الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الثقل الإشكنازي-الصهيوني

إسماعيل محمود الفقعاوي

2011 / 5 / 20
السياسة والعلاقات الدولية


الثقل الإشكنازي-الصهيوني

الكاتبة: مُن جونزاليس الديبلوماسية الأسبانية في السفارة الأسبانية بلندن.
ترجمة: إسماعيل محمود الفقعاوي.
علاوة على مقال الثقل السعودي [كانت الكاتبة قد كتبت ذلك المقال سابقاً - المترجم]، يأتي هذا المقال حول الثقل الثاني الذي يعمل من وراء الستار ضد تقدم الشرق الأوسط.

1. ميلاد الصهيونية وتصريح بلفور

تُولد الخلفية التاريخية لهذا الثقل الصهيوني الثاني بتواز كبير جداً مع الثقل الوهابي. فعام 1902 كان عام ابتداء عبد العزيز بن سعود غزو الرياض. ونفس العام 1902 كان عام نشر ثيودور هيرتزل، الكاتب والسياسي الهنجاري، والذي كان يهودياً إشكنازياً، رواية بعنوان "Altneuland" باللغة الألمانية والذي يعني بالإنجليزية "الأرض القديمة الجديدة" – وحيث صور فيه كرواية غنائية الأفكار السياسية لبناء دولة جديدة لليهود في فلسطين، التي كان قد وضعها على الورق سابقاً في كتابه "الدولة اليهودية المنشور في 1896 في ليبزغ (ألمانيا)، والذي يمكن اعتباره العمود الفقري النظري للصهيونية الحديثة. وعلى أساس تلك الأفكار حمل اليهود الإشكنازيون الأوائل أسلحتهم وبدأوا غزواتهم الأولى في أرض فلسطين، أي الهجرات الأولى، في بداية القرن الماضي.

في عام 1917، عندما بات واضحاً أن ألمانيا هي من سيخسر الحرب العالمية الأولى، والمملكة المتحدة هي الطرف المنتصر؛ وعليه كان يجب ممارسة الضغط على المملكة المتحدة؛ كتب، يهودي صهيوني بريطاني إشكنازي، البارون والتر روتشيلد، الذي تصفه كتب التاريخ لنا بأنه حينها كان "زعيم المجتمع اليهودي البريطاني"، إلى وزير الخارجية البريطانية آنذاك، آرثر جيمس بلفور، مطالباً بدعم الحكومة البريطانية لقضيتهم: قضية هرتزل الصهيونية بإنشاء دولة يهودية في فلسطين العربية، التي كانت لا تزال وقتها جزء من الإمبراطورية العثمانية. وأجاب الوزير آنذاك في رسالة مؤرخة بالثاني من نوفمبر 1917 مرسلة للبارون روتشيلد (ليقدمها إلى الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العظمى وإيرلندة)، بأن: " حكومة جلالته تنظر بعين العطف لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل حكومته كل مساعيها من أجل تسهيل تحقيق هذا الهدف". وقد سميت هذه الرسالة بـ "تصريح بلفور". وبالرغم من أن المجتمع اليهودي البريطاني كان قد تشكل أصلاً من اليهود الإسفراديم البرتغاليين الذي جاءوا من إيبريا، وهكذا شكلوا عام 1760 مجلس النواب (الذي لايزال إلى هذه الأيام الممثل الرئيس للمجتمع اليهودي في المملكة المتحدة) نجحت مع الأيام المصالح الاقتصادية الشخصية للمجتمع اليهودي الإشكنازي في السيطرة على المجتمع اليهودي البريطاني، عندما سادت المصالح الصهيونية، وهكذا رسالة روتشيلد. وقد مارس الصهاينة الإشكناز نفس استرتيجية الضغط والتلاعب في كل مكان أيضاً، حتى في الشرق الأوسط في القرن الماضي. فدعونا نرى كيف.

