الحوار المتمدن - موبايل


الجيش والسياسة قبل ثورة تموز 1958

عدنان عاكف

2009 / 7 / 13
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


في الذكرى 51 لثورة تموز
الجيش والسياسة قبل ثورة تموز 1958

مقدمة :
نشرت في العام الماضي العشرات من المقالات التي كرست للذكرى الخمسين لثورة 14 تموز . وقد انقسم الكتاب الى فريقين مختلفين تماما: كتاب الثورة – من ينظر الى ما حدث بكونه ثورة حقيقية أسفرت عن تغييرات عميقة في العراق- وكتاب الانقلاب الذين لم يروا في 14 تموز سوى انقلاب عسكري نتج عنه تحطيم مؤسسات الدولة الدستورية التي كانت قائمة وانتقال الحكم من المدنيين الى العسكرين. ومن تابع ما كتب بين تموز 2008 وتموز 2009 لا بد انه لاحظ بان انصار الانقلاب قد تقدموا خطوة جادة في إدانة ما حدث في 14 تموز وادانة الذين خططوا للانقلاب ونفذوه وساندوه. وذهب البعض الى ادانة الأحزاب الوطنية التي " تكالبت على الباشا نوري السعيد وحكمه "، وتحميل تلك الأحزاب ( وخاصة الراديكالية منها ) مسؤولية كل ما عرفه العراق من أحداث دموية خلال الخمسين سنة الماضية.. أما الخطوة الأحدث في هجوم أصحاب الانقلاب هي الانتقال للحنين العلني والمكشوف الى أيام الاحتلال الإستعماري. ولا يقتصر الحديث عن الاحتلال البريطاني للعراق، بل وكذلك الاحتلال البريطاني لمصر والاحتلال الفرنسي للجزائر. ولا أستبعد بان تكون الخطوة القريبة التالية هي مطالبة جميع الشعوب التي كانت مستعمرة بالتعويضات المادية والمعنوية للدول الاستعمارية مقابل الخدمات الإنسانية والثقافية والاقتصادية خلال عصور الاستعمار. فيا أعداء الاستعمار اتحدوا ، وهيئوا أموالك المنقولة وغير المنقولة وكونوا مستعدين لكل طارئ. وليس لدي ما اقدمه للمساهمة في المعركة القادمة، إلا هذه الكلمات التي قد تساعد في توضيح بعض المواقف التاريخية التي تم تزويرها أمام المحكمة القادمة !!!

