الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إسرائيل دولة غربية بمرجعية يهودية (4_6)

نهرو عبد الصبور طنطاوي

2010 / 9 / 20
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


(*التحايل على نصوص الدين اليهودي لإنشاء دولة إسرائيل*)

إنشاء دولة إسرائيل يثير العديد من التساؤلات الهامة التي ربما لم يتوقف عندها أحد من قبل أو لم تحظ بإجابات شافية من قبل الباحثين والدارسين لأسباب وعوامل قيام دولة إسرائيل، ومن هذه الأسئلة: هل إنشاء وقيام دولة لليهود في فلسطين كان مطلبا يهوديا حقيقيا أم كان مطلبا غربيا مسيحيا؟، وهل الحركة الصهيونية التي عملت على إنشاء وطن لليهود في فلسطين هي حركة يهودية خالصة خرجت من رحم اليهودية أم أنها منتج غربي قام الغرب المسيحي بإنتاجه وتمويله ومساندته لاستغلاله واستخدامه فيما بعد؟، وما هي الأسباب الحقيقية التي دفعت الغرب المسيحي لمساندة اليهود في إنشاء دولة لهم في فلسطين؟، وإذا كان الغرب المسيحي هو وحده الذي اضطهد اليهود ومارس عليهم التطهير العرقي والإبادة الجماعية فلماذا قرر الغرب المسيحي فجأة أن يساند اليهود في إنشاء دولة لهم على أرض فلسطين؟، وما سر إصرار الغرب المدعي للعلمانية على أن تكون هوية إسرائيل هوية دينية يهودية وليس أي شيء آخر غير الهوية الدينية اليهودية؟، ولماذا الإصرار الغربي على أن يعترف الفلسطينيين والعرب بيهودية دولة إسرائيل؟، وأخيرا هل اليهود حقا ضحايا أم حقا مجرمون؟، وهناك أسئلة كثيرة تحتاج للوقوف أمامها طويلا وتأملها وسنحاول أن نجد جوابا لبعض هذه الأسئلة فيما يلي.

يعتقد الكثير من الناس أن الغرب ساند اليهود في إنشاء دولة إسرائيل لأن الغرب قد صحا ضميره فجأة وبدأ يشعر بالذنب ووخز الضمير تجاه ما تعرض له اليهود من اضطهاد ومحارق وإبادة جماعية على يد النازيين في الحرب العالمية الثانية، وأن البلدان الغربية المنتصرة في الحرب قد آلمها الإحساس بالذنب نتيجة تقاعسها عن دحر القوات النازية حين بدأت في الظهور وتركتها تعيث فسادا في أوروبا حتى فعلت باليهود ما فعلت، هذا ما قام الغرب بترويجه للعالم كله، وإنه لمن المؤسف والمخزي حقا أن العالم كله قد اقتنع في سذاجة وبلاهة بهذه الأكذوبة ورضي لنفسه بأن يصدق أن الغرب ساند اليهود في إقامة دولة إسرائيل لشعوره بالذنب تجاه ما تعرض له اليهود في أوروبا على أيدي النازيين وغيرهم، ولكن هل من إنسان لديه أدنى مسكة من عقل أن يصدق أن الغرب الذي استعمر جميع بلدان الأرض لعشرات السنين ونهب ثرواتها واستعبد شعوبها، بل وأباد شعوبا بأكملها كما حدث مع الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين، ثم توج جرائمه بإلقاء قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما ونجزاكي في اليابان، هذا وناهيك عن عشرات الملايين الذين قتلوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وغيرها وغيرها من الجرائم التي ارتكبتها الحكومات والجيوش الغربية في حق بعضهم البعض وفي حق شعوب العالم الأخرى، واضطهادهم وإبادتهم لليهود لعشرات السنين، هل يصدق عاقل في هذه الدنيا أن هذا الغرب المتوحش قد أصبح له ضميرا فجأة ودبت الحياة في قلبه من جديد وراح يمتلئ بالمحبة والشفقة والرحمة والعطف على اليهود حتى ينشئ لهم وطنا يعيشون فيه على حساب تشريد شعب بأكمله؟؟، ألهذه الدرجة من السذاجة والسطحية بل والسفاهة أن يصدق أحد أن الغرب بهذه الدرجة من صحوة الضمير ونبل المبادئ ودفء المشاعر وطيبة القلب ودماثة الأخلاق؟. فأين كانت صحوة الضمير تلك من قبل قيام إسرائيل ومن بعد قيام إسرائيل؟، ولماذا لم يصح ضمير الغرب سوى مع معاناة اليهود وحسب؟.

