الحوار المتمدن - موبايل


التقاليد الجامعية

سعيد عدنان

2010 / 8 / 22
التربية والتعليم والبحث العلمي




وإنما الجامعة بتقاليدها، فاذا اتضحتْ، واستقرتْ كان بها للجامعة كيان، وإذا اهتزت واختُلف عليها اختل الكيان الجامعي. والتقاليد إنما هي شبكة العلاقات والقيم التي تحفظ الكيان، وتمكّن له أداء وظائفه على أتم وجه، ومن خصيصتها أنها تنبثق من الكيان نفسه، ولا يُؤتى بها إليه من غيره، ولكل كيان تقاليده النابعة منه، المتخلقة فيه عبر تاريخه، فليست التقاليد بالشيء الذي يولد دفعةً واحدةً، وإنما تكوّنُها شيئاً فشيئاً، محكومةً بمبدأ التراكم، حتى تصبح قوام الكيان ولبّه.
والجامعة هي موئل المعرفة، وموطن إذاعتها، وهي حيث تُطلب الحقيقة وتُعلن، وكلّ ذلك يستلزم قدراً رحيباً من حرية البحث، ويقتضي تقاليد تُعين عليه وتمكّن منه. ولا ريب في أن طلب المعرفة قرين الحضارة، نشآ متساوقين واتخذا طريقاً واحداً، وإذا تخلّف أحدهما تخلّف الآخر، وقد نشأت في سياق ذلك أصول وتقاليد تحوط قضية المعرفة. لعل في الطليعة منها الاخلاص في طلب الحقيقة حبّاً بها، ورغبة في استجلائها، إذ هي غاية يسعى اليها الأكاديمي ولا ينبغي أن يشغله عنها شاغل. وليس طريق طلب الحقيقة سهلاً ميسوراً، بل هو درب صعب قد حُفّ بالمكاره، وزرع بالأشواك، ولا بد لسالكه من أن يروض نفسه عليه، ويعي مسعاه فيه، فاذا كثر السالكون وهم على هذه الصفات، صار صنيعهم تقليداً، وتعبّد الطريق لسالكيه الجدد، وخفّت المؤونة عليهم.
والحقيقة التي يطلبون، ليست مطلقة وإنما هي مرهونة بما يحيط بها من زمان، ومكان، وأدوات في المعرفة، وليس لأحد أن يدعي امتلاكها كاملة.
ويقترن بالإخلاص الصدق في القول، وفي الفعل، وفي مطابقة الفعلِ القول حتى يصيرا أمراً واحداً، لا ينكر منه وجهٌ وجهاً. فالأكاديمي صادق في طلب الحقيقة، صادق في إعلانها، لا يُخفى مما اتضح له منها شيئاً اتقاءً، أو طمعاً.
وهو لا يُكره نفسه على الإخلاص والصدق، ولا يتكلفهما تكلّفاً، بل هما يجريان منه مجرى الدم، ولو شاء خلافهما لما استطاع، ولا بد أن يكونا لديه في ذروة سُلّم القيم لا يعلوهما ما سواهما.
وتتفرع عنهما فروع تستكمل ملامح الجو الجامعي، في صدارتها تهيئة سبل المعرفة من كتاب ومختبر، وما يتصل بهما، وأن تكون التهيئة في حدّها الأعلى، لأن النقص هنا يعيق الحركة، ولا يتيح للتقاليد أن تأخذ مداها، ومما يتصل بتهيئة سبل المعرفة أن تكون الأبنية مما يُعين على ذلك، ويدعو اليه.
ومما تؤدي إليه قيمتا ((الإخلاص والصدق)) أن تُنزل الرتب العلمية منازلها، وتأخذ استحقاقها، فلا يتقدم ما هو أدنى على ما هو أعلى، لأن في ذلك ما يهدم البناء.
وينبغي- لكي يترسخ ذلك كلّه- أن لا يعلو على سلطان العلم، أيُّ سلطان.
ولقد كان للمؤسسة الجامعية منذ نشأتها في العراق تقاليد رفيعة القدر، كان أعضاؤها، في أغلبهم، قد سلكوا طريق العلم، في تحصيله، وحسن القيام عليه، وفي إذاعته، ورعاية حقوقه، وقد كان من هؤلاء من ارتقى بنهجه، في تحصيل العلم ونشره، ورعاية ما ينبغي له، إلى أُفق سامٍ قليل النظير حتى صارت معاهدهم، التي هم فيها، لا تقل عن مثيلتها في بلدان العلم والمعرفة، وإنما بلغت هذا المبلغ بهم!
وكان مقدراً أن تزداد التقاليد الجامعية رسوخاً، وأن تمتد آفاقها، وأن تخرج ثمرتها من إطار الجامعة إلى نسيج المجتمع فترتقي به، وتشيع فيه قيم الحق والخير والجمال، وترسم له أفق التقدم، وتباعد ما بينه وبين درك التخلف، كان ذلك مرجواً، وكانت مخايله تلوح قريبةً دانيةً من الأيدي، ثم نشأت سلطة في البلد تريد أن تستحوذ على كلّ شيء، وأن تمدّ يدها إلى كلّ ناحية، وأن تمسك كلّ أمر، وأن تدير كلّ ذلك في أفقها، وأن تضيّق من مداه حتى يطابق مداها، وشرعت تنفذ مأربها في كلّ مؤسسة، وكانت الجامعة بما لها من تقاليد، وما لأساتذتها من أفق علمي سامٍ، عصية على ما تريد السلطة، بطيئة في إجابتها، ولكنّ السلطة لا ترضى الاّ أن تبسط ما تريد على كلّ ما تمتد اليه يدها، وكان