الحوار المتمدن - موبايل


هل كان العراقيون القدامى هواة عنف ودم ؟؟

عدنان عاكف

2009 / 7 / 8
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


" الى أين تسعى يا جلجامش
ان الحياة التي تبغي لن تجد
حينما خلقت الآلهة العظام البشر
قَدًرَتْ الموت على البشرية
واستأثرتْ هي بالحياة
أما أنت يا جلجامش، فليكن كرشك مملوءا على الدوام
وكن فرحا مبتهجا نهار مساء
وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك
وارقص والعب مساء نهار
واجعل ثيابك نظيفة وزاهية
واغسل رأسك واستحم في الماء
ودلل الصغير الذي يمسك يديك
وافرحْ الزوجة التي بين أحضانك
وهذا هو نصيب البشرية ".
هذه بعض من نصائح صاحبة الحانة سيدوري لجلجامش . كلمات مفعمة بالحب والتفاؤل ، تدعوك الى فتح ذراعيك للدنيا والتمتع بمباهجها، حتى وان كنت قد فشلت في الحصول على سر الخلود، حتى وان كانت أيامك معدودات. كيف يمكن ان تستوي مثل هذه النظرة المتفائلة الى الحياة لأسلاف العراقيين مع تلك الصورة التي يحاول الكثير من الباحثين رسمها للسومريين والبابليين بكونهم عاشوا تحت وطأة الخوف والقلق والحزن والكآبة والتشاؤم؟
ولم يتردد العديد من هؤلاء " المحللين السياسيين " و" الباحثين السيسيولوجيين " أن يدلوا بدلوهم ويُنظروا لتلك الفكرة التي رافقت الأزمات العراقية في العصر الحديث، والتي تحاول ان ترد جميع مظاهر العنف والصراع الدموي التي عرفها العراق خلال العقود الأربعة الماضية الى جذورها السومرية البابلية..حاولت الكثير من وسائل الإعلام ان تعزو أحداث الشغب والسلب والنهب التي شهدتها بغداد وأعمال العنف الطائفي في مختلف مدن العراق الى سمات الفرد العراقي الشخصية التي توارثها عن الأسلاف. وهذه ليست هي المرة الأولى التي يجري فيها العودة الى عصر نبوخذنصر وآشور بانيبال. حدث هذا في مطلع الثمانينات لتبرير الحرب العراقية الإيرانية. وتكرر في التسعينات عندما أقدم نبوخذنصر العراق الجديد، حامي البوابة الشرقية على غزو الكويت. وتكررت تلك المحاولات بعد عاصفة الصحراء. حتى شخصية صدام الدموية وسلوكه الشاذ تجاه الشعب وجدت تبريراتها، وما زلت أتذكر كيف ان أحد زملائي من الأساتذة الجزائريين قالها قبيل بدء حرب الخليج الأولى ببضعة أيام:
- لا ينفع معكم إلا قائد قوي وشجاع مثل صدام حسين والحجاج. هل تذكر الحجاج ماذا فعل بالعراقيين من أجل ان تستقيم الأمور ويستتب الأمن؟ لا تنفع معكم إلا القوة.
- ومن أين جئت بهذه المعلومات القيمة؟
- يبدو انك ضعيف في مادة التاريخ...
لم يكن مجرد زميل عمل، بل كان جار وصديق وكنت أعرفه جيدا، ولكن موجة اكتسحت العالم العربي باسم " القومية والوطنية " والصمود ضد أمريكا دفعت بالكثير من المثقفين العرب، حتى من بين الذين عارضوا في البداية غزو صدام حسين للكويت، الى تصديق الأكذوبة التي روج لها صدام وإعلامه العراقي والعربي المدفوع الثمن،، فبدا أمام الكثيرين بكونه القائد المنقذ والولي المنتظر.
بعد أشهر قلائل فقط قرأت ما قاله زميلي الجزائري في مقالة مفصلة لكاتب عراقي معارض لنظام صدام، ولكن بتفاصيل أكثر، وذهب هذا العراقي أبعد بكثير محاولا ان يثبت بان العنف مرض ورثناه من أيام جلجامش. وخلال السنوات العشر التي استغرقتها استعدادات الدول الغربية لغزو العراق قيل الكثير أيضا عن صدام حسين وحكمه المركزي القوي المستبد هو صمام الأمان للحفاظ على وحدة البلاد التي تقطنها مجموعات دينية واثنية متباينة اعتادت طريق العنف والقوة كوسيلة لحل مشاكلها. سقط النظام المركزي المتسلط وسقطت معه الكثير من التوقعات والتصورات. ولكن ما هي إلا مرحلة قصيرة من الهدوء النسبي، تنفس خلالها العراقيون نسيم الحرية من ذلك النظام المستبد حتى عادت الاسطوانة القديمة تعزف في العديد من وسائل الاعلام العربية، وهي تحذر من بحر الدماء الذي سوف تتسبب به الحروب الأهلية والمشاكل الطائفية. عشية العام الثاني للاحتلال، نشر أحد الكتاب العراقيين، من هواة الدفاع عن الديمقراطية والروح الليبرالية الجديدة التي سوف تهب على العراق، مقالا كرسه للحديث عن منظمات حقوق الإنسان في العراق ، قدم الكاتب لمقاله بالفقرة التالية:
" ان العنف والعنف المضاد حالة مرصودة في تاريخ العراق منذ بدايات التكوين ولحد الآن ( لقد تساهلت حين قلت منذ جلجامش ). فلو عدنا الى الميثولوجيا الدينية لرأينا ان أول قتال على الأرض ( العنف ) بين أبناء آدم كان في العراق. وقد استبدت هذه الحالة على مدى العصور التاريخية، خاصة ان تطور التاريخ، منذ ان وعى الإنسان ذاته، في آسيا عموما والشرق الأوسط خصوصا نظرا للعمق التاريخي في تكوين الحضارات الأولى ولد في ذاتية الفرد الاعتماد على القوة أكثر من الاعتماد على عنصر التحاور والسجال، حتى في قمم الازدهار الاجتماعي، وهذا ما يكمن في سلوكية الأفراد والجماعات وانعكست بكل تلاوينها في البناء القومي..".
