسعودي " - وهو كتاب مشهور للبيروني ، وليس آلة القانون الموسيقية كما يضنها السيد فادي – يحتوي على إحداثيات أكثر من 600 موقع جغرافي ، معظمها حددت من قبل البيروني شخصيا!!!.
من تعليق السيد مصري وبس :
أستاذ عاكف لم تجب عن السؤال. أيضا سيادتك خلطت أشد الخلط كما عادة كثيرين بين العلماء العرب الذين ليس منهم أحدا نعلمه أبدا, وباقى العلماء من الحضارات المختلفة الذين إستسلموا أى صاروا مسلمين بالعافية هم أو أجدادهم؟ هل سمعت عن ديانة أرشميدس أو هل سمعت أحدا يقول آينشتين العالم اليهودى؟ أبدا هل سمعت عن حضارة أبدا نسبت لدين قومها ما عدا الإسلامية فى محاولة رخيصة من العرب للتمسح فى رابطة تصلهم ببعض العلماء؟ هل الخوارزمى وإبن حزم وابن سينا وجابر بن حيان علماء عرب؟ هل سيبويه عربى يا أستاذ عاكف؟ هم من الذين أو أبناء من تأسلموا أو إستسلموا إن شئت الدقة, ولكن كعادة الأعراب فى السلب والنهب والسطو والفخر والفشخرة نسبوا هؤلاء العلماء للإسلام لكى يربطوا نفسهم بهم. وتقبل التحية ".
شكرا على التحية وأبادلك بأحسن منها، ولولا اني وعدت السيد مختار بالابتعاد عن رش الورود على من يحاورني لغرقتك بالورود والياسمين والرياحين... ان كلمة " الإسلامي " هنا لا تحمل أي معنى ديني بالمفهوم العادي للكلمة، بل أضيفت بجوار كلمة " العربي " لأغراض توصيفية دراسية بحتة. والمصطلح المذكور قد طرح من قبل المستشرقين الغربيين المتمدنين والمتحضرين ( وليس للأعراب من أهل السلب والنهب للتأكيد على ان تلك الحضارة وان كتبت باللغة العربية قد ساهم بها علماء كثيرون من أقوام أخرى. لذلك جاء المصطلح بتركيبته العربية الإسلامية ليشير ( العربي ) الى مساهمة العرب من غير المسلمين و ( الإسلامي ) الى مشاركة المسلمين من غير العرب. وجدير بالذكر ان الكثير من المستشرقين الأوربيين والمتخصصين بتاريخ العلم يستخدمون مصطلح العلم العربي والعلماء العرب، دون الإشارة الى الإسلام. فأي المصطلحين تنصحني ان أستخدم لاحقا ؟ وأعدك باني سوف ألتزم بنصيحتك!!!
" تعلم قول لا أدري " :
يفترض اننا نتحاور على موقع الحوار المتمدن، ويفترض بهذا الحوار ان يدور بين مجموعة من البشر الذين يمتلكون الحد الأدنى من المعرفة بشأن المواضيع المطروحة للحوار، كي يبقى في إطار الحوار المتمدن، على أقل تقدير. عدم معرفتك يا سيد " مصري وبس " باسم أي عالم عربي هي مشكلتك أنت وليست مشكلة العلماء العرب، ولا يلغي جهلك بهم حقيقة وجودهم.. كان من المفروض قبل ان تساهم بهذا الحوار ان تقرأ القليل كي تعلم ما لا تعلمه. ولو كنتَ أكثر تواضعا واكتفيتَ بالاعتراف بكونك لا تعلم لعلمتك، لكنك كابرتَ ورحتَ تتطاول على العرب والمسلمين بدون مناسبة... مع كل هذا لدي لك نصيحة قد تنفعك في حياتك المقبلة. هناك حكمة عربية قديمة ، كان يرددها أهل " السلب والنهب والسطو والفخر والفشخرة " تقول : " تَعَلمْ قول لا أدري! فان قلتَ لا أدري عَلموك حتى تدري؛ وان قلتَ أدري سألوكَ حتى لا تدري .."!!!! ليس في ما ذكرته أي اكتشاف علمي ، بل هو موقف عنصري قديم لبعض المستشرقين، معجون بماء الحقد والتعصب الأعمى ضد العرب. وجدير بالذكر ان أول من فند هذه الفكرة ودحضها هم علماء أوربا الموضوعيين.
وعلى أية حال قد أكون عاجزا على أقناعك، لذلك أحيلك الى ما ورد في تعليق زميل لك عقب على نفس المقال وهو السيد محمد حسن الجديد، وهو كاتب المقال الذي ناقشته في مقالتي:
" لولا الإسلام لكان العرب أول من اكتشف دوران الأرض
كان المفكرون العرب يعتقدون ان القمر والشمس والنجوم تبعد عن الأرض مسافات مختلفة فظن محمد ان السماء هي طبقات
وان العرب عرفوا بأن شيء ما يدور واعتقدوا بأن السماء تدور وهذا منذ اكثر من إلف سنة
اقرأ هذا من تفسير القرطبي ".
حيرتني معاك يا سي محمد حسن ! أليس القرطبي هو نفس القرطبي الذي سخرت من تفسيره في مقالتك؟
بالرغم من اشتراككما بلغة واحدة تنضح غرورا وانتفاخا لا يستند الى شيء، لكنكما متناقضان في تقييم دور كل من العرب والمسلمين في الحضارة. تُرى نصدق من منكما؟ أم هي مجرد مسرحية لتوزيع الأدوار ؟ أعلم حق العلم بان أمر المسلمين من غير العرب لا يهمك قيد أنملة، بقدر ما يهمك النيل من العرب. وأعلم أكثر ان أمر العرب لا يهم السيد محمد الجديد بقدر ما يهمه النيل من الإسلام والمسلمين.
ومع كل هذا فاني أعبر عن شكري للكاتبين لما قدماه بنقدهما " الموضوعي " العلمي خدمة جليلة للسيدين طارق حجي ومختار ليثبتا لهما كيف ينبغي ان يكون الحوار المثمر والبناء، كما يفهمه بعض العلمانيين والليبراليين!!!
لماذا السيدين المذكورين ؟ كان السيد طارق حجي قد نشر مقالة قيمة بعنوان " نحن وثقافة الحوار المتمدن " تناول فيها الشروط التي ينبغي توفرها في أي حوار يراد له ان يكون مجديا. وقد عقبتُ على تلك المقالة بتعليق ورد فيه :
" ما من شك ان الكاتب يستحق الثناء على مقالة أقل ما يمكن ان يقال عنها انها مساهمة جادة في تأسيس قواعد سليمة لحوار موضوعي متمدن بين المتحاورين. وكي لا أغوص في متاهة التنظير بشأن الحوار بشكل عام فاني أخص بالذات الأخوة المتحاورين على صفحات - الحوار المتمدن -. ومن هنا بالذات أود ان أتوقف عند الفقرة التالية من المقالة :
- ولا شك أن شيوع قيم (قبول الآخر) و (احترام الاختلاف) و(التسامح الديني) هي من أهم العوامل المساعدة على تأصيل مُناخٍ ثقافيٍّ عامٍ يسمح بتدعيم وإستشراء ثقافة الحوار (الديالوج) العصرية والمتحضرة ...والعكس صحيح: فالثقافةُ الدينية التي تسمح بالتكفير والمناخ الثقافي العام الذي يرى الإختلاف وكأنه يعني (التميّز) في جانب و (الدونية) في جانبٍ آخرٍ هي من عناصر إنهيار فرص ثقافة الحوار البناء.." .يبدو لي ان هذه الفقرة اعتمدت على نظرة أحادية الجانب الى طبيعة الحوار الدائر عل موقع الحوار المتمدن، أو حتى في المجتمع ككل. كنت أتمنى لو ان الكاتب تناول بنفس الدرجة من النقد موقف المتحاور الآخر الذي يسعى الى النيل من العرب والمسلمين وبشكل واضح وصريح والسخرية من القرآن والنبي محمد، وقد سبق لي شخصيا ان حذرت من عواقب مثل هذا الموقف الخاطئ، والذي أقل ما يقال بصدده انه يقود الى مزيد من التطرف من الجانب الآخر. ".
