الحوار المتمدن - موبايل


قوس قزح

زكية خيرهم

2011 / 5 / 22
الادب والفن


وأنا أمشي في ربيع من حولي، رأيت طائرا محلّقا وحده في صفاء السماء، يعانق الشمس ويرفرف فوق البحر تحت مطر تسرّبت قطراته إلى أعماق روحه ، وطرقت باب قلبه ناشرة ألوانا نابضة بالحياة. كان النسيم يغني شذى الورود، والفراشات بألوانها اللامتناهية تبتسم لابتسامة ذلك المنظر الحالم. فجأة سَمع فحيح ثعبان يزحف على الأعشاب بسرعة البرق في تلك المسافات الخضراء ، كيف ومن أين تسلّل ...؟ ظل السؤال معلقا، إلا أنه يوحي بأنه قدم من اللامكان أو ربما كان له مكان فاقتلع منه ليتطفّل على البراري والسهول والجبال والوديان والشلالات التي كانت تغني كلها اخضرارِ الربيع.
دخل الثعبان البحر فهاجت أمواجه وعلت وتغيّر لون السماء، فصار أحمر داكنا والغيوم رمادية، تميل إلى السواد والأمطار تحوّلت إلى شهب من نار. كلّ شيء لفّه الحطام. مازلت أراه يرفرف عاليا بعيدا عن إعصار الوحل والشوارع المقفرة، بعيدا عن الصقيع وظلمة الليل حيث طيور مثله ، تشدّ له أزره، وحيث النجوم التي تضيء له الفضاء ، وحيث الشمس حين تبسط شعاع الحب، والليل حين يغطي أخطاء الآخرين.
التفسير صعب والإيضاح مستحيل. ثعبان غيّر المكان وقلَب الطبيعة، يعزف من خلفه الجراح ويزحف على عقده السالفة أيام كان في الجنة عدوا لآدم وحواء. أراه يتمسكن وهو يزحف ، يلسع ... يبثّ السّم، يستطلع .... يتأمل ... يشتاق ...يندم ... ولسانه بقوة ألف لسان. يجتر طريدة تلو الأخرى على إيقاع أزلي، فاختفت الورود والرياحين من العالم كما انطفأت النجوم في عتمة الظلمة وغدا الكون مقبرة تسكنه الأشباح ويعلو فضاءه النواح ، وتحت التراب أنين لصرخات محبوسة موصودة خلف الأبواب. كلمات عالقة في الحلق، ترفض أن تلحق الإهانة بأحد، كلمات تستتر عند الإشفاق، تسارع الهرب من نهش بؤساء يخترعون المآسي عبثا. يا ليتهم يزيدون في مسرّتهم ليفقدوا معرفتهم بالإساءة إلى سواهم وباختراع ما يسبّب الآلام.
ساعاتهم محكومة بالزوال ، ينهشها البؤس وتلبستها الفجيعة، فلم يبق في حوزتهم سوى التسلّق على ذكرياتهم السحيقة لسلوك التهب وطفح كالقروح .... ما عاد لهم مرفأ يرسون عليه ولا نشوة يمضون إليها. خراب حلّ على وجوههم وأوصدت الفراشات الصغيرة عليهم الأبواب وهمس الطائر من فوق :
"هل تذكرين تلك اللعبة المستترة تحت قهقهتك المكتومة وسط ذلك الشارع؟ مازلت أتذكرها كلما مررت من هناك، حيث وقفت وأمرتني أن أجرجر كلماتي وأرمي بها في وجه ذلك المكان؟ سمعتك كالأبله أجري وبين يداي عاصفة تحرق بنارها وأشواكها...... لم أكن أعرف أن مكالمة الجوال أسرع من العاصفة تستبق ألسنة المتربصين، ليستقبلني المكان وفي يديه المرتجفتان خربشات على ورق....!" تنتابني القشعريرة كلّما أقف في ذلك المكان أيتها الساعة المحكومة بالزوال. خذي معك أشواكك التي تدميني ولا تنسي ذكرياتك السحيقة إرويها كما شئت بعيدا عني، وتسلّقي أسوارا بعيدا عن ظهري وأعيدي ساعاتك التي ضاعت وأيامك التي اختطفت ولا تجثي على صدري .. يكفيني ما ألقمتني من حزن بقدر الكون. ألا تعلمين أنه من الصعب أن أعيش مع أناس مادمت أستصعب السكوت إن ظلمت."
غروب الشمس الذي انقضى منذ فترة، جعل الأشجار ترتجف، وطيور الأمل تطير من الأغصان بعيدا، وتختفي رائحة العشب الأخضر من وراء الغيوم ولم يبق سوى رائحة الخيانة تلوّث الهواء.
حلّق الطائر في رعب من هول المكان فوق البحر المتلاطم أمواجه، حاملا معه قصته التي بقيت في قلبه مدفونة، لا أحد في العالم فهِمَ جوهر ما يريد ايصاله. حلّق بعيدا رافضا أن ينظر إلى الأسفل، كما أنه لا يرى أحدا فوقه.
كنت أراه في مرآة القمر يبتسم لي رغم الظلمة وليلها الغريب، ورغم الصحاري وحرارة اللهيب، ورغم السراب المحمّل بالضغينة والشرور. من تلك الأعالي أراه نجما يشير إلى فجر جديد ، نجوم من حوله لاتعد ولا تحصى تزين السماء، وهو يطير في ذلك الكون ، رغم خيبات الأمل والغابة المسكونة بالأشباح، ورغم الصمت المكتظ بالهمس الذي يقتحم الأسوار . أراه يعتق عنانه ويجعل الريح حصانه ويحلّ بعيدا ... عاليا، فيختفي اللهيب فجأة ويشع نور لتتيح للقافلة السير بنفس الأمل رغم طول السفر وظلمة الليل.
عاصفة هوجاء القيت في جوف اليمّ عمدا وأقلعت الشمس من مكانها فأصبح المكان عورة مفضوحة، مستسلما دون ثورة ، مأخوذا بالضعف والوهن، عاجزا عن التخلّص من أي شيء، عاجزا عن الحسم في أيّ شيء أو ردّ أيّ شيء. أصبحت جارحة مزعجة مثل حدّ السيف القاطع.