بصراحة ان هذا التحليل فوق طاقاتي الذهنية، لذلك لم أستوعبه، و يجب ان أعترف اني حتى اللحظة التي قرأت فيها هذا المقال كنت أجهل ان قابيل وهابيل، اللذان فضلا أسلوب العنف والقوة على أسلوب السجال والحوار المتمدن، كانا يتمتعان بالجنسية العراقية، التي حرم منها الكثير من الشخصيات السياسية والثقافية العراقية، مثل الشهيد كامل قزنجي و الشهيد توفيق منير والجواهري والبياتي، وغيرهم.
هكذا إذن، فان القسوة والعنف والاغتراب، وفق مفهوم هذا الباحث هو قدر العراقيين، شاءوا أم أبوا. انه مصيركم ولا مفر منه. والمثل السومري يقول " اتبع مصيرك ". ويبدو ان أسلافنا التزموا بهذا المثل وظلوا أمناء له عبر جميع العصور. ولكن لم كل هذا ؟ ما هي الخطيئة الكبرى التي اقترفها العراقيون القدامى، والتي لم تستطع الآلهة غفرانها، ليستحقوا مثل تلك اللعنة الأبدية وينالوا مثل هذا العقاب الصارم ، بحيث يصبح العنف قدرهم وفيروس الإرهاب نصيبهم يتوارثوه جيلا بعد جيل؟ انها ضريبة الحضارة الإنسانية الأولى. بما ان العراقي قد سبق غيره الى التحضر والتمدن وابتعد عن البربرية قبل الآخرين، وكان أول من شرع القوانين، لذا تولدت في أعماقه رغبة جامحة نحو القسوة والعنف وكره شديد للحوار والتفاهم. هذا ما يقوله الباحث المعاصر. ولكنه مع ذلك لم يفسر لنا لماذا ينبغي على من عرف الحضارات الأولى ان تتولد في نفسه رغبة ونزعة نحو اعتماد القوة والعنف بديلا عن الحوار.
لقد أخطأ باحثنا، حسب رأيي، مرتين على أقل تقدير. أخطأ عندما اعتمد ميثولوجيا دينية في تقييم ظاهرة مهمة كتلك التي يدور عنها الحديث وأرجعها بتلك السهولة والبساطة الى جذور تاريخية وحضارية بدون توفر أية دلائل ووقائع . والأخطر من ذلك ان يعمم ما حصل في تلك الرواية الأسطورة على تاريخ العراق عبر كل العصور بحيث يصبح الصراع بين بني آدم سمة فطرية متأصلة ليس عند الفرد العراقي فحسب، بل وعند الجماعات.وأخطأ ثانية عندما سمح لنفسه، بمثل تلك العجالة والسهولة ان يقدم تحليلا " علميا " لظاهرة العنف في العراق. أما خطيئته التي لن تغفرها له آلهة سومر وبابل، فتكمن في انه صدق وهمه واعتبر ان ما يقال عن عنف العراقيين الأزلي حقيقة وواقع.
وقبل فترة اطلعت على مقالة لكاتب وصحفي لبناني ديمقراطي ليبرالي " حتى النخاع " لا يتردد بتقديم تبريراته الحضارية والإنسانية لقسوة وبطش الحجاج من أجل السيطرة على مشاغب العراقيين ومشاكلهم. والعجيب بالأمر انه يقر بقسوة أسلوبه، والأغرب انه يعتبر مثل تلك القسوة من طباع العراقيين، مع انه يعرف قبل غيره بان الحجاج لا يمت للعراقيين بأي صلة، وان عشرات آلاف الضحايا من اللبنانيين المساكين قتلوا على أرض لبنان وبأسلحة تحملها أياد لبنانية رحيمة.
تعالوا نقرأ معا هذه التحفة الفنية السياسية لرفيق قديم وصديق عزيز تربطني به علاقة امتدت نحو 35 سنة.
" في ذلك اليوم بدأ أو أستعيد من مجاهل التاريخ الوحشي للعراق القتل دون محاكمة، وسحل الجثث في الشوارع وعلى نطاق جماهيري واسع النطاق وتحت سمع وبصر السلطة العسكرية الجديدة . قتل ملك توج بقرار برلماني ( لم تكن شرعيته ضيقة رغم التحفظات الكثيرة ) وبطريقة بشعة إذ انهالوا عليه بالرصاص ....وربما كان يمكن تجاوز كل ذلك على هوله لو كان مجرد هيجان انفعالي عابر لكنه كان أولى الموجات الدامية التي غرق العراق في العقود اللاحقة في بحرها الطامي وصارت لازمة لكل الصراعات اللاحقة وتقليداً ثورياً وثقافة وسلوكاً نرى في هذه الأيام أعتى وأبشع طقوسه الدموية في ذبح البشر وتفجير بيوتهم وقطع أسباب حياتهم والتصدي لمستقبلهم . وبها وسم المراقبون العراقيين بالعنف والدموية...
قد لا يكون هذا مبالغاً فيه فالمزاج الانقلابي والمتقلب غير بعيد عن دماء العراقيين وهم الذين أنجزوا الثورة العظمى على مجلس الآلهة في السماء قبل حوالي ستة آلاف سنة وألقوهم من حالق واحداً بعد الآخر وتوجوا الإله الواحد الأحد مكانهم حيث ما يزال يظهر في النشاط السياسي العراقي في صور قريبة كصورة الزعيم الأوحد ،ثم في العهد الظلامي الساقط القائد الرمز الذي استحوذ على أسماء الله الحسنى...".