2. التحالف الصهيوني-الوهابي في الشرق الأوسط لإخفاء حقيقة عسير

اتخذت كل من المملكة المتحدة وفرنسا من ألمانيا عدواً مشتركاً لمحاربته خلال الحرب العالمية الأولى. وبعد نهاية هذه الحرب، بدأت المصادمات بين المملكة المتحدة وفرنسا تحدث مرة أخرى في فترة ما بعد الحكم العثماني. فنصَّبت المملكة المتحدة عام 1918 فيصل الأول ملكاً على دمشق وغزة (بنية الوفاء تدريجياً بالوعد، في جزء من تلك المنطقة، الذي قطعوه لليهود الصهاينة الإشكناز قبل ذلك بعام). لقد وجدت فرنسا من جانبها أنه من غير المقبول تنصيب فيصل ملكاً في دمشق تحت تأثير المملكة المتحدة، إذ أن ذلك يصطدم بفكرتها عن جزء شمالي من الشرق الأوسط متحدث الفرنسية، (وباتفاقية سايكس-بيكو لعام 1916)، لذا طردت فرنسا فيصل من دمشق في 1920. وفي العالم التالي، 1921، نصبت المملكة المتحدة نفس هذا الفيصل الأول ملكاً للعراق، حيث بقي حتى عام 1933.

إن حقيقة انشغال المملكة المتحدة وفرنسا بنزاعاتهما الإقليمة الذاتية جعلت ممكناً لليهود الصهاينة الإشكناز البحث في أنحاء المنطقة عن دعم لقضيتهم. ووجدوه بسهولة، فعبد العزيز بن سعود كان قد نجح في ضم الأحساء عام 1913، لكن حظه السعيد كان قد توقف هناك. إلا أن بن سعود، عبر المساعدة المتجددة للحلف بين الوهابية السعودية والصهيونية الإشكنازية، نجح في غزو حائل في 1921 ومكة في 1924 وجدة في 1924 وعسير في 1926. لقد اثبتت حقيقة امتلاك حليف ثابت واحد في المنطقة، ولو في السر، أنها ضرورية لكلا الطرفين في السنوات التسعين التالية.

وبغض النظر عن ذاك الحلف العسكري الانتهازي، فقد كان هناك شيء أكثر ضرورة ليوحدهما. فكلاهما أرادا إعادة كتابة التاريخ بطريقة متشابهة جداً. لقد أراد السعوديون السيطرة على مكة وفرض رؤيتهم الأورثوذكسية المتطرفة للإسلام السني على بقية العالم الإسلامي [الأمر الذي فعلوه ويحافظون عليه إلى اليوم]، ولذلك لم يريدوا أن يتدخل أحد في تلك النواحي؛ وكان ذلك لصالح الهدف الصهيوني الإشكنازي في الاحتفاظ بالسر حول عسير مخفياً إلى الأبد. فقد أراد المثقفون الصهاينة الإشكناز للعالم أن يعتقد بأن التوراة أو أسفار موسى الخمسة كانت قد حدثت في فلسطين، وكذلك في فلسطين حدث سفر الأنبياء وسفر الكتب (أي الأجزاء الثلاثة المكونة للتناخ الذي يشكل ما نسميه في الغرب العهد القديم). لقد كتب شخص ما عن سر عسير ذاك في ثمانينيات القرن الماضي، مجبراً بهذا الإشكناز والوهابيين على تبديل استراتيجيتهما. لكننا سنتطرق إلى ذلك فيما بعد.

3. قيام دولة إسرائيل والحروب العربية-الإسرائيلية الخمسة اللاحقة
برغم استمرار الهجرات والإرهاب اليهودي اللاحق في الأرض العربية، لم يكن بالمستطاع إلا بعد كارثة الحرب العالمية الثانية، عندما شعر المجتمع الدولي بالذنب نحو فظائع الهولوكوست (حيث قُتل ستة ملايين يهودي وثلاثة ملايين عجري، بحسب الأرقام الرسمية المذكورة حتى الآن) ليس إقامة وطن للغجر (فهم لم يمتلكوا المال ولا القوة أبداً، لذا لم تُتح لهم فرصة نجاح) بل إقامة وطن لليهود. وليس على التراب الألماني، رد الفعل المنطقي، إذ أن ألمانيا هي القوة التي قتلتهم، بل في منطقة تبعد خمسة آلاف كيلو متر عنها، المنطقة طُرد منها الإشكناز قبل ألفي عام تقريباً (بالمناسبة، كان اليهود الإسفراديم قد عادوا إلى تلك المنطقة العربية كلها في القرن الخامس عشر، بعدما طردهم من إيبيريا الملوك الأسبان عميان بمحاكم التفتيش الكاثوليكية الأرثوذكسية المتطرفة).