منحاها في الجامعة- من أجل ترويضها، وإشاعة الخلل في تقاليدها- ثلاثة مسالك، الاول: اقصاء الأساتذة الكبار الذين لا أمل في ترويضهم، من خلال احالتهم على التقاعد قبل الأوان، أو فصلهم، أو مضايقتهم حتى يفروا من البلد. وقد أُبعد عن الجامعة بهذه السبل خيرة عقول العلم، والفكر، والموقف. الثاني: تسليط عناصر الاتحاد الوطني على إدارات التعليم في المؤسسة الجامعية، بحيث زحزحت التقاليد الجامعية ونشأت عوضاً منها معايير مستقاة من حيز الحزب الحاكم، وكان هذا التسليط على أشدّه منذ مجيء السلطة في 1968م وحتى أوائل الثمانينيات إذ ارتخى شيئاً ما وتخلّى عن الصدارة في إدارة الشأن الجامعي. لأن السلطة استطاعت خلال هذه السنوات أن تنشئ قيادات للتعليم العالي، ولاؤها، في كثير منه، للمؤسسة الحزبية، وليس للتقاليد الجامعية، وصار مستقراً لديها، أن تقدّم تقاليد المؤسسة الحزبية على التقاليد الأكاديمية، فلم تعد الحاجة تستدعي تقديم عناصر الاتحاد الوطني على الادارة! الثالث: السعي إلى تهيئة ملاك جامعي ضعيف الأداة، لا يفقه معنى ما ترمي اليه الجامعة، قليلِ المعرفة. لا يراها الاّ أشياء يسيرة تُحفظ وتعاد إذا اقتضى أمرٌ إعادتها. يتخرج بأهون سبل التخرج، وما هي الاّ سنوات حتى تم ذلك ونشأ جيل ليس له من الشأن الجامعي الاّ شكل ضعيف المحتوى. كان هؤلاء موجة صاعدة ما شذّ عنها الاّ قليل.
وكان من سبيل ذلك ما آلت اليه البعثات الدراسية فلقد قصرتْ على ذوي الولاء، وأهدرتْ الكفاية، فصار المبتعث يذهب ويعود وكأنه لم يتعلم هنالك شيئاً لأنه غير مؤهل أن يُحسن التعلّم، وليس من غايته أن يُجيدفي شيء، فلا غرو أن يذهب ذلك بروح التقاليد الجامعية، وأن يُضعف التعليم فيتحول من بحث واستقصاء وموقف إلى معلومات يسيرة تُحفظ وتُؤدى، ثم يدركها النسيان.
لقد انحدرت الجامعة عندما أرادتْ السلطة السياسية أن تمد يدها اليها وتلحقها بها!!
وطريق الجامعة إلى رقيها أن يستقل نهجها عما سواها، وأن تنبثق القيم التي تحكمها، منها، وأن لا يُفرض عليها شيء يخالف طبيعتها. وأن ينغمس أبناؤها في روحها، وليس ذلك أمراً يسيراً بعدما لحق ببنائها بفعل السياسة الجائرة عن قصد السبيل ما أوهن البناء، وأدخل الى الكيان ما ليس منه.
إن منزلة الجامعة من المجتمع واقعة في طليعته الرائدة، ترتاد له الجديد من الأفكار، وتخوض المستحدث من الميادين، وتؤسس قيم الحياة الصحيحة، ولا ينبغي لها أن تكون في ساقة المجتمع ترجع اليها رواسبه. ولكي تسترجع الجامعة طليعيتها، وريادتها، ولكي تبني قيمها، ويكون لها من أبنائها من يدفع الغوائل عنها، لا بد لها من السبل الآتية: أن تتاح الدراسة (الزمالات، والبعثات، والنفقة الخاصة) وتُيسّر، في جامعات العالم الرصينة، والاّ يكون نصيب الدراسة الإنسانية بأقل من نصيب الدراسة العلمية، حتى يرجع هؤلاء الدارسون وهم متزودون بالزاد الوفير من العلم وطرائق تحصيله، ومن التقاليد الجامعية التي لا يستقيم العلم دونها.
وأن تُهيأ فرص لتدريسيي الجامعات العراقية أن يُمضوا- على وفق برنامج- ما لا يقل عن سنة كاملة في جامعة رصينة من جامعات العالم المتقدم، يرون، ويسمعون، ويلمسون، ويتشربون أنماط الحياة الجامعية، العلمية، والاجتماعية، والثقافية. فاذا عادوا إلى البلد كان لديهم معيار يهتدون به، ويعرفون الصواب من غيره.
ولا بد أيضاً لكي تستقر التقاليد الجامعية أن يكون اختيار قيادات الجامعة قائماً على أسس جامعية، أكاديمية صرف، وأن لا يدخل في ذلك شيء بعيد عن الاطار الجامعي، حتى لا يكون من مرجعيتها ما ينأى عن هذا الاطار. وإنما الجامعة بتقاليدها!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأمير فيليب.. شخصية الأسبوع في سباق الجزيرة


.. نشرة الصباح | -إنتل لاب-: إيران تبني 4 مبان جديدة في موقع با


.. بايدن: الحديث عن نجاح المفاوضات مع إيران سابق لأوانه




.. توفي بسببها أكثر من 3 ملايين شخص.. ما الذي تحمله حرب كورونا


.. شاهد: بريطانيا تودع الأمير فيليب