الحوار المتمدن - موبايل


حب لليلة واحدة

فريد الحبوب

2011 / 5 / 17
الادب والفن


لم اعثر على أشياء كثيرة في بلدي كحطام السفن الكبيرة والبحر العميق والطوابق العالية وهي تلامس الغيوم ولم أشاهد الغابات البرية أو بقعة بحجم بغداد من أقحوان وزنابق وبحيرات وطيور تحلق منخفضة وورود بحجم أنوف ألأطفال قالت لي أسراب القبرات أنه بري وأوراقه كأجنحة الفراشات... لم أحضى بالجلوس قرب تماثيل عارية وملتحية رائعة نحتت في كل مكان حدثتها كثيرا وحدثتني ، وحين تقرع ألأجراس في الكنائس المعمرة منذ مئات الأعوام التي تزخر بالنتوءات والأحجار المنقوشة كنت حين ارثي نفسي تُهدهد لي كما ألأطفال وتقول مسكين أنت أيها العابر. لم أرى الندى يتساقط تسع مرات في يومٍ واحد، ولم أفقد الوعي تحت زخات المطر وهبات الريح ودفئ النشوة. ولم أرى الثلج يذوب ويتحول إلى سواقي كبيرة وصغيرة لتجري صوب قلبي.
لم أعثر على حب ليلة واحدة في بلدي وهذا ما لم أكن أعرفه أو يخطر في بالي أن يومض قلبي لساعات يتألم ويفرح ويغني ويشهق وينتثر، لقد ابتلعتني عواصف لليلة من سماء فتاة فلبينية أسمها يوليتا التي ذكرتني برواية رائعة عنوانها لوليتا للكاتب الروسي فلاديمير ناباكوف غمرت سطورها قلبي ائنذاك من عمر مراهقتي...في تلك الليلة المتوهجة بحزني وغربتي، كنت أسير في مطار أتلانتا في مدينة جورجيا ونوبات عصبية ومزاج ملعن بفراق الأحبة يدفعني بين الحين والأخر لشهقات مجلجلة أخفيها بوجه الجدران، المسافرون يجوبون المطار جيئاً وذهاباً والحقائب مرمية في أرضية المطار هنا وهناك تلاحقها عيون رجال الأمن المرتابة وحقائبي كان لها النصيب الأكبر في ترصداتهم ذلك لآني احمل لوني ألأسمر وما بين ألأبيض والأسمر فارق فخم وطويل القامة ينحني للأبيض ولا ينحني لي وبالنسبة لتقديرات أولئك الرجال كان لوني ينزف هماً لهم، كنت بين راحةٍ ونوم فيما بدء المطار يخف ويخلو من المارة وتناقص عدد المسافرون ولاسيما الجميلات الباهرات اللواتي كن كما لو أن نرجس أصفر يفيض على سواقي ظلال. ومنهن فضيات وبرونزيات قلت لنفسي حينها أنا أحب الجميع والجميع يصادفن قلبي مبتسمات كنت احتفظ بها أطول فترة ممكنة، وكان هناك كبيرات السن يشبهن إلى حدا ما عوانس يائسات وما جعلني أظن ذلك التكسرات والتجاعيد الغير منصفة التي تملا وجوههن واللامبالاة لكل صخب السماء، كانت الأجواء ماطرة وعاصفة وساءت ساعات الليل أكثر، وكنت أتأمل من الشبابيك الكبيرة الرعد والبريق الذي تجاسر كثيراً بكسر الظلام، كانت شفتي الغيم غاضبة ترثى لحالي، وكانت النداءات تتوالى في تأجيل الرحلات وتوجست إن تلغى رحلتي وفعلاً تم إلغاءها حتى الصباح الباكر، هجر الجميع أروقة المطار ألا الفقراء والمحتاجون الذين يضطرون للمبيت على الكنبات وأرضية الممرات، كل شيء اختفى بسرعة وأضفى الهدوء في الداخل جواً من الاسترخاء والتأمل، ظللت لوحدي في أحدى ألأروقة وقرب عيوني زجاج نافذة كبيرة كافية إن أرى شلالات المطر والوميض كانت روحي تلتهب وخفق قلبي واهن ومولع بآهات لم أقاسمها أحدا من قبل. مر