وهكذا، أدى الشعور العالمي بالكفارة بعد الحرب العالمية الثانية إلى إقامة دولة إسرائيل في 15 مايو 1948. ولإيضاح أن عملية مسار العمليات (كما يسميها الجيش) كانت واحدة وحيدة فقط، لكن مخططة جيداً مقدماً، من المعلومات التي لا يمكن دحضها، (فإحصاء السكان وأسماء الأماكن من الصعوبة بمكان أن يكذبا على الإطلاق): فعند بداية القرن الماضي كان كل عشرة فلسطينيين يقابلهم يهودي واحد. وخلال الهجرات التالية ارتفعت تلك النسبة إلى فلسطينيين مقابل يهودي واحد حتى قبل قبول المجتمع الدولي قيام إسرائيل.

لقد أشعل إنشاء دولة إسرائيل الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى في العامين 1948 و 1949، التي بعدها بقيت غزة تحت الحكم المصري والضفة الغربية تحت الأردني. ودعونا لا ننسى أنه في ذاك الوقت، 1948 و 1949، كان يحكم مصر ملك آخر هو فاروق الأول الذي نُصب عام 1936 بواسطة المملكة المتحدة (القوة المحتلة لمصر منذ العام 1882)؛ وحكم الأردن الملك عبد الله، الذي نصبته المملكة المتحدة عام 1922. لذا استمرت المملكة المتحدة وتصريحها "بوعد بلفور" الضامن للمجتمع الإشكنازي الصهيوني، عبر الملكين الواقعين تحت تأثيرها.

كان عام 1948 ويستمر في أن يكون عام النكبة العظمى بالنسبة للفلسطينيين، حيث بدأ رحيل "exodus" الفلسطينيين الكبير منها. لقد دفع الملك عبد الله ملك الأردن ضريبة شخصية غالية بسبب ذلك، كونه في رأيي قد ساهم من وراء الستار في خطة مقصودة لمساعدة المملكة المتحدة لتفي بالأحلام الصهيونية: لقد اغتيل عبد الله في 1949. وكان خليفته، الملك حسين، قد قمع بقسوة الفلسطينيين، خشية أن يُطاح به من السلطة.

لقد بدأ الحلف الوهابي-الصهيوني في الفشل عندما وصل جمال عبد الناصر المناصر للقومية العربية إلى السلطة في مصر. وفي العام 1956، عندما تجرأ عبد الناصر على تحدي القوى الإستعمارية وأمم قناة السويس، حدثت الحرب العربية-الإسرائيلية الثانية. إن بعض المعلقين يذكرون هذه الأيام هنا في المملكة المتحدة بأيام السويس، ويقارنون عناد فرنسا والمملكة المتحدة في ذلك الوقت بعنادهما الجاري في ليبيا الآن. وبعد هزيمة السويس، أدركت إسرائيل حاجتها إلى عراب جديد، وحولت عينيها نحو الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي سني حرية في الكثير من الدول العربية، لكن في مصر وسوريا بصفة خاصة. لقد كانت سني ما يسمى بالثورة العربية الثانية (بعد الثورة العربية الأولى عام 1916 والتي عاشت لمدة قصيرة)، حيث بدأت النساء يكن أحراراً أخيراً، ولا يضعن الحجاب، ويستطعن البدء بعيش حياة طبيعية وكريمة.