تارة هادئة وتارة متجهّمة، ممتدّة ثقيلة الإقامة وغالبا مدركة لكلّ المعاني. هجوعها منذ الأزل لم يكن إلاّ لتأمّل الأشياء التي لا يمكن لأي مخلوق إدراكها. تحدّد الخطوط والثّنايا وتنقل الأسرار والفتنة وتحاكي ما لا يحاكى، فتصيبك الأشياء في العمق، والذكرى تغذو جرحا متقيّحا.
استسلم الطائر دون عناء فوقع على تلك المياه العملاقة، يستحمّ ويسبح. وجد مياه اليمّ رغم هيجانه صافية لامعة. لم يهلك الطائر .... لقد كانت المياه نقية من حوله كما يشتهيها. والأمواج تهتف له بأمل ناصع ليعود كما كان.
هل هو لعبة حظ أم قدر، ذلك الذي يفرق الناس ويجمعهم مرة أخرى، ليقولون شيئا ويفكرون في أشياء أخرى. سمعته يهمس لي من ذلك الأفق:" إنني أحلّق بعيدا، كلّ ما ورائي تركته خلفي وها أنا أمضي معانقا بجناحيّ كل ما هو أمامي، سادلا ستائري بعيدا عن نعيق الغربان ... ألا ترين كيف وقفت على قدميّ ....؟ أنا تلك النار الوحيدة التي تستطيع أن تعيش تحت المطر.












التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما هو تقييم المخرج اللبناني إيلي خليفة لمهرجان مالمو للسينما


.. عودة شريهان إلى الساحة الفنية في رمضان 2021.. الفنانة يسرا ت


.. الفنانة يسرا ربنا بيحبنا وبيحب مصر | #مع_جيزال




.. عزاء والدة الفنان أحمد خالد صالح بالشيخ زايد


.. حواديت المصري اليوم | فنان من طراز فريد.. نحات الموسيقى أحمد