مع ان حديثنا لا يدور عن ذلك اليوم الدامي الذي شهده العراق في 14 تموز 1958 لكننا من باب العلم بالشيء نـُذكر القراء ان ذلك الملك الشاب المتوج بقرار برلماني ( لم تكن شرعيته ضيقة بالرغم من التحفظات الكثيرة ) كان قد فقد جده الملك فيصل الأول الذي تم اغتياله غدرا، وكان أيضا قد توج بقرار شعبي عام ونال القبول بنسبة 97% ( على ذمة الحاكم البريطاني للعراق )، وان والد الملك الشاب ( الملك غازي ) قد تم اغتياله أيضا وهو في مقتبل العمر. وقد أجمعت المصادر التاريخية على ان الجد والأب ذهبا ضحية تآمر شخصيتين " ليبراليتين ديمقراطيتين " هما نوري السعيد والأمير عبد الإله ( خال الملك الشاب) بتدبير وتخطيط من الآنجليز. ومن باب العلم بالشيء أيضا ان عدد ضحايا ذلك اليوم الهمجي الدموي كان 24 قتيل في جميع أنحاء العراق ( على ذمة الباحث الصديق د. عقيل الناصري ). وهذا العدد أقل بكثير من عدد السجناء السياسيين الذين قتلوا وجرحوا في سجن الكوت أو سجن بغداد خلال بضعة ساعات في عهد الملك الشاب. ولكن مع فارق جوهري ومهم جدا، وهو ان الذين قتلوا في اليوم الدموي كانوا من أصحاب المقامات الرفيعة، الذين يجري في عروقهم الدم الأزرق، في حين ان ضحايا السجون كانوا من الشيوعيين الملاحدة المارقين، الذين كفروا بنعمة الملك والباشا نوري والانجليز.
لنعد الى موضوعنا عن العنف العراقي. تذكرني كلمات الكاتب الصديق بكلمات المفكر دريدا ، التي نقلها لنا الكاتب نادر قريط في مقالة له نشرت قبل فترة وجيزة على موقع الحوار المتمدن. يشير قريط الى ان دريدا بعد ان " بوغت بغضب القراء ونرفزتهم وعدم إدراكهم للمكتوب قال: لا أعرف كيف كتبت هذا النص الخالي من الكلام؟! ".
يبدو لي لا يوجد توصيف أدق لنص كاتبنا من وصفه بانه " نص خالي من الكلام "! كيف يمكن ان يكون 14 تموز بداية لموجة العنف الدامية التي وسم بها العراقيون اذا كان هؤلاء المساكين قد وسموا بالقسوة والإجرام منذ عهد الآلهة. وبالمناسبة في زمن الآلهة العراقية لم يكن العراقيون قد ظهروا الى الوجود، فقد كانت بلاد الرافدين مستوطنة من قبل الحيوانات المفترسة وبعدد كبير من القردة.واذا كان الكاتب يستعين بميثولوجيا عراقية ليثبت بان المزاج الانقلابي والمتقلب غير بعيد عن دماء العراقيين، فلماذا نحمل الضباط الذين قاموا بثورة تموز مسؤولية الدماء والضحايا؟. أما الجزم بان العراقيين " هم الذين أنجزوا الثورة العظمى على مجلس الآلهة في السماء قبل حوالي ستة آلاف سنة وألقوهم من حالق واحداً بعد الآخر "، فهو " نص بدون كلام " بالفعل،. والتاريخ يؤكد على انه في اليوم الذي اجتمع فيه العراقيون ليصعدوا الى الأعالي تعطلت عن العمل جميع محطات الوقود في البلاد لذلك لم تنطلق الصواريخ التي تحمل أقمارهم الصناعية. التاريخ والميفولوجيا يؤكدان ان من رمى الآلهة من حالق هم الآلهة نفسهم، حيث ثارت مجموعة ضد آخرى وجرت عملية تصفية حساب بين الطرفين. كان صراعا إلاهيا طائفيا لا دخل للعراقيين فيه. وجدير بالذكر ان من ينبغي معاقبته بتهمة توحيد الآلهة القديمة هو اخناتون المصري، وليس العراقيين.
العلم يقول كلمته:
أما اذا أردنا ان نتحدث بلغة الكلام المفيد فنقول ان معظم الباحثين في تاريخ العراق القديم أكدوا على حقيقة مذهلة، وهي ان تأريخ تلك البلاد كان شبه خال من الانتفاضات والهزات الاجتماعية الداخلية الكبرى. وأقول كان شبه خال وليس خال تماما.. ويشير دوندمايف في كتابه " العبودية في بابل " الى هذه الحقيقة. ويؤكد ان النصوص التاريخية المتوفرة تبين ان نظام العبودية لم يكن مرفوضا من قبل العبيد أنفسهم. لا يعني ان العبيد كانوا مقتنعين بالتمايز الاجتماعي الكبير الذي كان قائما، بل كانوا ينظرون الى ذلك بكونه أمر مسلم به، وهكذا ينبغي ان تكون عليه الأمور. ويشير الباحث كلشكوف في كتابه " الحياة الروحية في بابل " الى ان في مقدمة القيم الروحية والأخلاقية عند البابليين كانت إطاعة الآلهة والتقيد بتعاليمها، وإطاعة رجال الدين واعتبار تعاليم الملك جزءا من تعاليم الآلهة التي ينبغي التمسك بها....
طبقت تعاليم الآلهة منذ نعومة أظافري
سجدت خاشعا أبحث عن الآلهة
فجنيت نار الجهد الذي لم يُجًدِ نفعا
وهبتني الآلهة الفاقة بدل الرفاه
الغبي أمامي، والدميم فوقي.
يذكرنا هذا الشاعر البابلي الوديع المؤمن المسالم ( المسالم وليس المسلم !!) بصوت الفنان المصري الوديع المسالم علي الحجار وهو يشكو حاله بصوته الشجي في أغنيته " يا طالع الشجرة " :
" أديت جميع فرضي صليت ومش مرضي " !!!