لقد عين الملك حسين ملك الأردن في 1966 رئيس وزراء ذا علاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية. وإنني أعتقد بأن هذا التعيين كان أيضاً بداية نهاية الثورة العربية الثانية. فالوهابية لم ولن ترضى أبداً بالحرية للعالم العربي والنساء العربيات، إذ أنها نظام ديكتاتوري شوفيني نخبوي، حكم مكة بعد غزوها بالقوة المحضة؛ وأراد إبقاء عسير مغلقة أمام العالم. لذا، فبعد الحلف الوهابي-الصهيوني في عشرينيات القرن الماضي، شكل الوهابيون والصهاينة حلفاً آخر في أواسط ستينيات القرن الفائت لمحاربة الثورات العربية، بوضوح في الخفاء. وهكذا باشرت كل من مصر وسوريا، في رأيي، عام 1967 في الحرب العربية-الإسرائيلية الثالثة، مضللتان بالاستغلال السعودي للأردن. لقد حطمت إسرائيل [بتفوقها العسكري الموروث من الدعم العسكري اللامشروط للولايات المتحدة الأمريكية] منافسيها في ستة أيام فقط (من الخامس إلى الحادي عشر من يونية 1967) واحتلت كل صحراء سيناء وغزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان والقدس الشرقية. لقد أصبح الحلم الصهيوني الإشكنازي في "دولة يهودية كبرى" كما وضعه هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر، مع كون القدس تحت السيطرة اليهودية فقط، أملاً معقولاً، ولو كان بالقوة. ورغم أن قرار مجلس الأمن 242 طالب إسرائيل بالانسحاب من تلك المناطق المحتلة بالقوة (وعشرات القرارات لمجلس الأمن كررت نفس الطلب مذ ذاك)، والفلسطينيون ليس لهم عرابون، بينما إسرائيل لها، لذا لم يستخدم أحد القوة أبدأ ضد إسرائيل (على عكس ما فعله الغرب منذ إذ مع الكثير من البلدان الأخرى) لإجبارهم بالقوة على التنازل عما أخذوه بالقوة.

بعد تلك الحرب، نجح الحلف الوهابي-الصهيوني، بوضوح من خلف الستار مرة أخرى، في "استعادة القانون والنظام في العالم العربي". لقد كانا خلف تحويل المد الثوري في مصر وسوريا. ففي مصر نصبا صديقاً لهما في السلطة هو أنور السادات في 1970، الذي لعب بإجادة، مثل مبارك منذ 1981 حتى 11 فبراير 2011، الدور الذي عُين له. وفي سوريا، ساعدا عسكري من مجموعة الأقلية العلوية الشيعية ليخطف السلطة أيضاً عام 1970 ألا وهو حافظ الأسد. وكسبت إسرائيل بشكل لا يخطئ الحرب العربية-الإسرائيلية الرابعة في 1973، وفعلت ذلك بسرعة، بتفوقها العسكري الذي لا يبارى.

ما أن اخضعت الديكتاتوريات بالوكالة كل الجيران العرب في الظل، أصبحت يد إسرائيل طليقة لتركز على إزالة بقايا الثورة الفلسطينية. ففي 1982، غزت إسرائيل كامل لبنان، فيما سُمي الحرب العربية-الإسرائيلية الخامسة، تحت حجة القضاء على الفلسطينيين الخطرين من المعسكرات؛ واقترفت إسرائيل مذابح صبرا وشاتيلا. مرة أخرى بحصانة كاملة من العقاب.

4. عسير مقابل القدس

في عام 1982، نفس عام غزو إسرائيل لبنان، كان قد نشر أستاذ جامعي لبناني يُدعى كمال الصليبي وهو الآن في الثمانينيات من عمره باللغة الألمانية كتاباً عنوانه بالإنجليزية "التوراة جاءت من جزيرة العرب" [ومذ ذاك تُرجم الكتاب إلى الإنجليزية ويمكن شراؤه (ولكن بثمن مرتفع) من SOAS أو عبر الإنترنت]، حيث كشف الكاتب نتائج الدراسات التوبونيمية (دراسات أسماء الأماكن) هذه الدراسات التي قام بها حول البلدات والقرى في منطقة عسير (وهي منطقة تقع بين سلسلة الجبال التي تخترق مركز المملكة العربية السعودية وخط ساحل البحر الأحمر). وكانت الخرائط التي استخدمها ذات مقياس عالٍ مفصلة رُسمت قبل عام 1975. وعندما قرأ وحلل أولاً خرائط عسير، فإنه بمحض الصدفة السعيدة (الفن الذي اعتُرِف باستخدام آينشتين له في مكتشفاته)، بدأ الصليبي قراءة الأسماء ومرتئياً أنها تتوافق مع 99% مع أسماء الأماكن الموجودة في التاناخ أو العهد القديم. ويقدم الصليبي في كتابه تفسيراً دقيقاً جداً (مستخدماً علم دراسة الأسماء وعلم تحليل الألفاظ) لتاريخ أجداد اليهود. وتقريباً لا تزال موجودة جميع أسماء الأماكن المحتواة في العهد القديم في عسير بأسماء متشابهة جداً في عام 1982. حتى ان الصليبي وجد مكاناً يُدعى "مصر"، حيث عبر اليهود القدماء نهراً، والذي أراد التلاعب الصهيوني لنا الاعتقاد بأنه عبور اليهود للبحر الأحمر في مصر، الرؤية الصهيونية التي لم توجد أبداً في السجلات والشواهد الفرعونية بواسطة أي بحاثة في الآثار.