كتب حنا بطاطو في مقالته " عودة الى الطبقات الاجتماعية القديمة " :
" كما كنت واعيا لميولي الفكرية. وحذرت القارئ في المقدمة من انه " في أي عمل تاريخي يقوم به المرء هناك تاريخ، ولكن هناك على الدوام شيئا من ذات المؤرخ أيضا. وهذا أمر لا مناص منه. فالمرء يعرًي، حتى ولو بصورة غير واعية ضيق خبرته، ونواقصه الفكرية والمزاجية. وأنا لم أخفي انحيازي المزاجي لكني حاولت جاهدا ضبطه. وان كانت عواطفي قد انحازت الى جانب الفقراء والمستضعفين فان بالإمكان تلمس ذلك. لكني لم أعمد الى تنضيد الحقائق بما يناسب عواطفي، ليس بصورة واعية على أقل تعليل ".
يجب الاعتراف ان ثورة 14 تموز قد أصابها الكثير من الحيف بسب " الميول الفكرية " و" الانحياز المزاجي " لعدد كبير من الكتاب، من الأنصار ومن المعارضين لها. فالكثير مما كتب عنها كان يخضع للميول الفكرية. واذا كان بطاطو يحذر من تلك الميول التي قد تؤثر " ولو بصورة غير واعية "، فما بالك بالمؤرخ الذي يضع العربة قبل الحصان، و ينساق بوعي تام خلف هواه ويدفع ببحثه قسرا نحو وجهة نظر، كان قد توصل اليها مسبقا في ذهنه؟
لست بحاجة للإعلان عن انحيازي الفكري والمزاجي الى جانب الفقراء وثورتهم. عنوان المقالة لوحده يفصح عن ذلك. ولكني سأعمل جاهدا للحد من تأثيره قدر المستطاع. وقد ارتأيت ان أقدم لهذه المقالة بمقدمة تاريخية، سوف يكون تأثير الميول الفكرية فيها في حددوه الدنيا ، لكنها قد تكون مفيدة للقراء – وأخص بالذكر القراء الشباب الذين أصبحت بالنسبة لهم أحداث العقود الستة الأولى من القرن الماضي تعوم في سديم كثيف - في سعيهم للحصول على إجابات شافية عن أسألة كبيرة ما زالت موضع جدل ونقاش حول ما حدث يوم 14 تموز. تتلخص خطيئة ثورة تموز الأولى، كما يدعي البعض، في كونها شكلت سابقة خطيرة في تاريخ العراق الحديث، عندما فتحت الباب أمام الجيش للتدخل بالسياسة وإدارة شؤون الدولة، والقضاء على المؤسسات الدستورية ، وجعلت " المؤامرة والمغامرة السياسية لحفنة من الحزبيين ومحبي الجاه والسلطة، ولاحقا الإجرام والسرقة أمرا عاديا. ". ( 2 )
هل صحيح كل ما يقال ؟ أقولها بالفم المليان : " لا " وألف ألف " لا "! لكني أعلم جيدا ان ذلك لن يغير من الأمر شيئا، وإلا فقد كان غيري أشطر. وغيري كثيرون جدا وأكثر مني معرفة ودراية وحنكة. هناك الكثيرون ممن سوف يقولون وبالفم المليان أيضا : " نعم "! الفيصل والحكم الوحيد الذي يمكن أن يساعد القارئ على اختيار الجواب الصحيح هو التاريخ. فدعونا نحتكم اليه، ليس فقط من أجل تقويمه وتنقيته من ما علق به من أوهام ناتجة عن الميول الفكرية والمصالح الذاتية والفئوية، بل ومن أجل معرفة وفهم واقعنا ومستقبلنا بطريقة أفضل. وبذا يمكن ان نجد لنا موقعا بين ، الذين يسعون جاهدين من أجل بناء وطن من نمط جديد، يكون قادرا على ردم الهوة الكبيرة التي ما زالت تفصله عن ركب الحضارة. ما سوف أقدمه ليس عرضا لتاريخ الجيش العراقي، بل سأقتصر على ما يخص علاقة الجيش بالدولة ودوره في الحياة السياسية والمدنية خلال العهد الملكي :
***
انتهت ثورة العشرين دون ان تحقق معظم الأهداف التي قامت من أجلها. وبعد ان تسنى للقوات البريطانية بسط نفوذها على جميع مناطق العراق دعى وزير المستعمرات البريطاني تشرشل الى عقد مؤتمر للبحث في مستقبل العراق. في آذار 1921عقد مؤتمر القاهرة الذي خصص للبحث في مستقبل العراق. وفي 23 آب 1921 تم تتويج الملك فيصل الأول ملكا على العراق، بعد ان أعلن المندوب البريطاني عن مبايعته من قبل 96 % من العراقيين، بالرغم من ان الكثير من الشخصيات المعروفة لم تكن مع تلك المبايعة، وعدم مشاركة بعض الألوية (المحافظات ) فيها . وبهذا تكون بريطانيا الديمقراطية قامت بأول عملية تزوير رسمية " شفافة " لإرادة الشعب العراقي. وبهذه العملية تكون الدولة الوليدة قد أنجزت خطوتها الأولى في مسيرة طويلة لإرساء تقاليد في العمل السياسي بعيدة كل البعد عن الممارسة الديمقراطية، وفتحت الباب أمام المزورين من الملوك والرؤساء، ورؤساء الوزارات وكبار المسئولين للقيام بعمليات تزوير من كل نوع. كانت بريطانيا تريد من هذه العملية ان توصل للعراقيين رسالتها الأولى وهي: " لا يصح إلا الصحيح ". والصحيح هو ما يخدم مصالحها ويعزز نفوذها. أرادت ان يكون نظام الحكم نظام ملكي فكان لها ذلك. مع العلم ان العراقيين لم يكونوا مجمعين على مثل هذا النظام. وكان في مقدمة الداعين الى النظام الجمهوري مجيد الشاوي، ومحمود النقيب، توفيق الخالدي، و ناجي شوكت. كانت مبايعة الملك مشروطة بالعمل على تحقيق الاستقلال التام عن بريطانيا وانتخاب المجلس التأسيسي وإعداد الدستور خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر بعد إعلان المبايعة.. شعر العراقيون ان بريطانيا ومعها رجال الحكم الجدد يماطلون في تحقيق مطالبهم. في خريف 1922 أشارت بعض الصحف العربية الى ان مجموعة من علماء الدين في بغداد والنجف وكربلاء " تفتي بخلع الملك فيصل الأول ". و كان الشيخ مهدي الخالصي قد أعلن قبل ذلك عن بطلان مبايعة الملك بعد أن أخل بتعهداته ولم يلتزم بشروط مبايعته (5). وقد كان ذلك الموقف يشكل رسالة للمحتلين والملك. لقد أراد العراقيون أن يذكروا الملك بان بين الحاكم والمحكوم عهد ينبغي احترامه. أما رسالتهم الى المحتلين فكانت تنطوي على تحذير من ان العراق وان خمدت ثورته قبل ان تحقق أهدافها لقادر على ان يدافع عن حقوقه بأية وسيلة يختارها!! عادت الأصوات المطالبة بالنظام الجمهوري تتعالى من جديد. وكان على المسئولين اتخاذ ما يلزم لمواجهة الأمر.. صدر الأمر للعسكر للقيام بما ينبغي. في يوم 25/2/1924 تم اغتيال توفيق الخالدي. وقد توجهت أصابع الاتهام في حينها الى نوري السعيد و صهره جعفر العسكري. وقيل ان الملك كان ضالعا بتلك العملية أيضا. نستطيع القول ان تلك العملية كانت أول انقلاب عسكري في العراق الحديث. وقد ساهمت بتمتين العلاقة بين القصر ونوري السعيد، لكنها في نفس الوقت كانت تحمل رسالة بليغة للجميع : لا صوت يعلو فوق صوت بريطانيا العظمى ومن يدور في فلكها..
لقد شكلت تلك العملية خطوة هامة على طريق " شرعنة " استخدام العنف والقوة بين الخصوم السياسيين، واستخدام أساليب غير شرعية (تتنافى مع جوهر وروحية النظام الدستوري الذي كان في بداية صيرورته ) في حسم الصراع السياسي... وشكلت تلك السنوات مرحلة " البروفات " لتدريب الرجل الذي سوف تكون له الباع الأطول والأقوى والتي سوف تتحكم برقاب العراقيين على مدى العقود الثلاثة القادمة. انه الجنرال نوري السعيد، الذي ورث الكثير من التعاليم والتقاليد العسكرية عن الجيش العثماني، والتي بمجملها ساهمت في تعزيز النزعة التسلطية والاستبدادية عند الرجل.
كان من الممكن غض النظر عن الكثير من الخروقات الدستورية وذلك وفق حكمة قديمة تقول " للضرورة أحكامها ". غير ان عوامل كانت تدفع أكثر فأكثر في اتجاه تحويل تلك الممارسات الفردية الى نمط جديد ونهج ثابت في أسلوب إدارة الدولة و ممارسة الحكم. كانت بريطانيا في سباق مع الزمن من أجل " شرعنة " تواجدها في البلاد وبالشكل الذي يضمن حقوقها و مصالحها. وكان لها ما أرادت وذلك من خلال ابرام عدد من الاتفاقيات، وكان آخرها معاهدة 1930، التي أثارت استياء الكثير من الأوساط السياسية.. كانت الأمور تسير باتجاه نشوء نظام قائم على مبدأ الصراع بين مجموعتين سياسيتين مهمتين : الحكم والمعارضة، كما هو الحال في أنظمة الحكم الدستورية. وكان من الواضح ان العراقيين قد ابدوا استعدادهم الكامل للانخراط