الحوار المتمدن - موبايل


قراءة معتدلة للساحة الثقافية التونسية بعد الثورة

صالح محمود

2011 / 3 / 28
الادب والفن




قراءة معتدلة للسّاحة الثّقافية التّونسيّة بعد الثّورة
لا أعلم ما ينتظره الشارع الثقافي التونسي لينجز ثورته؟!!!!! ففي الوقت الذي تشهد ثورة 14 جانفي أوج حيويتها في التغيير الجذري وحركيّتها التأسيسية والتنظيمية قاطعة مع الماضي ،في حزم وحسم ، عزم وإصرار على كل الأصعدة وفي مختلف الميادين والقطاعات بإسقاط كامل منظومة الإستبداد وتفكيكها لتحل على أنقاضها مبادئ الثورة وجوهرها وتحقق أهدافها في الحرية والديمقراطية ،يتردد صداها لدى الرأي العام في تونس. بقي صدى الشارع الثقافي التونسي ساكنا باردا جامدا، بائسا راكدا خابيا، خارج حركة التغيير ،يذكرنا بمعاناته في العهود السابقة من جفاف و جدب ، قحط وتصحر، وما عرفه قبل الثورة من تهميش وإقصاء ،قمع وخنق لكل صوت حر . ألا نرى الآن نفس المشهد الثقافي بنفس تلك الوجوه الذين عاصروا بورقيبة في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته ثم من بعد ذلك تواصل حضورهم مع بن علي يتصدرون المشهد الثقافي في شارع بورقيبة حيث مقهى الكون ومقهى باريس ، والجدير بالذكر أن هؤلاء الذين تساقطت أسنانهم لا من اثر الخمر بل من أثر تقدمهم في السن كان حضورهم في المشهد الإعلامي ماثلا بقوة إثر الثورة بعد أن تجاوزهم الزمن و أفلسوا ثقافيا منذ سقوط جدار برلين واجتياح المد الغربي للكتلة الشرقية بتفتيت الإتحاد السفياتي ،و باستنفاذ عهد التغيير المشؤوم ما بقي لهم من أصوات مبحوحة، وهمود حركتهم في عهد تحول السابع من نوفمبر الذي فرض سياسة التعتيم القمع التجهيل وإفراغ الشارع من كل ثقافة النقد والتغيير العقلاني الواعي و بنشر ثقافة الرأي الواحد ودعم خطابات الولاء بالدعاية تزميرا وتطبيلا بلغتها المتخشبة المتحجرة الغير معترفة بالتحاور والتكامل في الإختلاف. و فعلا فأصابع النظام الخفية كانت تحرك كل ما يسمى بالنشاطات الثقافية المجملة الملمعة ،المزينة المبهرجة الفارغة، حتى أن المزود صار أهم أنغام الشارع التونسي،وصار التمزويد العملة الرائجة والمربحة أو على الأقل المجنبة للمتاعب مما أدى إلى فقدان النزاهة والمصداقية وهذا إفراز لواقع دكتاتوري يستفرد بكل شيء ويسعى بكل الوسائل اللاشرعية واللاشريفة لتبرير هذا الإستفراد- كمصدر ومرجع للحقيقة أوحد- قلت جاءت الثورة التونسية الكونية وأثرها واضح على حركات التحرر الشعوب العربية من نظمها الإستبدادية كتداعيات وكصدى لها، وتونس تعيش إيقاع تغيير جذري على كل المستوايات وكان من المفروض أن تطال الثورة الشارع الثقافي لتبعث فيه الحياة بنفسها الثوري فتزهر وتينع الساحة بالأصوات في إطار التنوع كفسيفسائية .غير أن الملاحظ لا يرى أثرا لحيوية الثقافة بكيميائها السحرية وماتبثه من طاقة خلق- وقد كانت في عهد بن علي المحرض الأساسي ضد الإستبداد و المرافق المباشر للشارع التونسي في غياب دور الأحزاب الكرتونية الموالية وتحجير أحزاب المعارضة والتضييق عليها وعلى نشاطاتها – في الشارع الذي لا يزال في قطيعة مع واقع الثورة الراهن– نرى إذا عودة البعض كالعادة لينتصبوا أوصياء على الثقافة وقيمين عليها – وهنا لا أتحدث عن ثقافة الموالاة والمساندات والمناشدات العلنية تحت راية اتحاد الكتاب التونسيين الذي لعب دورا أساسيا في تهميش دور الثقافة التوعوي بالمحابات والمجاملات والموالاة مقابل الحصول غلى فتات الفتات .هؤلاء لا علاقة لهم بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد لأننا صراحة لا نرجو منهم جديدا.ولكن سؤالي هو:هل نعتقد ولو للحظة أن النظام الدكتاتوري الذي استلهم و ابتدع ، نظم ورتب، حدد وقنن كل شؤون البلاد والعباد وفق ما تقتضيه مصالحه وبقائه كنظام شمولي استبدادي بفكر واحد ورأي واحد وقائد واحد مغيبا للقانون والمؤسسات- بتصحر الواقع وشلله واستحالة الفعل فيه أو تحريكه بتحجره- سيسمح للشارع الثقافي التونسي بالإستقلالية والمحايدة ،المصداقية والنزاهة يعني مستثنى من منظومة الفساد. وعلى فرض أن هذا الإحتمال وارد وهو أمر صعب المنال إذا لم يكن مستحيلا حين يرى النظام أنذاك الأعمال الفكرية والفنية التي تطرح الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة ورفض الظلم والقمع والإضطهاد والإستبداد -كبديل- وهي المحاور الأساسية للأعمال الفكرية والفنية الواعية والحقيقية،مناشير إرهابية وعليه محاربتها و محاربة أهلها.