السؤال الذي يطرح نفسه: هل ان اسلوب الحوار الذي يتبعه محمد حسن ومصري وبس وفادي، ومن قبلهم السيدين صلاح يوسف وإسماعيل الجبوري، وعدد غير قليل من الذين لا مجال لذكر أسماءهم، يساهم في " شيوع قيم (قبول الآخر) و (إحترام الإختلاف) و(التسامح الديني) ..."؟؟
ما علاقة الدين الإسلامي في كل ما تناولته في مقالتي؟ لم يكن للموضوع علاقة بالدين، بل خاص بالتراث العلمي، أي بتاريخ العلم. ردود فعل غاضبة ومتشنجة كلما دار الحديث عن منجزات العرب والمسلمين الحضارية والعلمية في العهد الوسيط. وما يثير الدهشة حقا انه ليس بين الكتاب الذين تناولوا مواضيع تراثية علمية من هو محسوب على التيار الإسلامي، بل جميعهم معروفين بمواقفهم التقدمية والعلمية... لماذا يقدم البعض على مثل هذه المواقف، التي تزيد من حدة الخلاف بين الأطراف المتباينة في مواقفها؟
قد نجد الجواب على هذا السؤال عند أحد المساهمين النشطين على موقع الحوار المتمدن، السيد مختار. في نفس التعليق الذي وردت فيه الفقرة التي أشرنا اليها، تطرق الى الخلفية التي يجري عليها الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين وبعض الملحدين. فهو يرى ان الجوهر في كل ما يجري هو الدافع السياسي ، ويحمل الإسلاميين المسئولية لكونهم من بدأ باستغلال الدين ... ويقول : " كان الهدف سياسيا في سبيل الوصول إلى السلطة عبر الإمعان في تخدير عامتهم حتى تنساق وراءهم كالأنعام ". أما الجانب الآخر فقد لجأ الى نفس الأسلوب ولكن بالاتجاه المعاكس : " من جهة أخرى فإن الذين يكشفون خلو القرآن من أي علم، بل ويكشفون افتقاره لأي منهج علمي أو تربوي أو سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي جدير بالإتباع يريدون من وراء ذلك نسف القاعدة التي ينطلق منها الإسلاميون لتخدير الناس وإبقائهم رهينة مخططاتهم السياسية كقوى رجعية ترفض التغيير والاستفادة من أفكار الحداثة وبناء مجتمعات علمانية ديمقراطية ترفع الناس إلى مستوى المواطنين وتتيح لهم إمكانيات المشاركة في حياة أوطانهم مهما اختلفوا طبقات وفئات وأعراق ومعتقدات ".
دعونا، في البداية، نبتعد عن محاولة خلط الأوراق، والتي لا تنسجم مع طبيعة الحوار الموضوعي الذي يدعونا اليه السيد مختار. ما علاقة ما تناولته في مقالتي بالإسلاميين المتطرفين منهم والمعتدلين؟ ان ما يقوله الكاتب اعتراف واضح وصريح بان ما ينشره الطرفان المتحاوران لا علاقة له بالعلم وتاريخه، بل هو مجرد إدعاءات وافتراءات يكيلها كل طرف للآخر. بمعنى ان الإسلاميين يقدمون على تشويه العلم والدين من خلال التركيز على الاعجاز العلمي، والعلمانيين يشوهون العلم والدين من خلال هجومهم على التراث من أجل أهداف سياسية بحتة! نحن نعلم ان السلفيين غير معنيين بالعلم ونشر المعرفة لذلك قد نجد لهم العذر في ما يقدمون عليه لاستغلال العلم والدين من أجل ترسيخ أقدامهم والاستيلاء على السلطة. ولكن كيف يسمح العلمانيون، الذين اشتق اسمهم من كلمة العلم، ان يقدموا على تزييفه وتشويهه؟؟ هل سنشهد في القريب العاجل فتوى " علمانية ليبرالية " تقضي بتحريم الحديث عن التراث العلمي، على غرار الفتاوي التي يقدمها الاسلاميون لتحريم هذا ومنع ذاك؟ ثم أليس ما يقدمه السيد مختار من تبريرات للعلمانيين هو اعتراف ضمني من انه ينظر الى الحوار بكونه " إستمرار (بدون أدوات العنف) للإقتتال " كما يقول طارق حجي في مقالته؟ بالمناسبة لقد اختار السيد مختار لتعليقه على مقالة السيد طارق حجي عنوانا صارخا ومغريا وهو " لا حوار بدون قبول الإختلاف ". ولكن ما ورد في تعليقه ورأيه القاطع في استحالة قيام حوار مع الإسلاميين يشير الى غير ذلك. وعلى كل من يدعو بحق الى حوار موضوعي مع من يخالفه الرأي ان يدرك ان تلك الحوارات اللاموضوعية لا تقود إلا الى مزيد من التطرف من الجانب الذي يحاوره. وان كان حقا يدعو الى حوار يقر بالاختلاف كما يقول، فليس أمامه إلا مراجعة النفس. ويبدو لي ان السيد قاسم حسين صالح كان على حق حين أكد في مقالته ليوم ( 3/6 ) :
" ان التطرف في الدين يزّين لصاحبه الزعم انه وحده على حق ، وينعت من يخالفه الرأي : بالكفر ، والمروق ، والزندقة ، والفسوق .. ، وان التطرف بالعلمانية يجعل صاحبه يزعم انه وحده على حق ، وينعت من يخالفه الرأي : بالرجعية ، والتخلف ، والانغلاق ، والدوغماتيه ، والإيمان بوهم . ومع تناقضهما العقائدي ، فان كليهما يزدريان الغير ، وكليهما عدوانيان حاقدان منتقمان ، يبيحان لنفسيهما حق إخضاع الآخر وإباحة سفك دمه ان رفض " .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - حوار هادئ ومحترم
مختار ( 2009 / 6 / 11 - 23:20 )
أحييك على هذا الحوار الهادئ.
لكني أختلف معك في نقطة هامة وهي أن توخي الموضوعية والحياد مسألة صعبة جدا من جهة ومن جهة أخرى يجب أن لا يكون هذا المسعى أو الحوار الذي نخوضه مجرد تسلية. نعم نجد متعة في ذلك، ولولاها لما استمر هذا التواصل لكن هناك رهان كبير في الساحة. فأنا عشت في بلد كان الإسلاميون الإرهابيون ومن والاهم لا يكتفون برفض خصومهم المخلتفين عنهم في الأفكار بل يرفضون وجودهم أصلا.
كان هؤلاء لا يمزحون وقد توصلوا إلى ذبح مثقفين وعلماء يستحيل على الجزائر تعويضهم بسهولة وتسببوا في نزيف حاد للأدمغة هربت بجلدها نحو الغرب وأنت أدرى مني بالتكلفة الباهظة والمسيرة الشاقة من أجل تكوين أستاذ جامعي أو إطار في الصناعة مثلا.. أغلب ضحايا الإسلاميين كانوا معارضين لهم بالكلمة فقط.
كيف وصل الأمر بهؤلاء القتلة ليفعلوا ما فعلوا. إنها عملية واسعة وطويلة لغسل الأمخاخ استغل فيه الدين لتبرير هذه الأفعال.
أمام هذه المحنة كان يجب أن نعيد التفكير في كل حساباتنا وأهم نتيجة اهتدينا إليها أنه لا يمكن التخلص من مخاطر الإسلام السياسي إلا إذا تحرر الناس وخاصة الشباب من هيمنتهم عن طريق توعية عقلانية كان الدين من أهم العقبات في وجهها. أنا أعتقد أن أخطاء قوى العلمانية عندنا يسارية ولبرالية هي تهاونها في تح