في اللعبة السياسية القائمة على ذلك المبدأ. ولكن نظام كهذا لم يكن يتناسب مع أهواء بريطانيا والحكم الملكي. مع الشروع في الإعداد لمعاهدة 1930 بدأت بوادر انشقاق واضح في صفوف الفئات الحاكمة، حيث برز تياران أساسيان: الأول كان يرى ان ضمانة أمن العراق وتطوره مرهون بتقوية روابطه مع بريطانيا العظمى. في حين ان التيار الثاني كان يقترب أكثر فأكثر من مطالب المعارضة. لقد ساهمت هذه التطورات في نشوء قناعة لدى المسئولين بضرورة الاعتماد على القوة، وخاصة الجيش ، والتوجه نحو تعزيز النظام الإقطاعي العشائري الذي كان في طور النمو. وهكذا أرسيت إستراتيجية نظام الحكم في حفظ الأمن وضمان الاستقرار في الداخل، والتي تقوم على استخدام الجيش وزعماء العشائر، كلما اقتضى الأمر.
عامل مهم آخر ترك تأثيره على دور الجيش في الدولة وعلى عقلية وسلوك ضباطه. لقد أنيطت بالجيش، خلافا لما هي عليه الجيوش في أنحاء العالم، مهمة حماية البلاد من الأعداء الداخليين، في حين ان مهمة التصدي للعدو الخارجي تركت للقوات البريطانية. وقد عبر الملك فيصل عن ذلك بصراحة : " إنني لا أطلب من الجيش أن يقوم بحفظ الأمن الخارجي في الوقت الحاضر الذي سوف تتطلبه منه بعد إعلان الخدمة العامة. أما ما أطلبه منه الآن هو أن يكون مستعداً لإخماد ثورتين تقعان، لا سمح الله، في آن واحد في منطقتين بعيدتين عن بعضهما " . (4) كنت في السابق أعتقد ان هذه الفلسفة العسكرية من ابتكار الملك فيصل نفسه، لكن السيد حامد الحمداني يؤكد في كتابه الذي صدر مؤخرا " صفحات من تاريخ العراق الحديث " الى انها فلسفة بريطانية بحتة، حيث تم تحديد مهمة الجيش العراقي في ؤتمر القاهرة الذي عقد في آذار عام 1921 للبحث في مستقبل العراق. لقد تمت الموافقة على تأسيس جيش عراقي قوامه 15 ألف جندي وإناطة الأمن الداخلي به... وكانت الحكومة البريطانية قد بدأت فعلا بتأليف نواة لجيش عراقي في 6 كانون ثاني 1921، للقيام بمهمة حفظ الأمن الداخلي، مؤلفا من 24 فوجا..." – ص 43 -
لم يخطر على بال الملك المسكين انه قد يكون هو " الثورة المضادة " الأولى، التي ينبغي على الجيش إخمادها. فقد كان الضحية الأولى للانقلاب العسكري التالي، والذي كان من تدبير نفس الجنرال وبتوجيه من البريطانيين أيضا، حيث توفي في سويسرا ، التي وصل اليها للعلاج، في أيلول 1933. مع وصول الملك غازي الى القصر بدأت مرحلة من الاضطرابات وعدم الاستقرار، وأخذ تدخل الجيش في شؤون إدارة الدولة يتزايد باستمرار. وكان التنافس بين رجال الحكم من اجل تقاسم الثروة ومراكز النفوذ على أشده. وكانت علاقة الملك الشاب مع الحكومات المتعاقبة ومع الانجليز في تدهور متواصل. وقد جرى الحديث عن أكثر من محاولة انقلابية، وعن محاولة ياسين الهاشمي لتدبير انقلاب يطيح بالملك ويعلن عن إقامة نظام جمهوري برئاسته. على الصعيد الآخر شهد العراق خلال عقده الأول تطورات مهمة على صعيد العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. فقد أخذت تظهر وتنمو فئات اجتماعية جديدة وبدأت بوادر مؤسسات المجتمع المدني بالانتشار، وفي الثلاثينات بدأت بالظهور جمعيات سياسية علنية ، وراحت تتشكل بوادر معارضة سياسية من نمط جديد و خارج رحم النظام السياسي.وفي هذه المرحلة بالذات ظهر الحزب الشيوعي كقوة سياسية معارضة جديدة .. كل هذه التطورات وضعت الطاقم الحاكم بين خيارين : الأول إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية سريعة تتماشى مع التطور الذي شهده المجتمع وتأخذ بنظر الاعتبار مصالح الفئات الجديدة، وتقود الى بناء دولة عصرية دستورية، أو الوقوف بحزم ضد النزعات الإصلاحية والوطنية. وقد اختار النظام الحاكم الطريق الثاني. وكان هذا الطريق بحاجة ماسة الى مزيد من العنف لحفظ الأمن والاستقرار وشهد الريف العراقي اضطرابات عنيفة في مناطق مختلفة من العراق، فلجأت الحكومة إلى إصدار قانون " دعاوي العشائر"، الذي خول الإقطاعيين صلاحيات كاملة لبسط نفوذهم على الريف، بما في ذلك تشكيل وحدات مسلحة وفتح سجون في مناطقهم . وهي سجون من نوع خاص عادت بالعراق الى عصور ما قبل التاريخ، حيث كان القانون أيضا يخول أصحاب الأراضي والأسياد بإنشاء سجون للعبيد الفارين وللمدينين العاجزين عن تسديد ديونهم..
