الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


افعل للغير ما تودّ أن يفعله الغير لك

كريم الهزاع

2009 / 6 / 13
المجتمع المدني


عن مركز " الحوار " للثقافة ( تنوير) صدرت الطبعة الأولى 2009 من ترجمة لكتاب في الحرية والديمقراطية لكارل بوبر ، والذي هو من أكبر الداعين إلى ما أسماه " المجتمع المفتوح " ، ذلك المجتمع الذي يفسح المجال لحرية التعبير والنشر والتغير الديمقراطي السلمي . وينبغي التركيز هنا على فكرة السلمي حيث أنه من أكثر الفلاسفة المعاصرين دعوة / تبنياً لفكرة اللاعنف ، كما جاء في الكلمة التي على الغلاف الخلفي للكتاب ، وقد قام بترجمة الكتاب الباحث والكاتب الكويتي وعضو مركز " الحوار " عقيل يوسف عيدان وراجعه وقام بتقديمه المفكر العربي محمد عبدالجبار الشبوط ، وهو الكتاب الأول في سلسلة " ترجمات تنوير " ، وألمح المترجم في مقدمته بأن بوبر يرى أن المجتمعات لا تتكوَّن من " الأغلبية " ( الدينية ، الاجتماعية ، الاقتصادية ، السياسية ، الثقافية ) فحسب ، ولكن من " الأقلية " أيضاً ، وبالتالي ينبغي علينا احترام حقوق هذه الأقليات التي تُغني هذا المجتمع بدورها ، وأن لا نسمح لفكرة الأغلبية أن تطغى على فكرة الأقلية لأن ذلك قد يغرس بذرة العنف في المستقبل . كما لا يفوتنا أن نقول بأن الكتاب عبارة عن محاضرة ألقاها كارل بوبر في ألباخ Alpach بتاريخ 25 أغسطس 1958. بعنوان " في الحرية - On Freedom - وفي محاضرته تلك يتحدث بوبر عن العقل أو العقلانية حيث يقول : " كل ما أعنيه عندما أتكلم عن العقل أو العقلانية ، هو الإيمان بأننا نستطيع " أن نتعلم " عن طريق نقد أخطائنا وزلاَّتنا ، وبصفة خاصة نقد الآخرين لنا ، وأخيراً عن طريق النقد الذاتي أيضاً .
العقلاني هو ببساطة ، ذلك الشخص الذي يعتبر التعلم أكثر أهمية من البرهنة على كونه على صواب ؛ الشخص الذي يرغب بالتعلُّم من الآخرين ، لا بمعنى الهيمنة على أفكار الآخرين ، ولكن بمعنى أن يسمح بطيب خاطر للآخرين بنقد آرائه ، وأن ينقد بطيب خاطر آراء الآخرين . ما أشدد عليه هنا هو فكرة النقد ، أو بتعبير أدق، " المناقشة النقدية ".
إن العقلاني الحقيقي لا يعتقد أنه أو غيره يمتلك الحقيقة ؛ و لا يرى أن مجرد النقد يساعدنا على الوصول إلى أفكار جديدة . ولكنه يرى أن المناقشة النقدية هي فقط ما تساعدنا على التمييز في حقل الأفكار بين الغث والسمين . إنه يعرف جيداً أن قبول أو رفض فكرة ما ليست مسألة عقلية بحتة ، ولكنه يعتقد أن المناقشة النقدية وحدها التي تمنحنا النضج اللازم الذي يمكّننا من رؤية الفكرة من جوانب عدة ، ومن الحكم عليها حكماً صحيحاً .
لذا ، إنني أفكر قبل أي شيء آخر، بفكرة التحرّر الذاتي عن طريق المعرفة، تلك الفكرة ألهمنا إياها كل من كانتْ وبستالوزي. كما أفكر بواجب كل مفكر والمتمثِّل في مساعدة الآخرين على تحرير عقولهم وفهم المقترب النقدي – وهو الواجب الذي نسيه أغلب المفكرين منذ عصر فيخته وشيلينغ وهيغل . "
وفيما يخص بساطة اللغة يطرح كارل بوبر سؤاله التالي :
لماذا تمثل بساطة اللغة أهمية كبيرة بالنسبة لمفكري التنوير ؟
ويجيب عليه ، بقوله : " لأن المفكر التنويري الحقيقي، العقلاني الحقيقي، لا يستهدف التأثير على أي شخص بأي اتجاه. لا، انه لا يستهدف الإقناع؛ إنه على وعي طول الوقت بأنه من الممكن أن يكون على خطأ. وفوق كل شيء، إنه يحترم الاستقلالية العقلية للآخرين بدرجة عالية تحول دون استهداف إقناعهم بأشياء هامة.