وبعد ذلك بدأت الماكنة الدعائية اليهودية (التي ليست بأقل من الكثير الأخريات في العالم الماضي والحاضر بأي حال من الأحوال) في العمل بكامل طاقتها لتعارض وتشوه كشف السر الصهيوني-الوهابي المصون بأفضل ما لديهم من جهد. ففي إبريل 1987، نشر جيرهارد كونزلمان في الألمانية أيضاً كتابه "القدس، أربعة آلاف عام من الحرب من أجل مدينة مقدسة". وأنا شخصياً قرأت كلا الكتابين، وأصدق أطروحة الصليبي أكثر، أي أن: اليهود هاجروا من عسير إلى فلسطين في القرن الثاني قبل المسيح؛ وأنهم استوطنوا هناك؛ وأنه عندما جاء الرومان كان اليهود هناك من السابق. لكن علم الأسماء لا يكذب، وفلسطين كانت حتى في الزمن الروماني اسماً نسبة إلى قبيلة عربية عاشت في تلك المنطقة، ولا أثر لليهود القدماء هناك. لكن لم يستطع الصهاينة، كي يقنعوا العالم بضرورة أن يصبح حلم هرتزل التلاعبي الصهيوني حقيقة واقعة، كما قلت، ليس في ألمانيا بل في فلسطين، القول بأنهم كانوا هناك لمدة ثلاثمائة سنة فقط قبل أن يُطردوا بواسطة الرومان عام 70 بعد الميلاد. إن ذلك لم يكن ليقنع بدرجة كافية. وهكذا بدأت الحاجة إلى إحداث تغيير في استراتيجية الحلف الصهيوني-الوهابي في ثمانينيات القرن الماضي لإبقاء عسير وأسمائها بعيدة عن الطريق، تعمل كما لو كان الإسرائيليون يريدون سلاماً وتفاوضوا مع الفلسطينيين.

5. الدرامات الفلسطينية والإسفرادية

رغم تنكر القيادة الفلسطينية لمبادئها؛ وتخليها عن الكفاح المسلح؛ واختيارها الطريق السملي في نوفمبر 1988، إلا أن اثنتين وعشرين سنة قد مرت وما من إشارة في الأفق على إمكانية قيام دولة فلسطينية حقيقية.

لقد دفعت الإطاحة بحسني مبارك، أحد وكلاء الصهيونية-الوهابية في المنطقة، الفلسطينيين الذين في السلطة (وليس حماس التي انتُخبت ديمقراطياً في 2006، ولكن الخاسرين في تلك الانتخابات، أي فتح، التي تم الاحتفاظ بها في السلطة من قبل جماعات الضغط الصهيونية في الغرب) لتهرول إلى القاهرة باحثة عن اتفاقية مع حماس. وكان السعوديون قد بذلوا سنوات عديدة يحاولون جعلنا أن نعتقد بأنهم يعدون اتفاقية بين الفلسطينيين، ولكن كما في "الف ليلة وليلة"، لم تأت الاتفاقية مطلقاً. والآن إذا ما سقط الأسد الوكيل الوهابي-الصهيوني، فإن ذراعاً أخرى للفلسطينيين قد تتحرر أخيراً لتلتحق باللعبة. وربما سيكون الفلسطينيون اللبنانيون قادرين أيضاً على الالتحاق. رغم أن الأمر بالنسبة لهم أكثر صعوبة؛ فبغض النظر عن قرار مجلس أمن 1701، لا زال الطيران الإسرائيلي يطير فوق لبنان بشكل غير شرعي ويومياً.