في مثل تلك الأجواء المشحونة حدث انقلاب بكر صدقي، الذي غالبا ما يشار اليه بكونه أول انقلاب عسكري في العراق وفي المنطقة. وتشير كل الأدلة الى ضلوع الملك غازي في هذا الانقلاب، الذي حدث " بعد ان نفذ صبر الجيش العراقي من الأوضاع التي يعاني منها أبناء الشعب بسبب تصرفات الحكومة التي لا هم لها سوى المصالح الشخصية "، كما ورد في البيان الأول.. وقيل ان الانقلاب حدث بعلم جماعة الأهالي ومساندتها، وخاصة كامل الجادرجي، الذي أصبح وزيرا في وزارة حكمت سليمان.. كما أعلن الشيوعيون عن مساندتهم لحكومة الإنقلاب . (5)
ولكن قبل ذلك كان العقيد بكر صدقي قد ذاع صيته بعد النجاح الكبير الذي حققه في قمع انتفاضة الآشوريين في1933، ومن ثم كان على رأس الحملات العسكرية لقمع هبات الفلاحين في الفرات الأوسط في 1935.
في آب 1937 كان بكر صدقي ضحية الانقلاب التالي، حيث تم اغتياله بيد رفاقه العسكر في مدينة الموصل، وبتدبير من السفارة البريطانية ونوري السعيد، وبمساعدة مجموعة من العسكريين القوميين.. بعدها أعلن العمري، قائد الفرقة الأولى التي كان مقرها في الموصل، العصيان واصدر بيانا جاء فيه : " لقد أعلن الجيش عصيانه ... ونحن انفصلنا عن بغداد ". بعد استقالة حكمت سليمان انتقلت رئاسة الوزارة الى جميل المدفعي، وهو ضابط معروف ورجل سياسة. أراد المدفعي ان يثبت للشعب بانه يحكم باسمه وليس باسم الجيش، حتى وان كان لقبه " المدفعي "، فأعلن عن عزمه على منع الجيش من التدخل في السياسة. ولكن الرياح جاءت بما لا يشتهي المدفعي. في عام 1938 أعلنت مجموعة من سبع ضباط ( عرفت فيما بعد باسم المجموعة السبعة ) ، عن عزمها " على إنقاذ البلاد من الفاسدين ". في نهاية 1938 قام المدفعي بإجراء تعديل وزاري، تم بموجبه تعيين الضابط صبيح نجيب وزيرا للدفاع. وفي أول تصريح له أعلن بانه سيعمل جاهدا من " خلال منصبه كوزير للدفاع ان يفرض سلطة الحكومة على الجيش"!!! أثار هذا التصريح حفيظة الضباط. على إثر ذلك تحركت بعض القطعات العسكرية وأجبرت المدفعي على تقديم استقالته، واختيار نوري السعيد خليفة له... للتاريخ نقول ان فخامة السعيد تردد في قبول المنصب الجديد وتمنع كثيرا بسبب رفضه لتدخل الجيش في السياسة. لكنه اضطر لقبول العرض بعد ان أعلن الأمير زيد، عم الملك، أمام البرلمان ان جلالته قد اختاره بمقتضى الدستور ، وليس بناء على رغبة الجيش. ولكن كانت للعقيد صلاح الدين الصباغ ( أحد أعضاء المجموعة السبعة ) وجهة نظر أخرى، حيث أعلن عن وجود اتفاق بين مجموعته، وهي الجهة التي أصرت على تسليم الحكومة لنوري ، وبين هذا الأخير ينص على " تخويل الجيش صلاحية إبداء الرأي في كل أمر يتعلق باستقالة الوزارات وقيامها وفي انتقاء رؤسائها ".
بعد عامين سقط الملك غازي مضرجا بدمائه بعد تعرضه لعملية اغتيال بشعة، قيل في حينها انها كانت من تدبير نفس الجهات التي قامت بتصفية والده، وهم البريطانيون والجنرال نوري السعيد،. وقد انضم اليهم هذه المرة عبد الإله، الذي أصبح وصيا على العراق بعد رحيل الملك المغدور.