2 - الحقائق الغائبة
صلاح يوسف ( 2009 / 6 / 12 - 06:25 )
تقول:( السؤال الذي يطرح نفسه: هل ان اسلوب الحوار الذي يتبعه محمد حسن ومصري وبس وفادي، ومن قبلهم السيدين صلاح يوسف وإسماعيل الجبوري، وعدد غير قليل من الذين لا مجال لذكر أسماءهم، يساهم في - شيوع قيم (قبول الآخر) و (إحترام الإختلاف) و(التسامح الديني) ...-؟؟ )
------------------------
أولاً: الإسلاميون ومشروعهم الدموي ليسو ( آخر ) يمكن قبوله. إنهم عدوان على البشرية. ورأيهم لا يعتبر رأي آخر، ذلك بأنهم مقدسون ينطقون بكلام الله والرسول ومهمتهم هي محاربة الكفر والطغيان الإلحادي والعلماني وليس محاورته.
إن من قام بذبح الأطفال في الجزائر واغتصاب النساء في دارفور وتفخيخ الناس في شوارع العراق وإثارة الفوضى في الصومال وشيوع مفخخات المساجد في باكستان .. هؤلاء مجرمون حقيقيون مكانهم السجون أو قتلهم وتطهيرهم لتخليص العالم من شرورهم. محاروتهم في اعتقادي جريمة واعتبارهم رأي آخر جريمة وقبولهم جريمة أخرى.
----------------------
ثانياً: ثمة تزوير مفضوح لطبيعة الوعي الاجتماعي والعلمي لدى العرب والمسلمين في عصر المأمون. كانت دولة علمانية أعطت حق الرأي والتعبير وحرية الاعتقاد حتى للملاحدة. فأين الإسلاميون اليوم من ذلك العصر ؟؟؟؟؟
إن نسبة التطور العباسي إلى الإسلام هو جريمة جديدة، فالإسلام آ


