الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حل المسألة الكردية في تركيا .. استحقاق كبير لم تتضح معالمه بعد

عبدالباسط سيدا

2009 / 10 / 9
القضية الكردية


وأخيراً قرر رئيس الحكومة التركية، زعيم حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان تجاوز التوجس والتردد، وأقدم على خطوة جريئة غير مسبوقة في الحياة التركية المعاصرة، خطوة تمثلت في اجتماعه مع أحمد تورك رئيس حزب المجتمع الديمقراطي الذي يُعتبر أكبر حزب سياسي كردي علني في تركيا، له كتلة برلمانية ، وتمكّن في الانتخابات البلدية الأخيرة من تسلّم رئاسة أكثر من 100 بلدية في كردستان- تركيا، وهي المناطق التي تعرف في القاموس التركي السياسي الرسمي بجنوب شرق البلاد أو شرقي الأناضول.



وقد سبقت هذه الخطوة سلسلة خطوات تمهيدية من بينها الاعتراف بحق الكرد في تعلّم لغتهم - من دون أي التزام بذلك من قبل التعليم الرسمي- والسماح بدور النشر الكردية؛ إلى جانب رفع الحظر عن المهرجانات الثقافية الكردية، والعمل من أجل فتح أقسام تعليم اللغة الكردية في بعض الجامعات. أما الخطوة الأبرز في هذا المنحى فقد تجسدت في إقدام الحكومة نفسها على إطلاق القناة الفضائية (TRT6) الناطقة باللغة الكردية على مدار الساعة، الأمر الذي كان موضع تقدير عام من قبل الشعب الكردي الذي رحب بالخطوة، على الرغم من كونها جاءت متأخرة. كما أن الخطوة ذاتها كانت في منظور المنفتحين ذهنياً من النخب الثقافية والسياسية تركية حلقة تمهيدية في عملية تهيئة الرأي العام التركي لتعامل جديد مع المسألة الكردية في تركيا، يقطع مع المنظومة المفهومية الكمالية التي التزمت على مدى أكثر من ستة عقود إيديولوجية الإنكار المطلق لا للحق الكردي فحسب، بل للوجود الكردي نفسه. وقد سعى حماة المنظومة المعنية في مؤسسة الجيش باستمرار من أجل تدبير المكائد، واعتماد العمليات القذرة ، واستخدام كل وسائل البطش والتنكيل والتشريد بحق الكرد، هذا إلى جانب تنسيقها المستمر- عبر الحكومات التي كانت تدور في فلكها وتلتزم أوامرها- مع الدول المعنية بالمسألة الكردية (تركيا، إيران، العراق، سورية) بغية المصادرة على أي نزوع تحرري في أي مكان من العالم يرمي إلى رفع الحيف المفروض على الشعب الكردي، والاعتراف بحقوقه القومية المشروعة.لكن الذي حصل هو أن التطورات الدولية والإقليمية، والتغيّرات الكبرى في الداخل التركي نفسه، إلى جانب الفضائح المجلجلة التي هزت أركان المؤسسة العسكرية التركية، خاصة تلك المعروفة بقضية “أرغنكون”؛ كل هذه التطورات وغيرها أدت بتفاعلاتها وتداعياتها إلى بلورة ملامح تعامل جاد مع المسألة الكردية في تركيا لم تشهده البلاد منذ تأسيس الجمهورية التركية. فعلى الصعيد الدولي، يبدو أن الإدارة الأمريكية باتت مضطرة أكثر من أي وقت مضى- وبناء على حسابات إستراتيجية- إلى التنسيق مع الموقف الأوربي الرسمي، وأخذ الرأي العام الأوربي على المستوى الشعبي بعين الاعتبار؛ وهذا فحواه التخلي عن السياسة القديمة المعهودة التي كانت تقوم على أساس التغاضي عن تجاوزات مؤسسة الجيش التركي، بما في ذلك لجوء هذه الأخيرة إلى الانقلابات العسكرية، وتقديم نفسها بوصفها المنقذ الحامي. فالوضعية الدولية الجديدة لم تعد تتحمل أمريكياً الانقلابات العسكرية في البلدان الإقليمية الكبيرة مثل تركيا وباكستان ومصر، الأمر الذي يستوجب ضرورة التعامل والتفاعل مع المعطيات الانتخابية بغية إسباغ شيء من المشروعية على جهود التوجيه والتأثير، ومحاولات الاحتواء في حال الإمكان. أما على الصعيد الإقليمي، فقد أدت التغيرات السريعة الجذرية