إنه يدعو بالأحرى إلى الاختلاف في الرأي، مفضلاً صيغة النقد العقلاني والمنظم. إنه لا ينشد الإقناع ، بل استنهاض الآخرين وتحدِّيهم لبلورة آرائهم الحرة. إن بلورة الرأي الحر هي ما تشكِّل أهمية خاصة بالنسبة له .
وبناء الرأي الحر – وفقاً له – هو ما له قيمة فقط ، ليس لأن ذلك يجعلنا نقترب أكثر من الحقيقة فقط ، بل لأنه يحترم صياغة الرأي الحر أيضاً. إنه يحترمه حتى لو كان يعتبره على خطأ .
يكمن أحد أسباب عدم رغبة المفكر التنويري بالتأثير على الناس أو إقناعهم في الآتي : لأنه يعرف انه ، خارج نطاق المنطق والرياضيات الضيق، لا يمكن إثبات شيء. من الممكن ، بالطبع، تقديم براهين وبحث وجهات النظر بحثاً نقدياً، إلاّ أنه خارج المبادئ الأولية للرياضيات، فإن براهيننا ليست حاسمة أو خالية من الثغرات .
يجب علينا دوماً أن نعيد تقييم القضايا، وأن نقرِّر دوماً أيا منها ذات وزن أكبر؛ تلك التي تدعم رأياً معيناً أو تقف ضده. في النهاية، تتضمن صياغة الرأي، إذن، عنصر الحكم الحر. هذا الحكم الحر يجعل من الرأي ذا قيمة إنسانية ثمينة.
لقد تبنّى التنويريون منذ جون لوك J. Locke هذا التقدير المرموق للرأي الفردي الحر. وكان هذا بلا شك، الثمرة المباشرة لـ الصراعات الدينية الإنجليزية والأوروبية؛ التي أنتجت ، في النهاية ، فكرة التسامح الديني. " .
و إن فهم التسامح الديني على هذا النحو يقودنا إلى ما هو أكثر من ذلك. فهو يقودنا إلى احترام كل إيمان صادق، وبالتالي احترام الفرد ورأيه الخاص. أو بعبارة إيمانويل كانت، آخر فلاسفة التنوير العظام، فإن هذا يقودنا إلى الاعتراف بقيمة الإنسان ذاته.
وفي حديثة عن قيمة الإنسان ، فإن كانت يعني أن كل إنسان ومعتقداته، يجب أن يكونا موضع احترام . حيث يربط كانت هذه القاعدة بمبدأ هيلل Hillelian Principle ، الذي يطلق عليه الإنجليز وبصدق القاعدة الذهبية ، ولكنه يبدو للألمان شيئاً مألوفاً : (( لا تفعل للغير ما تكره أن يفعله بك الغير )). و يعود هذا المبدأ لرجل دين اسمه هيلل Hillel ولد بعد السبي البابلي التاريخي . كان يعتقد بأن التوراة يمكن اختزالها في جملة واحدة أو مبدأ واحد هو: " افعل للغير ما تودّ أن يفعله الغير لك". كما شرحه ( المترجم ) .
ويشدد كارل في محاضرته تلك على المناقشة النقدية ، حيث إن المناقشة النقدية هي أساس الفكر الحر لكل فرد . وهذا يعني، من ناحية ثانية ، أن حرية الفكر مستحيلة بدون حرية سياسية . ويعني ذلك أيضاً أن الحرية السياسية شرط مسْبق للاستخدام العقلي لكل فرد.
ويقول بوبر في ختام محاضرته : " لقد حاولت أن أوضح باختصار ما أفهمه من العقلانية والتنوير. كما حاولت، في الوقت نفسه، أن أعبر باختصار لماذا تتطلب العقلانية – كما أفهمها – وكذلك التنوير حرية الفكر، والحرية الدينية، واحترام الآراء الصادقة للآخرين، وأخيراً الحرية السياسية. لكنني لا أدعي أن العقلانية وحدها من تحب الحرية أو تستطيع تسويغ مطلب الحرية . على العكس، أنا أعتقد أن هناك مواقف أخرى، وبخاصة المواقف الدينية، تتطلب حرية الضمير، ومن هذا المطلب وصلت إلى احترام رأي الآخرين وتسويغ مطلب الحرية السياسية ." .










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تونس.. معارضون يطالبون باطلاق سراح المعتقلين السياسيين


.. منظمات حقوقية في الجزاي?ر تتهم السلطات بالتضييق على الصحفيين




.. موريتانيا تتصدر الدول العربية والا?فريقية في مجال حرية الصحا


.. بعد منح اليونسكو جائزة حرية الصحافة إلى الصحفيين الفلسطينيين




.. الأمم المتحدة التوغل في رفح سيعرض حياة الآلاف للخطر