3 - اسمح لي ان أهديك وردة
عدنان عاكف ( 2009 / 6 / 12 - 06:43 )
الأستاذ مختار
يبدو لي ان ما طَرحته في هذا التعليق هو الدليل بان الحوار اذي نخوضه ليس مجرد تسلية، إنما يعطي بعض ثماره التي نتمنى ان تتكاثر في المستقبل.
ليس لدي خلاف في ما ذكرته سوى عملية الخلط بين الدين وبين مواقف وأفكار أولائك الذين يذبحون الناس باسم الدين. ولا أظن ان بوسعي ان أضيف في هذا المجال أفضل من ما ورد في المقالة الرائعة للسيد مهدي النجار المنشورة اليوم على موقع الحوار المتمدن، والتي أشار فيها الى ان المهمة الملقات على عاتق العلمانيين هي - اعادة النظر بكل التراث الاسلامي وقراءته قراءة عقلانية جديدة بعيدة عن قراءات الغلو والانغلاق والتعصب والارهاب التي يقدمها الظلاميون على انها اصلح القراءات -. بمعنى ان المهمة تكمن في نزع التراث من بين أيدي الإسلاميين وتنقيته وفرزه، وليس الغاءه. ويبدو لي ان أي نجاح يمكن تحقيقه في هذا الاتجاه سيساهم بقوة في المعركة السياسية الدائرة بين قوى التقدم والتخلف. واذا كان لا بد من الإشارة الى أخطاء قوى العلمانية يسارية وليبرالية ( أتفق كليا مع الأخطاء التي ذكرتها )فيبدو لي علينا ان لا ننسى ان هذه القوى تركت قضايا التراث بيد القوى السلفية،