قبل أن نجيب على هذه الأسئلة الهامة دعونا بداية نوقن بأن الغرب منذ عشرات السنين وهو يخطط لطرد اليهود من المجتمعات الغربية إلا أنه كان يواجه العديد من الصعوبات لتحقيق ذلك، منها الرفض العربي والإسلامي لفكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين آنذاك، ومنها أن شريعة الدين اليهودي ذاتها لا تسمح لليهود بإقامة دولة إسرائيل على يد البشر، ومنها أن الغرب قد غض الطرف متعمدا ووقف مكتوف الأيدي أمام العمليات المنظمة لاضطهاد اليهود وخاصة على يد النازيين وغيرهم انتظارا منهم أن يقضي النازيون على اليهود ويستأصلوا شأفتهم نهائيا لكن ذلك لم يتحقق، فقرر الغرب الضغط على العرب للموافقة على إنشاء وطن لليهود في فلسطين طوعا أو كرها من جهة، وقرروا التلاعب والتحريف في بعض نصوص الدين اليهودي على أيدي بعض السذج من المفكرين ورجال الدين اليهودي من جهة أخرى، لإقناع اليهود دينيا بإنشاء دولة إسرائيل في الوقت الحالي كتمهيد لدولة إسرائيل التي يعتقد اليهود أنها ستقوم على يد المسيح المنتظر كما تقول المعتقدات الدينية لديهم. لذلك من المهم أن نقف على الحقيقة الدينية اليهودية لقيام دولة إسرائيل على أرض الميعاد في فلسطين طبقا للمعتقدات اليهودية ذاتها.

أولا: يقول المفكرون الصهاينة أن الحاجة لإقامة وطن قومي لليهود قديمة ظهرت خاصة بعد الأسر البابلي على يد (نبوخذ نصر) وكذلك اعتقاد المتدينين اليهود أن أرض الميعاد (قد وهبها الله لبني إسرائيل فهذه الهبة أبدية ولا رجعة فيها) إلا إنهم لم يتحمسوا كثيراً لإنشاء دولة لليهود باعتبار أن أرض الميعاد ودولة إسرائيل ((لا يجب أن تُقام من قبل بني البشر كما هو الحال الآن، بل يجب أن تقوم على يد المسيح المنتظر))، إذاً فإنشاء دولة إسرائيل الموعودة على يد البشر هو مخالفة صريحة للعقيدة الدينية اليهودية بل يعد تحايلا وخروجا صارخا على الشريعة اليهودية وعلى الدين اليهودي.

وهنا لابد من وقفة ضرورية أعتب فيها على كثير من العرب الذين يصورون اليهود كما قلت في الجزء الأول من هذه المقالة أنهم قوم خارقون للعادة وقوم يسيطرون على مسارات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية وغيرها من المسارات في شرق الدنيا وغربها وشمالها وجنوبها، ولا ينتبهون لأمر هام قد غاب عن مخيلتهم ألا وهو أن اليهود من الغباء والسذاجة بمكان أن يظن بهم أحد مجرد الظن أنهم بهذه الصورة من الذكاء والقوة والجبروت والسيطرة، بل إن اليهود في حقيقتهم ما هم إلا أداة وألعوبة في يد الغرب المسيحي يحقق بهم ومن خلالهم ما يشاء الغرب تحقيقه من أهداف تخدم مصالح الغرب وحسب، فلقد وجد الغرب المسيحي في الفكر الديني اليهودي وفي سذاجة وبلاهة الشخصية اليهودية عصا موسى التي من خلالها يستطيع الغرب أن يحقق بهم ما يريد وأن يضرب بهم أكثر من عصفور في وقت واحد:
1_ التخلص من وجود اليهود المتدينين المتطرفين في المجتمعات الغربية حتى لا يتعرضوا للاضطهاد والإبادة مرة أخرى على أيدي الشعوب الغربية.
2_ تخليص المجتمعات الغربية من شرور اليهود المتدينين المتطرفين بقمهم إلى فلسطين.
3_ استخدام اليهود المتطرفين الذين سيستوطنون دولة إسرائيل في فلسطين كشرطي في منطقة الشرق الأوسط لحماية وتأمين مصالح الغرب المسيحي.
4_ الإبقاء على اليهود غير المتدينين في المجتمعات الغربية وما يحملوا من خلفية دينية محتقرة لكل من هو غير يهودي للاستفادة منهم في السيطرة على الفن والإعلام والاقتصاد والبغاء لنزع وهدم البقية الباقية من أي قدسية دينية في قلوب الشعوب الغربية حتى لا تفكر الشعوب الغربية يوما في العودة إلى سلطان الكنيسة وسطوة رجال الدين المسيحي مرة أخرى.
5_ اختلاق مهزلة (معاداة السامية) للحفاظ على اليهود من أي نقد أو مسائلة أو محاكمة، وإضفاء الشرعية على بقائهم في فلسطين، وغض الطرف عما ترتكب إسرائيل من جرائم في حق العرب والفلسطينيين، وكذلك للإبقاء على استحمار واستخدام الغرب المسيحي لشعب الله المختار.