ألا تخلق الديكتاتورية وتفرخ غير الديكتاتوريات وفي كل النواحي وجوانب الحياة ،ألم نعش ديكتاتورية سياسية، بسطت هيمنتها عبر أجهزته ومليشياتها ومخابراتها المزروعة في كل شرايين الدولة ومؤسساتها وفي مختلف الأطياف الإجتماعية المدنية. ولا تستثنى هنا الديكتاتورية الثقافية كرستها الدكتاتورية الإعلامية بمأجوريها بالإقصاء والتهميش التقزيم ووالتحجيم المتعمد،وإضفاء صبغة الكائنات الخرافية للبعض المتهافت المهرول منذ الثمانينات أيام الزعيم بورقيبة بإحاطتهم بهالة إعلامية رغم أفول أصواتهم -عبر العلاقات مع المهجورين والمأجورين ،المغمورين والعاطلين من الصحافيين، بن علي بسط عليهم الهدوء التام و الصمت الكامل رغم انخراط البعض منهم في مشروع بيان سبعة نوفمر والتاريخ شاهد على ما أقول، وسمح لهم في المقابل بالإشراف على الشارع الثقافي و كمحاور له ، ظواهر إعلامية ،و صور فحسب ، لأننا حين نقرأ لأحدهم إعلان موته في قائم حياته في قراءة له لديوان شعري منشور في المواقع الإلكترونية لأن قلبه المترهل أصابه اليأس من إمكانية التمرد على الواقع، ثم انبعث من جديد عبر الثورة لا كثوري بل كمكرس للواقع المشلول ،لمنطق التسلط والإقصاء، شبحا باهتا عاود تنصيب نفسه المصدر و المرجع بالإفتاء. لتتضح لنا ملامح ديكتاتورية القائمة ودور العلاقات والإنتهازيات والإستيلاءات كإفراز لواقع سابق من المفروض أنه انحل واضمحل إلى الأبد مازال يكرس ، ألا يظهر ذلك جليا وبينا في تهافت أحدهم برغبة محمومة تكاد تكون استحواذية عاصفة في الظهور كممثل للمشهد الثقافي في كل مناسبة وفي كل حادثة وكل واقعة وكل مرحلة يهرع متهافتا كممثل أوحد في الساحة الثقافية رغم انه لا يمثلني على الأقل، هذا الشخص وإثر الثورة مباشرة ، وبينما كنت أشاهد قناة واحد وعشرين في برنامج يقدم بعض الكتاب المغمورين أعلنت المنشطة أنها دعته لهذه الحصة ولكنه رفض الحضور بدعوى أنها قناة النظام السابق والحال أنه كان كثير الحضور على قناة تونس سبعة نوفمبر في سنوات سبعة نوفمبر،أليسوا هؤلاء الذين يمثلون النموذج الحقيقي لعقلية الدكتاتورية بمنهجها الإقصائي ،الإستبعادي والتغييبي والتي لا تزال سائدة إلى حد الآن عبرهم ،بسد الفراغ في الساحة وخوائه ببعض الأسماء الذين تجاوزهم العصر واستنفذوا استنفاذا تاما منذ أيام بورقيبة ، للإستهلاك الإعلامي لا غير،فأين الإشعاع الثقافي الجديرة به بلا عطاء أو سخاء ،كرم أو صدقة من أحد بل هو استحقاق عن جدارة ، بفعل الثقافة وكيميائها الحيوية لما نعيشه اليوم وبالمعنى الأصيل والحقيقي،و المصدر العميق للحركة الحرة لروح الثورة يسري في ما نسعى جاهدين الآن لإنجازه ،تأسيسه وتجسيده على أرض الواقع نمطا ومنهجا،ولا أحد لا من أحزاب المعارضة المضروبة بعصا بن علي والتي تحتل الآن المشهد الإعلامي في لهفة ورغبة في الإستحواذ وغيرهم من فقاقيع المتحزبين لا ندري من هم ولا من أين خرجوا - وكأنهم ملاك الحقيقة في الوقت الذي يجهل عنهم التونسيون كل شيء، ولا ممن يسمى مأجوري الثقافة خدمة المنظومة الإستبدادية الذين بدؤوا ينظمون صفوفهم ويرصونها للعودة من جديد للتمعش تمسحا وتملقا وتزلفا، أن يزايدوا على ذلك فأثارنا تدل علينا ،حتى لا يعود وجه نظام بن علي في الجانب الآخر للعملة للظهور من جديد- تغيب فيه كل تلك الممارسات القديمة من انتهازية ومحسوبية ،إقصاء وتهميش،وصاية وتمثيلية ،تعسفية.
صالح محمود
مارس 2011
[email protected]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - نحو استنباط -شريعة - قانونية محدثة من القرآن
mohamed ben amor ( 2012 / 3 / 31 - 18:18 )