4 - لماذا الخلط والتزوير المتعمد ؟؟؟؟
صلاح يوسف ( 2009 / 6 / 12 - 07:22 )
جاء في خاتمة المقال: ( - ان التطرف في الدين يزّين لصاحبه الزعم انه وحده على حق ، وينعت من يخالفه الرأي : بالكفر ، والمروق ، والزندقة ، والفسوق .. ، وان التطرف بالعلمانية يجعل صاحبه يزعم انه وحده على حق ، وينعت من يخالفه الرأي : بالرجعية ، والتخلف ، والانغلاق ، والدوغماتيه ، والإيمان بوهم . ومع تناقضهما العقائدي ، فان كليهما يزدريان الغير ، وكليهما عدوانيان حاقدان منتقمان ، يبيحان لنفسيهما حق إخضاع الآخر وإباحة سفك دمه ان رفض - . )
---------------------------
إنها مقارنة وحشية وظالمة. هل قام العلمانيون - حتى المتطرفين منهم - بقتل الأطفال والرضع ؟ هل قاموا بتفخيخ الناس في الشوارع ؟ هل قاموا بمنع تطور أمة لمدة 1430 عاماً ؟ هل أثاروا الرعب بين المفكرين والكتاب ؟ هل وضعوا مفخخات في المساجد والأعراس ؟ هل قتلوا المفكرين بدم فاسد بارد ؟
إن عقد أي مقارنة بين التطرف الإسلامي الوحشي والإجرامي مع أي تطرف علماني يخدم التطرف الإسلامي بوضعه في موازنة ارتكاب الجريمة مع العلمانيين.