بجانبي ظلٍ طويل وبصحبته رائحة حقول من الرمان والعنب، كانت أنظر بنصف عيوني وبالكاد أرى وأتسلق في طول تلك الفتاة بشعرها المتلألئ ويداها الخصبة بالامتلاء وهي تصنع صوت كحفيف الأشجار كلما فركتهما ببنطالها القصير المرثي بلون معدوم، وكلما مر الوميض تتوضح لي سنبلة ناضجة من القمح الأسيوي وبعد إن قربت من قدماي وهي تطالع بعيونها الذابلة أريكة طويلة، عرفت أنها تريد إن تنام، رمت بحقيبتها الصغيرة ودون أن تبالي لي ارتمت كطائر وسط بركة ماء، مرت اللحظات وأنا أحاول أن أجد طريق للحديث فلم يكن بيني وبينها سوى مترا واحد، حدقت في وجهها المضطرب والخائف والمائل إلى لون السكر ولم يسبق ورأيت فم بهذا الصغر والتدوير ووجنتان هاربتان وحادتان وعينان كبيرتان تمسكان بكل شيء، هكذا شعرت لم تكن غريبة عني رغم أننا لم نجري حديث ولم نلتقي، وفي تلك اللحظة انسكبت دموع ومن تلقاء نفسها كانت الدموع تختفي كانت ألإمطار اعنف فيما كانت سماء جفونها أكثر لوعة وحيرة. حمستني دموعها الساكنة والمضطربة وهي تتهاوى للكلام وغرني خيالي إن هناك موعد، بدأت بصوت متعب مرحبا، وودت لو أقول عبارات كثيرة اخلص بها من حرجي..كانت الساعة تقترب من الواحدة، أجابتني كمغنية توقفت للتو عن الغناء مرحبا بك ، جرت في عروقي الحياة وزال التوتر وانبس حدسي يخاطبني الم أقول لك انه موعد، جلسنا سويتاً بنشوة المنتصر وبدأت أغدق عليها بالأسئلة والاستفهام كعلامة للشرقي الذي يريد أن يعرف كل شيء، كانت نبرة صوتها تخفي حزن وأسرار كثيرة تحمل في طياتها ألاستسلام واليأس وفيما هي تتحدث عن حياتها في أمريكا منذ عشرة سنين هدئت ولمعت النجوم وخمدت الزوبعات ولم يكن ألا الله يعلم لما كنا سويتاً لا شك أنه كان يريدنا سويتاً أه يا صاحب ذلك الليل والكون شكراً لك، كانت الأجواء تنساب مثلما ينساب حديثنا بروعة، كانت تعيش في غرفة صغيرة تحوي كل شيء من حياتها وتعمل لوقت طويل ففي كل صباح حتى الخامسة عصراً هي ساعية بريد تمر على الأبواب ولديها مفاتيح كثيرة تفتح بها إقفال الصناديق ولكنها ذكرت لي لم افتح صندوق حياتي مرةٍ واحدة وشعوري طوال حياتي إ، لا يجوعون أو يمرضون، كانت تعيش لعائلتها الكبيرة وأبويها المريضين، كانت لها أخت بساق واحدة وكان عليها أن ترسل كل ما لديها هناك وتحتفظ بما يحفظ لها الاستمرار، استرسلت في الكلام وأنا أصغي لها، كان كل ما تقوله لي يؤثر في ويفضي لحزن كلما أنجلى لها تقول لي لا تزعج نفسك ولا تحزن، ذكرت أسمها وقالت بفرح أسمي يوليتا ، وقلت حينها أنا أعشق الأسماء الجميلة وأسمك جميل جداً ابتسمت ابتسامة خفيفة ولمع في وجها نجم ناري متوهج تذوق جلدها الناعم، أما في الليل فتعمل في فندق بسيط تقوم بتنظيف أروقته وغرفة، صمتت وسقط رأسها كما لو إن شيء هوى من قمة جبل، لقد عانيت طوال تلك السنين ومللت التنظيف والتحرش والإجبار والسكوت، سرقوني كل شيء، أما عائلتي فقد ضيعوا علي سنيني وأيامي وهنا سرقوا حياتي وكل ما تملكه يوليتا، كنت احلم بيوم زفاف وموسيقى أرقص فيها من كل قلبي، وأربي أطفال أحبهم بعمق وأسير