ثانيا: كان أول من دعا للتحايل والخروج على الشريعة اليهودية ونادى بإنشاء دولة لليهود على يد البشر هي الحركة الصهيونية، وكلمة "صهيوني" مشتقة من الكلمة "صهيون" وهي أحد ألقاب جبل صهيون الذي يسمى بـ"جبل داود" والذي يعتبر الأقرب إلى مكان بناء هيكل سليمان في القدس، وتعبّر كلمة "صهيون" عن أرض الميعاد عند اليهود وعودة اليهود إلى تلك الأرض. أما الصهيونية فهي حركة سياسية أنشأها الغرب وكان هدفها توحيد اليهود في الشتات وإسكانهم في فلسطين وتوجت جهودها بإقامة دولة إسرائيل عام 1948. وكان أول من استخدم مصطلح الصهيونية هو (ناثان برنباوم) الفيلسوف اليهودي النمساوي عام 1890 وتم عقد أول مؤتمر صهيوني في مدينة بال في سويسرا ليتم تطبيق الصهيونية بشكل عملي على فلسطين. والحركة الصهيونية هذه هي منتج غربي مسيحي بامتياز لا دخل لليهود المتدينين بتكوينها.

ثالثاً: لقد استغل بعض الخبثاء من الساسة والمفكرين الغربيين المسيحيين الشعور اليهودي العام بالنبذ والاحتقار والرفض من قبل الشعوب الغربية للشخصية اليهودية التي كانت تحمل فكرا دينيا معاديا لكل من هو غير يهودي، فقاموا باستقطاب واستدراج بعض السذج من المفكرين ورجال الدين اليهود لإقناعهم بفكرة تأويل النصوص الدينية اليهودية المتعلقة بإقامة دولة إسرائيل على يد المسيح المنتظر للتعجيل بإقامة الدولة الموعودة على يد البشر، وجعلوهم يبررون ذلك بأن هذه الدولة هي فقط تمهيد لدولة إسرائيل الكبرى الحقيقية التي سيأتي المسيح الموعود لإقامتها بنفسه، فكان هذا الاستدراج الخبيث الماكر من أهم أسباب خروج اليهود على الشريعة اليهودية والاستعجال في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، ولا يخفى على أحد مدى الخداع والمراوغة اللذين قام بهما هؤلاء اليهود السذج مع نصوصهم الدينية ليقعوا في الشراك الذي نصبه لهم الغرب، وكذلك للهروب من حالة النبذ والاحتقار التي كانوا يعانون منها في المجتمعات الغربية، لكن الصهيونية الحديثة لم تستطع الظهور إلا عندما تم ما يسمى (علمنة) الحياة اليهودية عن طريق حركة التنوير اليهودية "الهسكلاه" والتي ترأسها (موسى مندلسون) في القرن الثامن عشر الميلادي التي نجح الغرب في تكوينها واختراقها مما يؤكد أنها منتج غربي مسيحي بامتياز قام الغرب من خلالها باستحمار شعب الله المختار، بل لقد ساهمت هذه الحركة بالابتعاد عن ظاهر النصوص الدينية اليهودية الأرثوذكسية لخلق روح قومية تتوحد عن طريق الدين، وهذا هو سر إصرار اليهود ومن قبلهم العالم الغربي على أن تكون هوية دولة إسرائيل هي اليهودية حتى لا تنتبه الأجيال اليهودية القادمة لعملية التزوير الدينية الكبرى التي تمت على يد مؤسسي الحركة الصهيونية بمساعدة واستدراج الغرب المسيحي، وكذلك لإيهام اليهود بأن ما تم من تلفيق ومراوغة والتفاف على النصوص الدينية هو عملية اجتهاد ديني صرف بدليل أن دولة إسرائيل هي دولة يهودية، لأنه من دون السند الديني اليهودي لإنشاء دولة إسرائيل تصبح دولة إسرائيل أمام اليهود أنفسهم خدعة دينية كبرى، وفي منتصف القرن التاسع عشر ظهر حاخامان دعوا اليهود إلى تمهيد الطريق للمسيح المنتظر بإقامة وطن قومي وظهر الفيلسوف الألماني اليهودي (موسى هس) في كتابه (رومة والقدس) وقال أن المشكلة اليهودية تكمن في عدم وجود وطن قومي لليهود.