نحو استنباط -شريعة - قانونية محدثة من القرآن المجيد ...؟

بسم الله الرحمان الرحيم :

http://islam3000.elaphblog.com/posts.aspx?U=3715&A=109861

*1( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ( 32 ) ) سورة المائدة /

*2( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ( 13 ) ) سورة الحجرات /



أعتقد جازما أن نجاح الثورة التونسية و تحقيق كل أهدافها هو رهين إيمان جميع أفراد شعبنا بمضمون هاتين الآيتين الكريمتين و السعي الدءوب من قبل الجميع ... على تحقيقها على أرض الواقع المعيش في حياتنا اليومية ....؟

كما أدعو كل القوى الحية ببلادنا سياسية و مدنية و ثقافية أن تكون هاتين الآيتين تتصدر بنود دستورنا المرتقب... ؟

اخر الافلام

.. جولة في بيت العود العربي بمدينة أبوظبي مع الفنان نصير شمة |


.. لقاء خاص مع الفنانة الفلسطينية روان عليان وحديث شيق عن جديد


.. عزاء شقيق المخرج خالد يوسف بمسقط را?سه بتصفا في كفر شكر




.. وصول المخرج خالد يوسف إلى بيت العائلة واستعدادات لتشييع جثما


.. إلى جانب معسكرات الإعتقال.. الصين تنتهج أسلوباً جديداً لتدمي