من الواضح ان التاريخ لا ذنب له في كل ما قلنا، إنما العلة في من يخطئ قراءة التاريخ، بدون قصد أو مع سبق الإصرار. لقد قال التاريخ بالفعل ان العنف والعنف المضاد حالة مرصودة في العراق منذ القدم. ولكن التاريخ لم يقل على الاطلاق ان هذا العنف حالة متأصلة في نفسية الفرد العراقي ومرتبطة بخصوصيته وتكوينه النفسي والحضاري. والأهم من ذلك ان التاريخ تحدث عن العنف ليس في العراق لوحده بل في جميع البلدان، وعبر كل الأزمنة. والعراق لم يكن حالة استثنائية على الإطلاق. وان كان التاريخ قد رصد حالات عنف استثنائية أكثر من البلدان الأخرى فلم يكن ذلك بسبب طبيعة العراقيين، بل كان مرتبطا بطبيعة العراق كبلد. الموقع الجغرافي ووفرة مياهه ووفرة ثرواته ودوره التاريخي الحضاري جعلت منه هدفا لمطامع الطامعين. ولو أعدنا قراءة التاريخ قراءة موضوعية لوجدنا بان العنف الذي عرفه العراقيون عبر العصور كان في غالبية الحالات مسلط عليهم وقد ابتلوا به. فهو إما عنف داخلي مسلط على الشعب من قبل حاكم طاغية وإما عنف خارجي مسلط من قبل غزاة طامعين بثروات العراق وأرضه الخصبة ومياهه ومدنه العامرة الزاهرة.
لماذا علينا الغوص في أعماق التاريخ؟ لنسترجع أحداث العقود الماضية، وهي الأحداث التي دفعت بالكثير من الكتاب والمحللين الى ترويج نظريتهم عن " الجذور التاريخية للعنف العراقي ".بقي العراق في دوامة العنف طيلة ثلاثة عقود وشمل أكثر من دولة مجاورة وأودى بحياة مئات الآلاف من الناس الأبرياء. ما ذنب العراقيين في كل ما حصل؟ وما علاقة ذلك بذاتية الفرد العراقي وطبيعته وحضارته؟ وهل ينبغي تجريم سكان بلاد الرافدين القدامى لمجرد ان مهووس مثل صدام حسين شبه نفسه بنبوخذنصر؟ وهل كان صدام حسين إستثناءا في هذا العصر؟ ماذا عن عشرات الملايين من البشر الذين ذهبوا ضحايا العنف خلال القرن العشرين؟
لو نحينا ما ينسجه خيال كتابنا المعاصرين جانبا واقتربنا من الحقائق التاريخية التي سجلتها لنا النصوص المسمارية والمصادر التاريخية الأخرى سنجد صورة مخالفة تماما للصورة التي توقفنا عندها ، عن سكان بلاد الرافدين القدامى، وقيمهم الروحية والأخلاقية.
لقد توصل الباحث كوندراتوف من خلال دراسة الأدب البابلي الى ان الظروف الصعبة التي عاشها السكان لم تستطع ان تسلبهم المتعة بالحياة، وان الأفراح بالذات هي التي أنعشت الحياة عند البابلي وجعلتها مقبولة بالرغم من قساوتها. يقول الباحث : " يكمن في أساس منظومة القيم البابلية المتعة الفعالة. فغاية حياة الأنسان هو نيل الرفاه والمتعة. ولذلك من حيث الظاهر يمكن وصف الأخلاق البابلية ونظرتهم الى العالم بالتفاؤل وحب الحياة ". ويتوقف الباحث عند ما يعرف في الأدب البابلي بطقوس " شوربو " وهي قائمة مطولة تشتمل على الخطايا والآثام التي ينبغي على الإنسان الابتعاد عنها. تحتل الخطايا والآثام ذات الطابع الديني الطقوسي الجزء الأكبر من هذه القائمة، مثل تناول الأطعمة الممنوعة والمحرمة، والتلامس المباشر مع شخص غير طاهر من الناحية الطقوسية والمحاولات الخائبة للاحتكاك المباشر مع عالم الآلهة أوالشياطين، وعدم الاكتراث بالآلهة وتعاليمها. ثم تليها التجاوزات في السلوك الاجتماعي مثل ممارسة الشعوذة والسحر وشهادة الزور والإفتراء على الناس والاتهام الباطل والسرقة وإراقة الدماء وعدم احترام الوالدين والفجور والاستحواذ على أموال الغير والغش في المعاملات التجارية، وإثارة الشغب والعنف والاغتصاب واضطهاد الضعفاء وعدم مساعدة المحتاجين وعدم الاخلاص للناس والنميمة والوشاية...
ويشير كلشكوف الى نقطة طريفة، وهي ان هذه الطقوس خالية من أي نقد للولع المفرط بالخمر أو للأخلاق الخليعة ( في الحالات التي لا تمس المصالح الشخصية، أي عندما لا تكون الخلاعة متعلقة بنسائهم وبناتهم ).
ويتوصل الى مثل هذه الآراء العالم المعروف كريمر في الكثير من دراساته. يقول في كتابه " التاريخ يبدأ من سومر " : " كان السومريون يتمسكون بالطيبة والصدق، بالقانون والنظام، العدل والحرية، بالاستقامة والصراحة، بالرحمة والشفقة. وكانوا يتقون الشر والكذب، والفوضى والاضطراب، والظلم والقهر، والأفعال الآثمة والإيذاء والقسوة وعدم الشعور."..
كيف يمكن لشعب يتمتع بكل هذه الخصال الطيبة، التي نادرا ما تجتمع لدى شعب من الشعوب المتحضرة المعاصرة والتي بلغت أوج التطور والرقي، ان تتجذر فيه النزعة نحو العنف والقسوة والشر؟
لقد دخل العراق القرن العشرين وعدد نفوسه نحو مليونين بين عرب وأكراد وتركمان، أرمن، كلدان، آشوريين، يزيديين، فرس، مسلمين، ومسيحيين، ويهود وصابئة..الخ، تنوع اثني فريد لا مثيل له في كل بلدان العالم. تلاوين من الملل والقوميات والأديان والطوائف والأجناس... كل هؤلاء تعايشوا مع بعضهم فوق هذه البقعة الصغيرة من الأرض المباركة، بالرغم من كل ما عرفته من حروب وانتفاضات وغزوات... وتؤكد الوثائق التاريخية على ان بابل كانت متعددة الأطياف والأجناس أيضا.