بعمري معهم جنباً إلى جنب، لم أكن أود إن أشعر بالخوف والخسارة، وعند ذاك وهي تنغمر بالإسهاب عن حياتها وأناملها تتحرك مثلما ينابيع تفيض طاف صمت أفضى على وجهها عذاباتها ألأليمة وعند ذاك اندلعت شرارة شفقتي والتهبت أسى وشكوت لها بلدي المحطم وشعبي الذي رمل بكل شيء، حدثتها عن هروبي وكيف مات الآلاف يصرخون في طوفان الانفجارات، أخبرتها أنا ألان مشرد ومصر على الرجوع رغم إن حياتي بخطر، تغصن الحديث بالابتسامات والكلمات الشفيفة ، قلت كيف يصنع الأنف من البندق وكيف للجبين إن يمازح اليراعات، وراحت تضحك وسألتني أأنت شاعر وأجبتها لا لكن قلبي يتوقد بالجمال أحب الطبيعة والمطر والحيوانات الضخمة والأنهار رفقائي في الليل، أستضائت أنوثتها بمسرة كنت أنا بطلها ألا أني وتحسرت من أجل إن أقول لها ما جال بنفسي حينها، فتحت علبة جبس وأكلنا معاً دفعت يدها حتى فمي ووضعت إحدى الرقائق فيه فعلت أنا ذلك لها وودت لو أغني لها أغنية من بلدي، كانت ألأغنية التي جالت في خاطري حينها ( بعد بعيوني اثر فرحة وبعد طيفك يمر بيه) أو أقول لها بيت الشعر الجميل(نحن غريبان ها هنا ..والغريب للغريب حبيبُ) لكني بالكاد أقول ما أريد باللغة ألانكليزية، كلانا يتعثر ولكن كنا نصل لبعضنا البعض بثقة الضائع بالغريب، إيماءات كثيرة علت وجهها ويدها راحت تلامس يدي بخفة، مرت دقائق ولم نتكلم اختارت هي النظر وأنا اخترت جمع الكلمات كما لو أني عاشق اجمع الزهور.. يوليتا هل تجيدين الغناء وغنت لغتها إلام كنت أصغي لروحها والمد والجزر يجرف كل شيء بنفسي، مررنا بلحظة ذابت خسارتها وخسارتي وأعطيتها وأعطتني كل ما نملك، إما ضفاف العمر المتربة بالهم فقد زحفت صفو حلم بحب لليلة واحدة، ووخزني شفق كان ينام في نسغ دمي ودفعني للمس يدها لمست حبيب وعيناي تجوب قسمات وجهها....أرجوك ضمني وسرت في يدها رجفة تنهدت هوى بحر بأكمله وهبطت من ألأريكة من تلقاء نفسها إذ كنت تحتها لترتمي بين يداي ويحنو رأسها فوق وسادة ذراعي... ارتدتني ملاءات الخجل، وهمست لا ضير في إن تقبلني أنها المرة ألأولى التي اهدي بها نفسي طوع نفسي، كل شيء كان في برية جسدها مثل ماء، شعرت كأني أمر بيدي فوق سطح قارورة، همست في أذني... كأني في ليلة ميلاد أه يالهذا الليل وهذا الإحساس ...قلت لها أحياناً يكون اللقاء ميلاد، غادر الليل بشكل سريع وانطفأت خمس ساعات بخمس لحظات دارت محركات الطائرات وعاد المسافرون وبدء النداء، لم أقل سنلتقي ولم تقل لي أراك ثانيتاً بل أحزمت حقائبها وحين فُتح باب طائرتها قالت وداعاً، حينها تعثرت بأحرف الوادع وخلعت خاتمي وألبسته في يدها اليسرى تسألت ما هذا وقلت لها انه عربون حب لليلة واحدة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحديات كوميدية تواجه الفنان #الفلسطيني #أمجد_ديب ضيف #أمل_طا


.. مسرحية جورج خباز: علق هو ومرته وبكلمة ارتخى ورضي ????????


.. يوميات رمضان من قطاع غزة مع الفنان التشكيلي محمد الديري




.. بروسيدا.. عاصمة الثقافة الإيطالية 2022


.. قراءة في مسرحية بستان الكرز لتشيخوف