مع ذلك، ليس الإشكناز مغرورين فقط ومزدرين للفلسطينيين او للعرب الإسرائيليين، إنهم يحملون أيضاً اتجاهاً مشابهاً للنصف الآخر من الأحجية اليهودية بالمعنى التاريخي: أي اليهود الاسفراديم. لقد رحب البلقانيون والدول العربية باليهود الاسفراديم بعد القرن الخامس عشر، وكانوا قد تعملوا فن التعايش. فالخام شلومو عمار بإمكانه تحقيق سلام بين إسرائيل وفلسطين في ظرف أسبوع واحد. إن اليهود الاسفراديم يحملون التعايش في دمهم، ونهاية اللعبة لتسوية سلمية معروفة جيداً للجميع، إذ كل واحد يعمل على الملف يعرفها. وبنود اتفاقية طابا للعام 2001 تحتويها جميعاً، لكن بدون وجود إرادة سياسية حقيقية لن يتقدم شيء. وستظل الديبلوماسية المكوكية تحرك أجهزة الصحافة (فالصحف تحتاج أن تبيع يومياً)، لكن لن يتغير شيء. وبإمكاننا البقاء هكذا إلى أبد الآبدين، إلا إذا الثقل الصيهوني الاشكنازي كلي القدرة وكلي الانتشار سيدع اليهود الاسفارديم يجربون تحقيق السلام! لكن لا، فاليهود الاشكناز، ذوو اليد العليا في إسرائيل منذ نشأتها، يحملون فقط الغرور. وذلك بسبب قواعد اللعبة، وإن لم نغير قواعد اللعبة لن يصبح السلام حقيقة في الشرق الأوسط.

6. قواعد اللعبة في العالم اليوم: معايير مزدوجة، تزييف بالمعلومات، إرهاب الدولة

لن يتحقق السلام في الشرق الأوسط بين إسرائيل وفلسطين حتى نغير القواعد الحالية للعبة. فلا يمكن أن يتحقق ولن يتحقق طالما تُدار قواعد اللعبة كما في أوركسترا سماوية بواسطة معايير مزدوجة.

تستطيع إسرائيل أن تكون ديمقراطية داخل حدودها وبإمكانها إدانة رئيسها الثامن، موشيه كتساف، في 30 ديسمبر 2010 بسبع تهم بالاغتصاب والتحرش الجنسي وإعاقة القانون. ولو كان الأمير المثلي جنسياً السعودي الذي قتل عشيقه الأسود في مصعد بفندق لندني فخم في الرياض، ربما كان قد قتله بحصانة تامة، لكن بما أن القتل حدث في بلد ديمقراطي، فقد أُدين في المملكة المتحدة في 5 أكتوبر 2010. إن الديمقراطيات الحقيقية تحارب الحصانة داخل حدودها، وهكذا تفعل إسرائيل، البلد الوحيد حتى الآن التي تمارسها في الشرق الأوسط.

إن المشكلة ليست أن إسرائيل غير ديمقراطية داخلها، المشكلة هي النظام الدولي الذي إسرائيل ونحن جميعاً جزء لا يتجزأ منه. إن الديمقراطية وحكم القانون ضروريان بشكل مطلق داخل حدود بلد ما، والاحترام الشديد للقانون الدولي ضروري بشكل مطلق كمرشد وحيد للعلاقات بين الدول وبين المنظمات الدولية.

وطالما استمر النظام الدولي بتطبيق معايير مزدوجة وعملته الدولية قانون الغاب، لا يمكن تخيل أي أمل بالتقدم، لا بالنسبة لعملية السلام في الشرق الأوسط ولا بالنسبة لحالات دولية معلقة أخرى كثيرة.

