الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


(3) منهج تضييع الحقائق التاريخية / مسلسل آخر الملوك نموذجا

جاسم المطير

2010 / 9 / 22
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


(3) منهج تضييع الحقائق التاريخية / مسلسل آخر الملوك نموذجا
جاسم المطير
ربما تفرض الدراما التلفزيونية الرمضانية ذات الثلاثين حلقة على الكاتب ، أي كاتب ، أن لا يتوسع ببعض الأحداث التاريخية لمسلسله ، فهو قد يجد نفسه مضطرا للتعبير عن حدث تاريخي ما بمجرد إشارة في حوار ، أو بكلمة على لسان احد إبطال المسلسل ، أو بحركة سينمائية قديرة يبتدعها المخرج . بمعنى أن هناك وسائل كثيرة في فن كتابة السيناريو لإظهار إمكانيات مواكبة التاريخ على يد كاتب المسلسل أو بقبضة المخرج إن كان ملما بالسياسة أو قديرا على تجسيد مشاهدها بما يمكنهما ، السيناريست والمخرج ، من رسم بعض المشاهد في (دائرة حوار) لدقائق معدودة ، أو حتى لثوان ٍ معدودة ، تعبر عن وقائع زمن طويل توازي ضربة معلم واحدة .
صحيح تماما أن كاتب السيناريو قد يجد نفسه مقيدا في تفضيل هذه المعلومة أو تلك بسبب ضيق (الثلاثين حلقة) التي ما أن يواصل كتابة التاريخ في المسلسل حتى يجد نفسه متذكرا المسلسلات التركية (ذات المائة حلقة وأكثر..!) لكن مع هذا وذاك فأنه لا يبرر تجاوز بعض أساليب اختيار هذا الموقف التاريخي دون غيره أو تثبيت هذا المشهد دون ذاك في عملية الإخراج أو التصوير أو المونتاج . نحن المشاهدين لاحظنا أن مسلسل آخر الملوك حمل أهواء كاتب السيناريو إذ طغت أفكاره شاملة حبه الخاص لسيرة حياة الملك فيصل الثاني وإعجابه به ، غير مدرك أن التاريخ لا يكتب بالأحاسيس ، بل يكتب من التفكير ، من طبيعة أحداثه ، من وقع أحداثه على الناس ، ومن مشاهد وذكريات حررها شهود الأحداث إن كانوا أحياء . من كل ما قدمته أقول أن اغلب مشاهد السيناريو أغفلت قضايا كبرى في التاريخ السياسي العراقي الحديث ، بينما كان التركيز على أفكار وأحداث بدائية وهامشية لم تستطع خلق أو إبداع تراكم درامي في حلقات المسلسل ،التي لم تكن اغلبها غير وسيلة إخبارية ليست درامية .
لم يكن كاتب السيناريو موفقا في تمييز بين ما هو (مهم) و ما هو (أهم) في الحوادث التاريخية . لم يكن موفقا في اختيار (الأهم) من الدور المناط ببعض الشخصيات التاريخية ، مثل شخصية رئيس الوزراء محمد فاضل الجمالي ، إذ ظهرت هذه الشخصية في المسلسل بلا معرفة من الكاتب بنوعيتها وتنوعها بفلسفتها وبأسباب وجودها بعد تتويج الملك فيصل الثاني وبعلاقتها في الصراع البريطاني – الأميركي على العراق في تلك الفترة . لم يدون الكاتب بدقة مطلوبة وجود هذه الشخصية في تلك الفترة من التاريخ العراقي الذي اخذ شكلا من أشكال الصراع بين شيوخ السياسة العراقية وشبابها ، أيضا ، بعد تجديد شباب العرش بتتويج الملك فيصل الثاني وسقوط حكومة رئيس أركان الجيش الجنرال نور الدين محمود في 29 كانون الثاني 1953 بعد أن أنهت مهمتها العسكرية بالقضاء على الحركة الطلابية – الجماهيرية المنتفضة قبل ذلك في تشرين الثاني 1952 .
وقع كاتب سيناريو (آخر الملوك) فلاح شاكر بعد ذلك في خطأ مزدوج . الخطأ الأول هو في اعتباره أن فيصل الثاني هو (ملك استثنائي) . الخطأ الثاني هو في اعتباره محمد فاضل الجمالي (رئيسا استثنائيا للوزراء) . لكنه لم يبرهن على هذين الاعتبارين من الواقع السياسي العراقي ، بل راح معتمدا على (وحي) ما .
