الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في الدين والدولة والعلمانية

عبد الرحمن دارا سليمان

2009 / 8 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


إن سيطرة الفكرة الدينية على الدولة لا تقل خطورة عن سيطرة الدولة ومحاربتها للدين ، ففي الحالة الأولى، تؤدي إلى انتفاء الحاجة والدافع إلى بناء المؤسسات القانونية الوضعية وعدم الاعتماد عليها كمصدر أساسي لتوليد وتعميق وترسيخ القيم المدنية، وبالتالي تبديد التراكم الحقيقي للتقاليد السياسية الضرورية للتفاهم والبناء والتقدم، والقضاء على أي محاولة من محاولات التجديد لمعنى السياسة والغرض منها، وكذلك حرمان المجتمع من فهمها واكتشافها وفك ألغازها والمساهمة في تطويرها . كما ستؤدي أيضا تبعية الدولة للدين، إلى جمودها وتكلسها وتخبطها المستمر، نتيجة التأويلات والتفسيرات المتعددة والمتضاربة في تسيير شؤون السياسة والإدارة العامة، وخضوعها للاجتهادات الشخصية في غياب وتمييع فكرة المؤسسة والقانون .

وفي الحالة الثانية ، تؤدي سيطرة الدولة على الدين ، إلى عودة الجماعات المتنافسة سياسيا والمتصارعة حول السلطة والنفوذ، لتوظيف العصبيات الدينية في اللعبة السياسية وخلق سلطات سيادية موازية داخل المجتمع، ومنافسة للدولة في الخفاء أو العلن ، الأمر الذي سينتج القسر والقهر والإكراه والاستبداد بهدف قمع تلك الجماعات وإخضاعها عنوة، وهو ما حصل بالضبط في نموذج العلمانية المبتذلة والمشوهة، التي شهدها الاتحاد السوفييتي السابق ودول المعسكر الشرقي .

وكما أن الدولة الثيوقراطية في الحالة الأولى ، لا مستقبل لها ضمن الدورة السياسية الحديثة، ولا مكان لها في الخارطة السياسية الدولية، وسيؤدي بها الأمر حتما إلى العزلة والانكماش ومن ثم الزوال ، فالدولة "الملحدة" في الحالة الثانية، ستخرج لا محالة من حياديتها المفترضة إزاء المعتقدات والأديان والآراء المختلفة، حين تقحم نفسها كطرف في تلك الصراعات التي ينبغي أن تترك للزمن والتاريخ، وبالتالي سيكون هدفها هو فصل الدين عن المجتمع، وليس فصل الدين عن الدولة كما هو مطلوب .

فالدولة المحررة من الدين من جهة، ومن التعسف والاستبداد والطغيان السياسي من جهة أخرى، هي التي يمكن أن نصفها بالدولة العلمانية، والتي ستكون الأساس والمنطلق للتحولات الديمقراطية المنشودة ، وإعادة بناء السياسة والدولة والمجتمع ، بما تنطوي عليه من رؤى وتصورات عقلانية في التفكير والممارسة السياسية والاجتماعية معا .

إن الانطلاق من المقولات الجاهزة والمجتزئة حول العلمانية كما يجري اليوم، وكما تعودنا في الفكر السياسي المألوف والموروث، لا يشوه المفهوم فحسب، وإنما يتغاضى النظر عن طبيعة ومستوى الواقع الذي تسعى العلمانية إلى مواجهته وتقديم واقتراح الحلول الممكنة والمناسبة لمعالجته . إذ بدون تحليل الواقع الاجتماعي كما هو، وفهم تناقضاته الآنية والبعيدة في القدم، والقبول والاعتراف بشرعية المشاكل الداخلية العميقة التي تطرحها فئاته المتنازعة، وإعادة تنظيم السلطات الاجتماعية وحدود صلاحياتها، والوصول إلى صيغ وتسويات وتنازلات متبادلة بشأنها ، ستبقى الحلول المطروحة خارجية وسطحية ومؤقتة ، قد تسكن الألم حينا، ولكنها لا تعالج المرض .

فلا الذين يرفضون العلمانية جملة وتفصيلا ويكفروها ويرتاعون من مجرد ذكرها ، ولا الذين يقدمون صورا مشوهة عن هذا الواقع الاجتماعي المركب والمتحول أبدا ، يدركون أن جوهر العلمانية كنظرية هو فهم الواقع الاجتماعي الذي أمامنا، والذي نراه كل يوم ونعيش ونتخبط بين تناقضاته ونعجز عن تفسيره .

فالدولة الحديثة ، دولة القانون والمؤسسات والمواطنين الأحرار ، هي كائن مجرد يقوم على عقد اجتماعي سياسي يتمثل في الدستور الذي هو بمثابة القانون الأساسي والعمود الفقري لها، والتي تقف وينبغي أن تقف على الحياد من جميع الأديان والمعتقدات، وتنشأ أساسا على مبادئها المعروفة في المساواة والحرية واحترام حقوق الإنسان، بغض النظر عن الدين والقومية والطائفة والمذهب واللون والجنس والمعتقدات الأخرى .