لن نتوقف طويلا عند انقلاب العقداء الأربعة وأحداث 1941 الدامية ودور الجيش البريطاني في قمع انتفاضة رشيد عالي الكيلاني. ولن نتوقف عند الأحداث العاصفة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وسنوات ما بعد الحرب، والتي شهدت توريط الجيش أكثر من مرة لمواجهة استياء الشعب من تردي الأوضاع السياسية والأمنية والمعاشية. وزج الجيش في قمع الانتفاضات التالية التي حدثت في 1948 و 1952 و1956...
كان لا بد لهذه المسيرة العسكرية الطويلة ان تترك أثرها الكبير على طبيعة الدولة وعلى المجتمع وعلى عقلية وسلوك الناس من الحكام والمحكومين. لم يعد تدخل العسكريين في السياسة يشكل ظاهرة استثنائية تثير الانتباه، بل أصبحت هي القاعدة.
هكذا أصبح العسكر يتصدرون قائمة اللاعبين الأساسيين في اللعبة السياسية. وكانوا في حالات غير نادرة يشكلون الطاقم السياسي الأساسي في البلاد، وخاصة عندما يفرغ الملعب قسرا من لاعبيه المدنيين المحترفين، عندما يزج بهم في المعتقلات والسجون وتعطل أحزابهم وتغلق صحفهم ويرتفع سيف الحاكم العرفي ليقضي على معالم المؤسسات الدستورية وما تبقى من منظمات المجتمع المدني. وحالات كهذه لم تكن نادرة الحصول وعرضية، بل كانت سمة ملازمة للدولة العراقية..
وهكذا، لم يعد تدخل العسكريين في الحياة السياسية يقتصر على استخدام العنف في التغيير السياسي بين الأطراف المتصارعة، أو استخدام الجيش كقوة ضاربة لقمع المظاهرات والإضرابات ، بل أصبحوا طرفا فاعلا في الحياة السياسية. كانت لهم أحزابهم وتحالفاتهم وبرامجهم السياسية والاقتصادية
لو اكتفينا بهذا العرض سنكون قد نقلنا صورة كاريكاتورية مشوهة عن الجيش. لكنا منذ البداية أكدنا ان هدفنا من هذه المقدمة هو الوقوف على السياسة التي انتهجها المسئولون تجاه الجيش ونظرتهم الى دوره في الحياة السياسية. ولكن الأحداث لم تكن تتطور فقط وفق رغبات النظام الحاكم. فقد كان للأحداث السياسية والتحولات الاجتماعية تأثيرها الكبير على الجيش . كانت الأوضاع وتطورها تدفع الضباط الى التفكير في المشاركة بأي عمل يمكن ان يساهم في إحداث التغيير. كان المزاج الثوري داخل الجيش ينمو تدريجيا. وقد ساهمت أحداث 1941 و انتفاضة 1948 وحرب فلسطين ومن ثم انتفاضة 1953 وتدهور الوضع الاقتصادي وتأزم العلاقة بين المعارضة والنظام الى دفع عدد من الضباط للجوء الى العمل السري. وقد تركت ثورة يوليو في مصر وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر وإصرار السلطة على انتهاج سياسية معادية لمصالح العراق والأمة العربية، من خلال ربط العراق بمزيد من الأحلاف العسكرية ، كل هذا كان يدفع بالضباط الوطنيين الى تقريب موعد الانقلاب الذي كانت فكرته قد اختمرت جيدا، وبالصيغة التي عرفها الشعب صبيحة يوم الرابع عشر من تموز 1958 !!!.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - وجهة نظر
ابا الغيث ( 2009 / 7 / 13 - 03:38 )
سيدي الكريم , ان سمحت لي ان ابين وجهة نظري في الموضوع , اشرت الى اناطة الامن الداخلي الى الجيش , ما هو حجم التهديد الداخلي والمدفوع اساسا من تركيا وايران يضاف لهم العصابات الوهابية التي كانت تفتك بالشيعة في الجنوب ولكل منهم اطماعه بالعراق فهل كان العراق يومها قادر على ان يواجه وحده كل تلك الاخطار ؟ لقد اظطهد الاتراك العراقيين وجاءت بريطانيا , وطبعا لمصلحتها بالدرجة الاولى , وحررت العراق من الاتراك واعادته الى ما كان عليه منذ القدم دولة واحدة ونقلته قرن واحدا على اقل تقدير الى الامام , فماذا كانت النتيجة؟ الثورة ضد الانكليز عام 1919 في الشمال و1920 في الجنوب ؟ ماذا كانت تريد المعارضة؟ العلنا كنا قادرين ان نسير لوحدنا بين كل تلك الاخطار؟ يبقى شيء واحد : خبر الثورة او الانقلاب كان قد تسرب قبل ما يقارب من 3 سنوات من وقوعه داخل وخارج العراق فهل كانت اميركا وبريطانيا جاهلتين بالموضوع ؟ اترك للباحثين مراجعة هذا الموضوع . تقبل احترامي