الواقع السياسي كان يمثل شكلا من أشكال (التوليتارية الملكية) التي كانت تتبلور في العديد من البلدان الملكية في العالم الثالث . وإذا كان استخدام مصطلح (التوليتارية) في هذا الصدد أمر غير مقبول فبالإمكان تسمية الواقع السياسي العراقي آنذاك بأنه (وضع شاذ) كما ورد هذا التعبير بالذات في (المذكرات السياسية) المرفوعة من قبل بعض الأحزاب السياسية ، العلنية ، التي سُحبت أجازتها مثل الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال ، خلال فترة حكومة جميل المدفعي ، التي أعقبت نور الدين محمد ، والتي سبقت حكومة محمد فاضل الجمالي . تلك المذكرات وصفت بها الأوضاع السياسية بالعراق أنها ( شاذة ) وفي مقدمة شذوذها إلغاء الحياة الحزبية ، وإلغاء امتياز عدد كبير من الصحف ، في ظل موجة من الاعتقالات شملت شيوعيين وديمقراطيين والعديد من رجال الأحزاب العلنية بعد خطوة زج الجيش حكومة نور الدين محمود في المعترك السياسي ، مما أدى إلى تعطيل الحياة البرلمانية ، وتعطيل الدستور من الناحية العملية ، وقيام دكتاتورية سافرة . إن التجارب المرة التي حلت بالعراق تؤكد كلها خطأ تعنت الحكومات في محاولتها تكييف نظام الحكم وجعله بعيدا عن مقتضيات العصر وقواعد الديمقراطية الصحيحة ، وقد ناشد الحزبان ( الاستقلال والوطني الديمقراطي ) وغيرهما في أكثر من مناسبة وفي أكثر من مذكرة إنهاء الأوضاع الشاذة في البلاد .( انظر جريدة صوت الأهالي في 6 – 10 – 1953 وجريدة صدى لواء الاستقلال في 22 – 9 – 1953).
لماذا تناسى مسلسل آخر الملوك تزامن الأوضاع السياسية العراقية (الشاذة) وعلاقتها بفترة ملوكية فيصل الثاني وخطورة الأوضاع القائمة آنذاك والانحراف الذي أصاب نظام الحكم في طغيان الحكومة وتجاوزها على الدستور وحجب الحرية عن الشعب وعن القوى الوطنية ..؟ لماذا تناسى فلاح شاكر المذكرة السياسية ذات الاعتبار المهم والخاص، التي رفعت إلى الملك فيصل الثاني في 18 – 5 - 1953 بعد أيام من تسنمه العرش قدمها له وفد مشترك ضم كامل الجادرجي ومحمد مهدي كبه ..؟
ظل السيناريست منشغلا بما يجري داخل القصر الملكي ونسوانه ، لكنه بعيد تماما عن ما يجري في الشارع العراقي بعد تعطيل الدستور وحرمان الشعب العراقي من حقوقه العامة والخاصة وازدياد السخط الجماهيري خاصة بعد يأس الأحزاب الوطنية من استجابة الملك فيصل الثاني للمطالب الجماهيرية والحزبية المقدمة إليه بعيد تتويجه ، خاصة بعد حادثة الهجوم البوليسي المسلح على السجناء السياسيين داخل سجن بغداد المركزي و قتل ثمانية سجناء الشيوعيين (18 – 6 – 1953) مما أدى إلى قيام الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال إلى تقديم مذكرة احتجاجية إلى رئيس الوزراء في 22 – حزيران 1953 وصفت فيه هذا العمل بـ(الوحشية) وطالب الحزبان الإسراع بإجراء تحقيق خاص من قبل هيئة قضائية خاصة حيادية . لم يتم هذا الإجراء ولم يجر أي تحقيق .
هذه إحدى وقائع دولة حاول تصويرها مسلسل (آخر الملوك) بأنها ديمقراطية، قوية ، لا علاقة لها بـ(دكتاتورية القيادة) بينما حكومتها بلغت الذروة في القمع والجور بقتلها السجناء الشيوعيين في سجني بغداد والكوت في جريمتين أغضبت المجتمع العراقي والعالم الديمقراطي كله ضد الدولة العراقية التي تحارب شعبها السجين ، الدولة السالبة لحرية مواطنيها حتى تم وصف العراق منذ ذلك الحين بأنه ( سجن كبير ) يواجه الإرهاب والخوف .. لكن هاتين الجريمتين مرت على فلاح شاكر مرور الكرام في وقت اهتزت فيه بغداد والكوت والبصرة بموجات من الاحتجاجات والمظاهرات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سيناريوهات خروج بايدن من السباق الانتخابي لعام 2024


.. ولادة مبكرة تؤدي إلى عواقب مدمرة.. كيف انتهت رحلة هذه الأم ب




.. الضفة الغربية.. إسرائيل تصادر مزيدا من الأراضي | #رادار


.. دولة الإمارات تستمر في إيصال المساعدات لقطاع غزة بالرغم من ا




.. بعد -قسوة- بايدن على نتنياهو حول الصفقة المنتظرة.. هل انتهت