ما كان لمثل هذه الفسيفساء البشرية ، وفي بلد صغير مثل العراق ان تنشأ وتستمر وتقاوم محن ومصائب آلاف السنين، لو ان هؤلاء الناس الذين تجمعهم كلمة واحدة ( عراقيون ) قد جبلوا على العنف والقسوة واعتمدوا القوة في حل خلافاتهم أكثر من اعتمادهم التسامح والحوار. ان المجتمع الصغير الذي دخل به العراق القرن العشرين هو حصيلة التعايش السلمي لمختلف الأقوام والأديان.
كل ما قلناه لا يعني على الاطلاق ان العراقيين كانوا من الملائكة الطيبين المسالمين على طول الخط، وانهم لم يلجئوا الى القوة والعنف لحل مشاكلهم، ونقصد بذلك الخلافات بين الجماعات ، التي ينبغي ان تكون في خندق واحد، أو بين تلك، التي على أقل تقدير، لا ينبغي ان تلجأ الى العنف. يكفي ان نستذكر النصف الثاني من القرن الماضي لنجد الكثير من مظاهر العنف. ولكن كل ذلك قد حدث كما يحدث عادة في الكثير من بلدان العالم، ولأسباب سياسية. أي اننا أمام أحداث عنف سياسي وليس طائفي أو قومي.، ولا علاقة لهذا العنف بخصوصية ونفسية الفرد العراقي وتكوينه النفسي. حتى الصراع الذي اتخذ طابع العنف القاسي بين الحكومات العراقية والأحزاب الكردية كان صراعا سياسيا، ولم يحمل طابع الصراع بين العرب والأكراد بالرغم من المحاولات التي بذلتها الأنظمة الحاكمة لتحويله الى صراع قومي. أسباب كثيرة أدت الى استخدام العنف في الساحة العراقية المعاصرة. ولسنا الآن بصدد البحث في هذه الأسباب، ولكن ما يمكن قوله في هذا المجال ان عهودا طويلة من الظلم والقهر والعنف والجهل والحكم المستبد الذي كان مسلطا على الشعب منع العراقيين من بناء تقاليد ديمقراطية راسخة للتعامل في الساحة السياسية. ولذلك نجد ان الديمقراطية وحقوق الإنسان لم تكن من المبادئ الأساسية الراسخة في برامج وممارسات الكثير من الأحزاب التي كانت تنادي بها... وحتى في هذه الحالة لا أعتقد ان العراقيين كانوا يشكلون حالة استثناء، مقارنة مع شعوب العالم الثالث .
في العراق سُنتْ أول شريعة تنظم حياة البشر لتنقلهم من مرحلة البربرية التي تكون فيها السيادة لقانون القوة والعنف الى مرحلة متقدمة، تكون فيها السيادة لقوة القانون. وعلى أرض العراق نشأت واحدة من أقدم الحضارات وشعت بعلمها وأساطيرها وملاحمها الشعرية على الكثير من الأقوام والدول. وفي عاصمة العراق نشأت حضارة ظلت تشع بنورها على العالم قرونا عديدة، وكان من بين أهم عوامل ازدهارها هو انفتاحها على حضارات الأقوام والشعوب الأخرى، والتسامح الذي اتسمت به تجاه جميع الأديان والملل... والعراقيون يتوقون اليوم الى استعادة سيادتهم على أرضهم، واستعادة دورهم المجيد والمساهمة مع الشعوب الأخرى في اغناء الحضارة الإنسانية وترسيخ السلم والأمن بين جميع الشعوب. ولكنهم يدركون جيدا، من خلال تجاربهم المريرة ان ذلك لا يمكن أن يتم إلا في عراق مستقل كامل السيادة، عراق مستقر سليم معافى تسود فيه مبادئ الحرية والمساواة والعدل الاجتماعي، عراق تسود فيه مبادئ الديمقراطية والحوار والتسامح والاعتدال. ولا يمكن ان يتحقق ذلك إلا اذا اقتنعت جميع الأطراف والفئات السياسية والقومية والدينية ان اختلافها ينبغي ان يكون مصدر قوة للعراق وللعراقيين جميعا !!!
تعالوا معي يا أحفاد جلجامش لنأخذ قسطا من الراحة بعيدا عن ألعنف وأصوات القنابل والمتفجرات، ولنستمع معا الى هذه السمفونية الشعرية الرائعة لجدتنا السومرية وهي تعزفها ليلة زفافها لعريسها الملك السومري قبل أربعة آلاف سنة :
" أيها العريس عزيز انت على قلبي
ما ألذ وصالك، حلو كالشهد
أيها الأسد العزيز أنت على قلبي
ما ألذ وصالك، حلو كالشهد
لقد أسرتني فها انا أقف مرتعشة أمامك
أيها العريس ليتك أخذتني الى غرفة النوم
أيها العريس دعني أقبلك
فقبلتي حلوة ألذ من الشهد
وفي غرفة النوم المملوءة شهدا
دعني اتمتع بجمالك اللطيف
أيها الأسد دعني أقبلك
فقبلتي حلوة ألذ من الشهد...."....
هل هناك عاقل على وجه هذه الأرض يمكن أن يصدق ان امرأة بمثل هذه الأنوثة والرقة يمكن ان تُخلف أبناء وبنات مصابين بمرض العنف والقتل ليصبغوا مياه دجلة والفرات باللون الأحمر عبر آلاف السنين؟ أنا شخصيا لا أصدق هُراء كهذا، لكني أصدق من قال : ومن الحب ما قتل! لكنه ليس قتل حقد ومتفجرات، بل قتل عشق وغزل وعسل!! وليأتي بعدها طوفان أوتنابشتم الدنيوي أو طوفان نوح الديني، ليغسل عن وجه الأرض " آثار القدم الهمجية ، أي كانت وأينما كانت!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - قبل الغزو
شوقي ( 2009 / 7 / 7 - 21:06 )
عزيزي عدنان
هذا هو الشرق الجميل قبل الغزو الصحراوي القاحل
قرأة جميلة و مبدعة و أنسانية رقيقة و شاعرية
كل الشكر لكم مع محبتي وتقديري أستاذ عدنان