فما حدث هو أن الغرب الطيب الذي انفطر قلبه ألما وفاضت وجدانه شفقة ورحمة على اليهود كما يظن معظم الناس، لم يساند اليهود في إنشاء وطن لهم في فلسطين من أجل سواد عيون اليهود، ولا بناء على مطلب يهودي محض، ولا من أجل رقة قلب الغرب ودماثة أخلاقه إنما قام بذلك لاستحمار شعب الله المختار.
(للحديث بقية)

نهرو طنطاوي
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي _ مدرس بالأزهر
مصر_ أسيوط
موبايل/ 0164355385_ 002
إيميل: [email protected]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - القران نفسه يشهد بأحقية المنطقه لليهود
حكيم العارف ( 2010 / 9 / 21 - 07:47 )
عندما كنت تكتب فى الاسلاميات كان ده تخصصك ولكن تكتب عن اسرائيل فهذا ليس عن معرفه بل عن نزعه كراهية لهم ...

ياعم انت القران نفسه بيقول ان اليهود خرجوا من مصر واستقروا حيث يوجدون الان .... لماذا هذا العته الدماغى ..

اليس القران نفسه يشهد بأحقية المنطقه لليهود ؟؟

المعرفة نعمه .... ياريت نعرفها


2 - اكره الكتابة
احمد عمر ( 2010 / 9 / 21 - 09:37 )
اسرائيا مستوطنة اوربية مثلها مثل امريكا استراليا جنوب افريقيا استيطان البيض الاوروبيين
وما اليهود الا ضحايا لهذه المستوطنة فقط
وهى صنع اوروبى راسمالى مءة فى المئة على غرار امريكا
حتى البيض عندما ذهبوا الى امريكا ذهبوا باعتبارها الارض الموعودة
عندما نعى هذه الحقيقة نستطيع بعدها ان ندير صراعنا معهم سواء قتاليا او سلاميا
لاننا ببساطة نحن واياهم ضحايا


3 - مقالة أعادت لي فكرتي عن اليهود
سحر صلاح ( 2010 / 9 / 22 - 14:40 )
أستاذي العزيز / الأستاذ نهرو
بصراحة مقالة عميقة جدا ووضحت كثير من الأمور التي لم أكن علي دراية بها من قبل، بل أجزم أن هذه المقالة اعادت لي فكرتي عن اليهود ككل
وعن حقيقة أرض المعياد ، والسبب الحقيقي لكل دعاوي الغرب
أشكرك جدا ...

اخر الافلام

.. مشروع علم وتاريخ الحضارات للدكتور خزعل الماجدي : حوار معه كم


.. مبارك شعبى مصر.. بطريرك الأقباط الكاثوليك يترأس قداس عيد دخو




.. 70-Ali-Imran


.. 71-Ali-Imran




.. 72-Ali-Imran