5 - لم تترك لي ما يمكن اضافته
عدنان عاكف ( 2009 / 6 / 12 - 17:38 )
الأستاذ صلاح
لو تأملتَ جيدا في ما ورد في المقالة بأعصاب باردة فلن تجد فيها أي خلط وتزوير. ولكن اسمح لي ان أعتذر عن جهلي الذي عبرت عنه حين تصورتك تجهل التاريخ العربي الاسلامي، في حين ان المعلومات التي وردت في تعليقك تشير بكل وضوح الى انك تعرف هذا التاريخ أفضل من الكثيرين منا. لو حاولتُ ان أعصر كل ما كتبته عن التراث العلمي ستكون خلاصته هو ما تفضلت به، وهو ان الحرية النسبية للعلماء، وحتى رجال الدين المتنورين والفلاسفة في العصر الوسيط كانت أوسع من ما هي عليه اليوم بكثير. فلماذا تريدنا يا سيد صلاح ان نتخلى عن ذنك المكسب الكبير الذي يمكن ان يساعدنا في معركتنا الفكرية اليوم مع قوى التخلف. مع ملاحظة مهمة: ليس بين الأسماء التي ذكرتها من كان ملحدا، كما تعتقد، بل كانوا جميعا ضمن المنظومة الفكرية التي عرفها المجتمع الاسلامي


6 - انتباه......انتباه .
علي جاي المدهون ( 2009 / 6 / 12 - 18:20 )
الاستاذ عدنان عاكف المحترم .
هل افهم من مقالك هذا بان العرب والمسلمين كانوا على معرفه بكروية الارض ، لان من يقوم بحساب محيط الارض لا بد ان يكون مؤمنا بكرويتها اولا ، وهذا ما لا تستطيع كل شياطين الانس والجن ان تقنعني به ، ففقهائنا لا زالوا ينكرون كروية الارض ، لتاريخ يوم الله هذا ،
فكيف بالله عليك حصل ذلك قبل اكثر من الف عام ؟؟؟؟؟؟؟

اخر الافلام

.. نواقص القرآن !! / قناة الانسان / حلقة 84


.. فلسطينيون يتوافدون إلى المسجد الأقصى لتنظيفه وإعماره استعداد


.. قناة الانسان




.. -الفانوس فى الكنيسة-.. وكيل الأقباط الكاثوليك بالغردقة يعلق


.. القبض على قتلة الوزير بإدلب، واشتباكات بين الميليشيات الطائف