2 - هل كانت بريطانيا جادة لبناء دولة عراقية ديمقراطية حديثة
اسماعيل الجبوري ( 2009 / 7 / 13 - 12:53 )
نعم ان بريطانيا قامت بتاسيس الدولة العراقية وفق ما تطلبت مصالحها آنذاك وقامت بتاسيس مؤسسات اقتصادية وسياسية وبنى تحتية وشرعت دستورا كان متقدما ولو طبق هذا الدستور لكان العراق اليوم في مصافي الدول المتقدمة بالعالم سياسيا واقتصاديا وصناعيا وزراعيا واجتماعيا ولكن للاسف وضع هذا الدستور بعد الثلاثينيات على الرف ووضع مصير العراق تحت جزمات العسكر ويحكم بقوانين الطوارئ . وكان نوري السعيد وعبدالله هم عرابوا هذه السياسة. بريطانيا كان بامكانها بناء دولة ديمقراطية من خلال بناء بنية اقتصادية اجتماعية راسمالية وليس من من خلال بنية اقتصادية عشائرية متخلفة. الاقطاعين والعشائر لايبنون مؤسسات ديمقراطية والديمقراطية بنيت في بريطانيا من قبل المنظومة الراسمالية وكل الدول الديمقراطية بنتها الراسمالية. ثم الديمقراطية يبنيها الديمقراطيون وليس العساكر العصملين امثال نوري السعيد وهو من بقايا ضباط الجندرمة العثمانية والذي كان دوره ابان النظام الملكي كبلطجي وكان اداة بيد البريطانيين ويتم اسدعائه لتسلم رئاسة الوزراء لقمع اي تحرك شعبي . انا اعتبر نوري السعيد بلطجي النظام الملكي وصدام بلطجي النظام الجمهوري . ان الذين دمروا العراق منذ تاسيس الدولة العراقية ولحد يوم التحرير هم نوري السعيد وصدام حسين. الف تح

اخر الافلام

.. الرئيس الأمريكي يعلن عن فرض حزمة من العقوبات على روسيا.. كيف


.. التوتر بين أوكرانيا وروسيا: ما الهدف من زيارة زيلينسكي إلى ب


.. فرنسا: شاهد جانبا من زيارة الرئيس الأوكراني وزوجته إلى قصر ا




.. تبون يحذر: -الجزائر ضحية مخططات ومؤامرات-


.. حرب اليمن: يوم دموي عاشته مدينة مأرب