ولا يمكن بأي حال من الأحوال إعادة اختراع هذه الدولة الحديثة عربيا أو إسلاميا مرة أخرى ومن جديد، ولكن الممكن فقط ، هو ابتكار الصيغ والأشكال والمسارات المناسبة محليا للوصول إلى فصل الدين عن الدولة . فهي على وضعها الحالي ومنذ عقود طويلة، ليست دولا دينية ولا مدنية ولا حديثة ولا أي شيء آخر، وإنما هي تجميع بائس ومضحك للتعبير عن الحنين إلى بقايا السلطنات والإمبراطوريات المقدسة القديمة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الى الاستاذ عبد الرحمن
نورا دندشي ( 2009 / 8 / 11 - 19:40 )
دائما مصيبا في تحليلك ربما كتاباتك من اكثر الكتابات تشريحا للواقع فعلا مع بدايات ظهور الحركات التحررية فقدنا معها الهوية فلم نعد دولا دينية ولم نتمكن من الوصول الى الدولة المدنية بالشكل المطلوب او ربما نتيجة لهذا التخبط ما بين الافكار التحررية وبين التمسك بالموروث خلق دول مشوهة التكوين


2 - التحليل الملموس للواقع المحسوس
وسيم المغربي ( 2009 / 8 / 11 - 21:10 )
السيد عبد الرحمن دارا سليمان المحترم
اشكرك على هذه المقالة المفيدة و الممتعة و التي تظهر بجلاء ووضوح طريق العلمانية الحقة .
دعني انقل عنك ما يلي

فالدولة الحديثة ، دولة القانون والمؤسسات والمواطنين الأحرار ، هي كائن مجرد يقوم على عقد اجتماعي سياسي يتمثل في الدستور الذي هو بمثابة القانون الأساسي والعمود الفقري لها، والتي تقف وينبغي أن تقف على الحياد من جميع الأديان والمعتقدات، وتنشأ أساسا على مبادئها المعروفة في المساواة والحرية واحترام حقوق الإنسان، بغض النظر عن الدين والقومية والطائفة والمذهب واللون والجنس والمعتقدات الأخرى .

استاذي الكريم هذه هي الدولة العلمانية الحقة

كما اعجبني حديثك عن ضرورة الانطلاق من الواقع الملموس من اجل انتاج افضل و ارقى الحلول
و انقل عنك ما بلي
إن الانطلاق من المقولات الجاهزة والمجتزئة حول العلمانية كما يجري اليوم، وكما تعودنا في الفكر السياسي المألوف والموروث، لا يشوه المفهوم فحسب، وإنما يتغاضى النظر عن طبيعة ومستوى الواقع الذي تسعى العلمانية إلى مواجهته وتقديم واقتراح الحلول الممكنة والمناسبة لمعالجته . إذ بدون تحليل الواقع الاجتماعي كما هو، وفهم تناقضاته الآنية والبعيدة في القدم، والقبول والاعتراف بشرعية المشاكل الداخلية


3 - علمانيه نوع ثالث
مصلح المعمار ( 2009 / 8 / 12 - 01:22 )
ان نموذج العلمانيه الذي قدمته في مقالتك الرائعه يا استاذ عبد الرحمن وخاصة بقولك : (لكن الممكن فقط ، هو ابتكار الصيغ والأشكال والمسارات المناسبة محليا للوصول إلى فصل الدين عن الدولة) .هو النموذج المثالي الصحيح الذي يجب تعميمه وآلأستفادة منه لكافة البلدان التي تطمح بتطبيق العلمانيه ، والحقيقه ان لم يتم الأسراع بأبتكار الصيغ التي اشرت لها سيكون من الصعب جدا تطبيق العلمانيه في الدول العربيه مستقبلا لأزدياد يوم بعد يوم عدد المنادين بالأسلام السياسي ، وكان بودي لو تطرقت يا استاذنا الكريم الى حاله ثالثه هي وجود العلمانيه في بعض الدول ووجود ايضا صيغ عزلت الدين عن الدوله لكن المتدينين المتشددين يرون ان مبدأ العلمانيه لا يتفق مع افكارهم وتعاليمهم الدينيه كالتعاليم الأسلاميه مثلا ، فهنا يبدأ الدور التنافسي لأزالة العلمانيه وآحلال محلها الشريعه الأسلاميه ، وبهذا يبرز سؤال ، لماذا نجهد انفسنا اساسا لتطبيق العلمانيه ما دمنا نعلم بأن مصيرها هو الفشل مع تعاليم الدين الأسلامي ، ولماذا يستحي المسلم بتطبيق شريعة الاهه ؟ هل هي شريعة ناقصة ليحل محلها نظام بشري ؟ انني ارى ان المسلم الذي لا يطبق شرائع القرآن التي ترسم له كل شيئ في حياته ليس بمسلم صادق ، وآن بن لادن وآلزرقاوي هم المسلمون الحقيقيون ، تحياتي

اخر الافلام

.. حركة طالبان تتبنى الهجوم داخل مسجد في مدينة بيشاور الباكستان


.. مسلمون في الدنمارك يحتجون على حرق نسخة من القرآن الكريم




.. المصريون كانوا بيحبوا آل البيت وصلاح الدين عزز من المذهب الص


.. مختلف عليه.. هل فشلت العلمانية؟




.. جدل في السودان في اعقاب فتوى تجيز للرجل -الزواج سرا-