2 - تحية للكاتب
خالد عبد الحميد العاني ( 2009 / 7 / 7 - 22:14 )
مقال ممتع. ما جرى ويجري في العراق حصل في بلدان عديدة أقربها لنا لبنان والصومال والسودان والجزائرولا ننسى القاعدةوإرهابيها ومموليها وما إرتكبو من جرائم يندى لها جبين البشرية. أما ما حصل في يوغسلافيا السابقة ورواندة فهو يفوق مرات عديدة ما جرى في العراق. مع فائق التقدير لجهودكم في تسليط الضوء على هذا الموضوع المهم. .


3 - شكوك
ابراهيم ( 2009 / 7 / 7 - 22:36 )
الاستاذ د.عدنان عاكف المحترم
تحية طيبة
وارجو ان اسمع اجابة لسؤال طالما كان يساله لي احد الاصدقاء الغاضبين جدا من ربهم الذي خلقهم في البقعة التي هم فيها والسؤال هو:
هل تصدق يا استاذي العزيز وانت رجل العلم بان العراقيين المعاصرين ,وبعد كل عصور السبي من الساسانيين ومن سبقهم كالرومان والاغريق والحثيين والميديين وما لا اريد الخوض فيه عمن تلاهم من اشد اصناف الغزاة تخلفا ختاما بالخلافة العثمانية ..
اسالك بحق العلم وما تؤمن به....هل ان العراقيين المعاصرين ظل فيهم بقية شيء من هؤلاء الذين ذكرت اغانيهم واناشيدهم وقيمهم الرائعة ؟
انا حائر حقا ولا تظنني ساخرا والله ...
مع محبتي