التي شهدها كل من العراق وأفغانستان إلى خلخلة عامة في معادلات التوازن التي كانت تنتظم الأوضاع بموجبها في المنطقة؛ وبرزت عناصر جديدة- قديمة كانت مغيّبة فيما مضى نتيجة تناغم وتقاطع المصالح بين الدول الإقليمية والقوى الدولية المؤثرة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية؛ ويُشار هنا بصورة خاصة إلى العنصر الكردي الذي نعتقد أنه قد بات عاملاً أصيلاً من بين العوامل الأصيلة الأخرى المعتمدة إقليميا ودولياً لإعادة التوازن إلى المعادلات التي ستسير بموجبها المنطقة. وهذا مؤداه ضرورة إعادة النظر في الموقف الرسمي التركي الذي كان يُعد إلى حين، وفق منظور المؤسسة العسكرية التركية، من المسلمات المحرمات التي لا يجوز مجرد الخوض فيها أو مقاربتها بأي شكل من الأشكال. والجدير بالذكر في هذا السياق هو أن لبّ الموقف المعني هنا كان يتلخص في إنكار الوجود الكردي ، والإصرار على الأصل التركي لأكثر من 20 مليونا يعيشون في شرق الأناضول، وذلك وفق مصطلحات السياسة الرسمية التركية؛ وهذا الإنكار إيديولوجي سياسي استحدثه مصطفى كمال واعتمده لاحقاً، بعد أن تمكّن من ترسيخ حكمه بإسهام كردي لافت، تؤكده الوثائق والشهادات. وبالتزامن مع المعطيات الدولية والإقليمية المأتي على ذكرها، شهد الوضع الداخلي التركي بروزاً واضحاً لحزب العدالة والتنمية، مقابل انحسار شعبية سائر الأحزاب القومية التركية الأخرى بيمينها ويسارها، الأمر الذي يعكس من ناحية رغبة الغالبية العظمى من مواطني الدولة التركية في الاستقرار والتقدم بعيداً عن هيمنة المؤسسة العسكرية ودسائسها، التي لم تكن قط في مصلحة البلاد، وإنما ترمي - كما كانت باستمرار- في المقام الأول إلى تأمين الامتيازات غير المحدودة بأي سقف لنخبة عسكرية، اختزلت بذاتها ولذاتها المصالح العليا للدولة، وأعطت لنفسها حرية التحرك في مختلف الاتجاهات من دون أية مراعاة لأي اعتبار. ولعل ما يُكتشف راهناً من مقابر جماعية هنا وهناك في العديد من مناطق البلاد، يؤكد - إلى جانب ثبوت الوشائج المتينة بين تيارات في المؤسسة العسكرية والمافيات المختلفة- تمتع المؤسسة المعنية فيما مضى بحصانة استثنائية، كانت بموجبها - وعلى مدى عقود طوال- بمنأى عن أية مساءلة أو محاسبة. لكن الشعبية اللافتة التي أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا غيّرت في قواعد اللعبة السياسية ضمن الداخل التركي؛ إذ فقدت مؤسسة الجيش الكثير من أسباب تسلطها، بل باتت في الكثير من الأحيان موضع اتهام وريبة ومتابعة؛ الأمر الذي ألزم أركانها بالخروج بين الحين والآخر للدفاع عن أنفسهم، ومقاربة مسائل كانوا هم بذاتهم يرغمون الآخرين حتى الأمس القريب بالصمت عنها، ويُشار هنا بصورة أساسية إلى المسألة الكردية.
إن الشغل الشاغل لنخب حزب العدالة والتنمية في يومنا هذا هو بلورة معالم دور إقليمي فاعل، يمكّن تركيا من تجنب أزمة اقتصادية داخلية قد تتفاعل لتغدو أزمة عامة تؤدي إلى تغيير معالم الخارطة السياسية التركية من جديد بعد فترة استقرار ملحوظ كان المواطن التركي قد افتقده منذ زمن بعيد؛ وأي تغيير محتمل في موازين القوى سيكون من دون شك لصالح حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية، وهما يمثلان الوجه السياسية لمؤسسة الجيش التي كانت المسألة الكردية بالنسبة لها النسغ الدائم الذي تستمد منه أمام الرأي العام التركي مشروعية صلاحيات الحاكم المطلق؛ ومن الواضح أن أردوغان وأركان حزبه يدركون تماما طبيعة مجمل الخفايا التي تعاملت- وتتعامل- بموجبها المؤسسة العسكرية مع المسألة الكردية، لذلك فهم يحاولون سحب