ما الذي أعنية بالضبط بالمعايير المزدوجة؟ أي أن الأصدقاء أصدقاء (وهكذا فهم غير مجبرين على تطبيق القانون الدولي)، حتى يحدث تغير في مد المصالح الشخصية. دعوني أُقدم مثالين إقليميين فقط لما أعنيه بذلك واللذان يتصلان بالثقلين الصهيوني-الوهابي اللذين اتحدث عنهما: (1) في فبراير 1979 أُطيح بإبن عميل الولايات المتحدة الأمريكية العسكري السابق المسمي لنفسه بالشاه في إيران وأصبح آية الله إيران، شيعي متطرف دينياً، العدو الأكبر للوهابية السنية المتطرفة دينياً السعودية؛ وبعد ذلك في يوليو 1979، ساعد الغرب صدام حسين في الوصول إلى السلطة في العراق وبدأ يحارب الخصم الإيراني؛ (2) وفي إبريل 1978 حصل نور محمد طراقي على السلطة في أفغانسان وابتدأ لأول مرة تعليم عام مجاني اشتمل على النساء وإصلاح الأراضي وفصل الدولة عن الدين وتحديد سقف أدنى للأجور ومنع تجارة الأفيون وجعل نقابات العمال شرعية؛ تم طرده من السلطة بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية والباكستان؛ حينها (كانت الحرب الباردة لا تزال قائمة) أرسل الاتحاد السوفيتي جنوده إلى أفغانستان بعد 27 ديسمبر 1979؛ وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية بدعم مجموعات المتمردين عبر وهابيين أمثال أسامة بن لادن الذين كانوا يوجهون محاربين جهاديين وهابيين من كل أصقاع الوطن العربي إلى أفغانستان. فدعونا نرى نفس السيناريوهات بعد تغير في المد: (1) عندما غزا صدام حسين الكويت عام 1990 أصبح عدواً للوهابية السعودية [حيث كل دول الخليج وكلاء للسعوديين، كما أظهرت المملكة السعودية للعالم بإرسالها جنودها إلى البحرين لقمع المظاهرات السلمية في مارس وإبريل 2011]؛ وتحررت الكويت وفُرضت منطقة حظر طيران على العراق؛ لكن تمسك صدام بالسلطة حتى قامت الولايات المتحدة الأمريكية منتهكة القانون الدولي بشن حرب على العراق، التي سمحت باعتقال وفيما بعد قتل صدام حسين؛ ومات آلاف أكثر مذ ذاك في العراق؛ (2) لقد كان أسامة بن لادن أفضل مدخر للـ CIA في أفغانستان لعقدين من الزمن حتى تحول المد وخلع الوهابيون القناع (لقد كانوا يحاولون دراسة أسوأ أعدائهم، الولايات المتحدة الأمريكية، لمدة عشرين عاماً ويحصلون على ثقتها) وراحوا يفجرون واحدة تلو الأخرى: 1998 سفارات الولايات المتحدة الأمريكية في أفريقيا و 9/11/2001 و 2004 تفجيرات مدريد و 2006 تفجيرات لندن؛ وأوقف السعوديون رسمياً دعم فرعها الوهابي المجنون وبدأت الولايات المتحددة الأمريكية حرباً على أفغانستان في أكتوبر 2001 بأقل من شهر بعد 9/11؛ الحرب التي كانت ذروتها في 1 مايو 2011، عندما دخلت قوات الولايات المتحدة الأمريكية الخاصة منتهكة القانون الدولي مرة أخرى، باكستان دون إذن الحكومة الباكستانية، وهاجمت بناية في أبالاباد، وبالأسلوب الأحادي المعهود، قتلت بن لادن. أولاً دعمت الولايات المتحدة الأمريكية صدام حسين ثم شنت حرب لقتله؛ ومثل ذلك فعلته مع أسامة بن لادن.

بمثل هذا السلوك الأحادي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، كلما لم يعجبها قواعد الأمم المتحدة؛ وبمجلس أمن الأمم المحدة الذي لا يزال يمثل فقط توازن القوة الذي أوجده العالم في نهاية الحرب العالمية الثانية (وهكذا لا يزال منتصرو الحرب العالمية الثانية – الخمسة الدائمون – يملكون حق النقض الفيتو في مجلس أمن الأمم المتحدة)، فإن العالم لن يتقدم.

لماذا يطبق الغرب قرار مجلس الأمن 1973 على ليبيا، ولم يظهر نصف الجدية مع قرار مجلس الأمن 242 ضد إسرائيل؟ لماذا استمر الثقل الصهيوني يتصرف كما لو أن القانون الدولي غير موجود بالنسبة لإسرائيل، وإسرائيل: (1) تطير يومياً فوق لبنان بما يخالف قرار مجلس الأمن 1701؛ (2) وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك أسلحة نووية (بحجة أن لها وضع اقليمي خاص)؛ ولم توقع اتفاقية عدم الانتشار النووي؛ ولا تعاني أي إزعاج من وكالة الطاقة الذرية الدولية في فينا؛ (3) وتستطيع قتل أعدائها على تراب بلدان ثالثة بدون أي إدانة من مجلس الأمن (مثلاً قائد من حماس في دبي في يناير 2010 مستخدمة أكثر من عشر جوازات أوروبية مزورة)؛ (4) وتستطيع قصف السجن المفتوح الأكبر في العالم، قطاع غزة، مسببة 1400 قتيل مدني في يناير 2009 مقابل 13 عسكري إسرائيلي ولا إدانة من مجلس الأمن؛ (5) وتستطيع الاستمرار في بناء مستوطنات على تراب فلسطيني بدون أن توقفها قرارات مجلس الأمن (مرة أخرى استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية عراب إسرائيل حق النقض الفيتو ضد آخر محاولة لوقفها في 18 فبراير 2011). فهل علىَّ أن أواصل؟ هذا يكفي. وحتى نقر بأن الفلسطينيين ليسوا هتلر؛ ولم يسببوا أي أذىً لليهود؛ ولكنهم فقط يعانون بشكل متواصل لمدة تزيد على ستين عاماً؛ لن ينصلح شيء.