4 - مقالة اليوم رائعة
اسماعيل الجبوري ( 2009 / 7 / 7 - 23:40 )
اليوم ولاول مرة اقرا لك مقالة تستحق القراءة والاهتمام ولكنني اعترض على تسميتك لبعض الحاقدين من القومجيين العرب باللبرالين ومن الحاقدين على العراق والشعب العراقي وعلى عملية التغير الحاصلة بالعراق. هذولة لاعلاقة لهم باللبرالية وليس كل شخص يدعي انه ليبرالي فهو حقا ليبرالي وليس كل شخص يدعي الشيوعية فهو شيوعي. اللبرالين الحقيقين كلهم مع العراق ومع عملية التغير ومع العملية السياسية الجارية بالعراق.ولفت انتباهي اليوم في مقالتك وهو اعتزازك بحضارات وادي الرافدين وتستشهد ببعض الادلة من تاريخ هذه الحضارات لتدعم رايك من ان العراقين ليس طلاب عنف. وانا اتفق معك تماما. فحضارات وادي الرافدين كالبابلية والسومرية والاشورية قدمت الكثير للحضارة العالمية وانا كمواطن عراقي اعتز بحضارات اجدادنا.ودائما و عندما التقي واتعرف على شخص اوربي وبعد ان يعرف انا من العراق يقول لي انتم بلد الحضارات. ويقصد حضارات بلاد مابين النهرين وليس حضارة المسلمين البدوية والتي تصر وتدافع عنها وعن تراثها الدموي والمخجل وعندما وطأت اقدام الغزات المسلمين ارض الرافدين فرضوا دينهم وثقافتهم البدوية الصحراوية على ابناء وادي الرافدين المسالمين. فالاولى بك ان تفتخر بالحضارة البابلية والسومرية والاشورية وليس بالبداوة الاسلامية . . وانا