هذه الورقة من المؤسسة المعنية عبر التصدي لمحاولة تقديم حل للمسألة المشار إليها التي لم يعد ممكنا إبقاؤها في دائرة الظل فترة أطول، لا سيّما بعد ما حصل ويحصل في العراق المجاور من تطورات لم تكن أنقرة ترغب فيها منذ بدايات عهد الجمهورية التركية. إلا أن ما يبدو ويستشف من مجريات الأمور وتفاعلاته، هو أن حكومة أردوغان قد عقدت العزم على مقاربة المسألة من زاوية أخرى تقوم على الفهم والاستيعاب، ولكن بموجب المقاييس التي تتوافق مع تطلعاتها ومصالحها. ومن هنا فقد قررت التعامل مع حزب المجتمع الديمقراطي بمعزل عن حزب العمال الكردستاني، على الرغم من تيّقنها بأن الأول لم يصل بعد إلى مرحلة التمايز عن الثاني، بل ما زال خاضعاً لتعليماته وذلك عبر الصقور الكبار في قيادته، هؤلاء الذين يهيمنون على المفاصل الأساسية في حزب المجتمع الديمقراطي. فأردوغان يعلم قبل غيره أنه مرغم على التعامل مع الواقع القائم خاصة في ظل غياب قوى كردية أخرى فاعلة خارج نطاق دائرة نفوذ حزب العمال - وذلك لأسباب عديدة متداخلة لا مجال لتناولها الآن- لذلك فقد اختار التعامل مع حزب المجتمع الديمقراطي باعتباره يمثل كتلة تمتلك مشروعية انتخابية لا غبار عليها وفق المقاييس الديمقراطية الغربية التي تحرص تركيا على إظهار احترامها لها؛ ويبدو أن الكتلة الكردية ضمن نواب حزب العدالة والتنمية نفسه في البرلمان التركي - وهي كتلة يزيد عددها عن السبعين نائباً- تضغط هي الأخرى باتجاه حل مقبول من مختلف الأطراف.
إن مواقف أردوغان رئيس الوزراء وعبد الله غول رئيس الجمهورية المطالبة بضرورة حل المسألة الكردية في تركيا لا تنقصها الجرأة والمغامرة بطبيعة الحال، كونها تفتح الباب واسعاً أمام التصادم والصراع مع القوى اليمينية المحافظة سواء ضمن المؤسسة السياسية أم العسكرية، وقد بدأت ملامح هذا التصادم تلوح في الأفق عبر التصريحات المتعارضة ضمن وسائل الإعلام.
غير أن أردوغان وطاقمه من الوزراء والمستشارين - خاصة وزير خارجيته أحمد داود أوغلو- لا يقفزون في الفراغ، وإنما يستندون إلى مشروعية انتخابية قوية، تجسدها قاعدة شعبية واسعة متنامية؛ كما أنهم يتكئون على تشجيع أوربي مرغوب؛ هذا بالإضافة إلى التفهم الأمريكي الذي ينطلق هو الآخر من المصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة.ويبقى الأمر اللافت في اللوحة بمجملها، والمعني هنا هو غياب الإستراتيجية الكردية الفاعلة. كل ما هنالك مجرد شذرات تُبحث هنا وهناك؛ وانتظار لما قد يُفصح عنه أوجلان من سجنه عبر محاميه؛ في حين أن الموقف برمته يستوجب مناقشات كردية داخلية جادة ومسؤولة تضم مختلف الأحزاب السياسية الكردية والنخب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية ضمن إطار مؤتمر عام يحدد الملامح الأساسية للتصور الكردي الخاص بحل المسألة المعنية، مؤتمر لا يستعبد أحدا، يتناول كل القضايا بعقل مفتوح بعيداً عن نزعات الاستئثار والأنانية والمماحكات النظرية غير المجدية.
الكل في تركيا متيقّن من أن البلد على أبواب استحقاقات مصيرية كبرى، إلا أن تفاصيل الآتي المنتظر ما زالت مبهمة، لأن ضبابية الرؤى والمواقف لم تنقشع بعد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمة هيومن رايتس ووتش تدين مواقف ألمانيا تجاه المسلمين.. ما


.. الخارجية السودانية: المجاعة تنتشر في أنحاء من السودان بسبب ا




.. ناشطون يتظاهرون أمام مصنع للطائرات المسيرة الإسرائيلية في بر


.. إسرائيل تفرج عن عدد من الأسرى الفلسطينيين عند حاجز عوفر




.. الأونروا تحذر... المساعدات زادت ولكنها غير كافية| #غرفة_الأخ