7. لدى حلم: قواعد اللعبة مطلوبة في العالم: حكم القانون داخل البلاد والانصياع التام للقانون الدولي بين الدول

وإسرائيل تلعب بالضبط، بطريقة إقليمية وأكثر تواضعاً، بنفس القواعد الأحادية مثل ما تفعل عرابها الولايات المتحدة الأمريكية، وهكذا يفعل السعوديون. وطالما يملك الغرب (أحادية الولايات المتحدة والخمسة الدائمين في مجلس الأمن) مصالح شخصية ذات طبيعة استراتيجية جغرافية ويستمرون في الدعم بعناد للديكتاتورية السعودية المخالفة لحكم القانون والديمقراطية الإسرائيلية غير الملتزمة بالقانون الدولي فإن: (1) عملية السلام في الشرق الأوسط لن تتقدم ولو حتى بوصة واحدة؛ (2) وستستمر القبضة الصهيونية-الوهابية على ديكتاتوريي الشرق الأوسط (بشكل واضح من وراء الستار، مثل مواصلتهما رسمياً أداء أدوارهما بشكل جيد، ومثل أصدارهما مبادرة السلام العربية من بيروت في 2002) باقية حقيقة واقعة؛ (3) وطالما يستمر الوضع كله قائماً على معايير مزدوجة، فسيستمر بتغذيته لآليات الكراهية في المنطقة.

وكما قال مارتن لوثر كنج في 28 أغسطس 1968 عندما عبر عن حلمه بالعدالة وعدم التمييز، أنا اقول، كديبلوماسية تعمل لمدة طويلة في هذا الحقل، أن حلمي هو رؤية الأمم المتحدة قد أصبحت ذات يوم مؤسسة ديمقراطية لحكم العالم. وحتى يتحقق ذلك الحلم، ستظل الولايات المتحدة الأمريكية والخمسة الدائمون في مجلس الأمن القوة الحاكمة الحاسمة في العالم. وفقط حتى اليوم الذي يقر فيه الغرب، ربما ليس في المدى القريب، لكن بالتأكيد في المدى البعيد، سنكون جميعاً في وضع أفضل كثيراً في عالم محكوم فقط بأمم متحدة ديمقراطية وبهذا محكوم فقط بالقانون الدولي، وحتى يدرك الغرب ذلك، سنستمر في تغذية ألة المعايير المزدوجة وتزييف المعلومات وإرهاب الدولة وغير الدولة والكراهية والاستياء.

دعونا نقتنص الفرصة التاريخية التي سنحت الآن مع الثورة العربية الثالثة التي أطاحت ببعض الوكلاء الإقليميين للوهابية-والصهيونية، مبارك وابن علي، و (0) دعونا نبدأ الوعظ بالقدوة في الغرب ودعونا نبدأ بالالتزام تماماً بالقانون الدولي؛ ودعونا نعزز حجري البناء الأساسيين: (1) فرض عملية الدمقرطة على المملكة العربية السعودية؛ و (2) فرض انصياع إسرائيل للقانون الدولي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. زلزال سوريا وتركيا: ارتفاع حصيلة القتلى إلى أكثر من 11 ألف و


.. الأحزمة النارية.. 80% من الزلازل في العالم تحدث في -الحزام




.. ماذا لو زادت قوة زلزال سوريا وتركيا درجة واحدة فقط؟


.. دور معقد لدائرة الطوارئ والكوارث بأنقرة في التعامل مع الزلزا




.. نائب مدير الدفاع المدني السوري: لم تصل المساعدات الدولية لان