5 - من يكبلنا؟
مصباح الحق ( 2009 / 7 / 8 - 05:39 )
الأستاذ عدنان عاكف: أشكرك على هذا التوجه التحليلي والإسقاطي الرائع والخاتمة ذات المغزى الهام جداً، جداً. وكملحوظة سريعة فقط: نبوخذنصر عرف عنه الاستفادة من الشعوب التي يحتلها لدرجة أنه لقب بمنشئ أو باني المدن، أما الراحل صدام فليس في جعبته سوى الدكتاتورية. الأول احترم ديانات الشعوب الأخرى، أم الثاني فقد استغل الدين (العلم الجديد)، فهل يصح تسميته بنبوخذنصر الجديد؟ لله درك يا أبا علاء المعري (جار العراق الحبيب) برأيه عن الأديان.

وبالتواصل تدوم النعم.


6 - شكر
عدنان عاكف ( 2009 / 7 / 8 - 06:54 )
الأستاذ شوقي
شكرا على كلماتك العسل! كما أهديتك بعض الأبيلت من شعر ما قبل الغزو الصحراوي، اليك هذين البيتين قالتهما شاعرة من بعد الغزو الصحراوي. انها حفصة بنت الحاج الركوني:
أغارُ عليك من عَيني وقلبي / ومنك ومن زمانك والمكان
ولو اني جَعَلتكَ في عُيوني / الى يوم القيامةِ ما كفاني

الأستاذ خالد !
حياك الله أيها العاني. يبدو ان اليوم هو يوم الشعر. لذلك أهديك هذا البيت الذي قرأته قبل أكثر من ربع قرن. ومنذ ذلك الحين وأنا أبحث عن جواب للسؤال الذي أثاره البيت. يقول المعري :
ألم تعلمي أنّي مُدامَةَ بابلٍ / هَجَرْتُ ، ولم أقْبَل خبِيِئَةَ عانة
الخبيئة هي الخمرة المعتقة. السؤال الذي أتمنى ان أجد جوابه عندك أيها العاني المعتق: من أي فاكهة أو نبات كنتم تصنعون الخمرة، ولماذا تخليتم عن صناعة السلف؟ ولم تكن أية خمرة، بل خمرة معتقة !!

الأستاذ إبراهيم
سؤال ذكي ومحرج في نفس الوقت بالنسبة لي. بصراحة أنت تحملني فوق طاقتي، لكني على أمل ان يجد هذا السؤال من هو مؤهل أكثر مني لتقديم الجواب العلمي الملائم.. أعتقد ان أفضل من يستطيع ان يجيب على السؤال هم علماء المتخصصين بعلم الاجتماع وعلم التاريخ. ويبدو لي ان السؤال المهم الذي ينبغي ان يشغلنا هو : ما الذي ورثه العراقيون المعاصر


7 - أنت أدرى بأهل عانة
خالد عبد الحميد العاني ( 2009 / 7 / 8 - 07:55 )
الأستاذ عدنان
شكرا لبيت الشعر الجميل .نعم سمعت أن مدينة عانة كانت مشهورة بصناعة النبيذ وإن السبب بتوقف تلك الصناعة كان بسبب إحتجاجات أهالي راوة وغيرتهم من أهالي عانة. تحياتي لكم مرة أخرى

اخر الافلام

.. بيرق النخوات بني معروف


.. عدم قدرة شركات الرقائق الالكترونية على مواكبة الطلب الكبير


.. وكالة الأنباء التونسية تقاطع كل الأنشطة الحكومية | #النافذة_




.. تخطى أسطورة -ووريرز-.. كوري يصنع تاريخا جديدا


.. موسكو والناتو.. توتّر -القنبلة الموقوتة- | #غرفة_الأخبار