الحوار المتمدن - موبايل


هدم الأطر الثقافية التقليدية الحاكمة للمجتمع المصري (2)... محاربة الفساد وثقافته في المجتمع المصري

خالد كاظم أبو دوح

2011 / 6 / 7
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


تعرضت في المقالة السابقة إلى ضرورة تغيير الأطر الحاكمة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، والاتفاق على تأسيس عقد اجتماعي جديد، يعتمد القيم الحداثية كإطار مرجعي، وفي هذه المقالة أود التأكيد على ضرورة مواجهة الفساد وثقافته، فالعديد من الدراسات السوسيولوجية أكدت على أن الفساد في البنية الاجتماعية المصرية قد استشرى بين الشرائح الاجتماعية القريبة من السلطة، أو القادرة على الاقتراب منها، منهم من حصل على قروض ضخمة من بنوك الدولة دون ضمان وهرب خارج البلاد، ورؤساء تحرير لصحف قومية يراكموا ثروات ضخمة من حصيلة الإعلانات التي كان من الواجب أن تذهب للدولة، وذلك مقابل ما يقدمونه لرجال الحكم من خدمات سياسية وشخصية، وشركات وهمية تنشأ تحت شعارات دينية، وتجمع بناء على ذلك مدخرات صغار المستثمرين، فتستثمرها فى مجالات مجهولة أو غير قانونية تحت سمع الدولة وبصرها، فى مقابل أن توزع على كبار المسئولين أرباحاً خيالية طبقاً لكشوف تسمى "كشوف البركة"، وتصدر الدولة قرارات بتخفيض قيمة العملة أو رفعها طبقاً لمصلحة أشخاص من ذوى النفوذ يكونون الثروات من شراء العملة ثم بيعها ...الخ.
عندما كان يحدث هذا بين الشرائح العليا فى المجتمع، كانت عوامل أخرى تعمل على انتشار الفساد فى شرائح المجتمع الدنيا والوسطى، لقد زاد باستمرار عدد الأفراد الذين يستطيعون مجرد البقاء على قيد الحياة بدون الخروج على القانون، لقد أصبح الفساد فى هذا الظرف يشكل مؤسسة، وأصبح البعض يتحدث عن ثقافة الفساد فى المجتمع، لا يزدهر الفساد فى البنية الاجتماعية إلا فى إطار غياب دولة القانون والمؤسسات، ومن ثم يحرص الفاسدون على تخريب أجهزة الدولة وإفسادها، وتقويض آليات الممارسة الديمقراطية، وهو ما يتجلى بوضوح فى العديد من مجالات الفضاء الاجتماعي
فعلى سبيل المثال أصبحت الرشوة الصغيرة والكبيرة متوقعة بل وواجبة، يجرى دفعها واستلامها علناً وبدون شعور بالخزي أو الخجل، واعتبرها الموظف البسيط جزءاً من دخله الشهري، لقد أصبح الفساد هو نفسه القانون الذي لا يجوز الخروج عليه، وأين القانون والقضاء وقد استهان رجال السلطة بأحكام القضاء وامتنعوا عن تنفيذها في الجامعات والمؤسسات الحكومية الأخرى. لقد تحول الفساد إلى ثقافة حاكمة، وعمل على تشويه الحوافز نحو العمل، فيخصص الأفراد وقتهم لممارسة الفساد وليس الأنشطة المنتجة.
وتقع مسئولية الفساد هنا على عاتق عدة أطراف؛ المواطنون الذين يطلبون الممارسات الفاسدة ليحصلوا على منافع لهم، المسئولون العموميون الذين يعرضون خدماتهم بمقابل، السلطة السياسية والنخبة الحاكمة التي لا تمارس دورها الرقابي بفاعلية، ولا تسمح أطرها الحاكمة بتجذير النزاهة والشفافية في الدولة والمجتمع، العلاقات الاجتماعية المعيبة التي تسمح بالتجاوزات الفاسدة لذوي القربى والأصدقاء والشلة.
ماذا تحتاج مصر في ظل هذا الوضع؟
إننا نحتاج إلى إعادة بناء البشر، وهذا لا يتأتى بالتعليم والتدريب فقط، ولكنه يتم من خلال تدعيم عدد من المُثل العليا في العمل والأداء والعلاقات الاجتماعية، وغالباً ما ترتبط هذه المُثل العليا بالأدوار التي يؤديها الأفراد في مختلف مجالات المجتمع، وهذه المُثل العليا هي التي تمنع المجتمع من الانزلاق إلى اللامعيارية (حالة فقدان المعايير وتفككها بحيث يكون لكل فرد معاييره الخاصة بصرف النظر عن المجتمع) ويتم إنتاج المُثل العليا في المجالات المختلفة، وعبر المستويات المتباينة، فتنتج داخل المصنع والحزب والمستشفى والجامعة والمدرسة والمؤسسات المدنية، وتنتج داخل الأسرة والمسجد والكنيسة والنادي، ويتم إنتاج المُثل العليا من خلال مجموعة من الآليات التي تؤكد العلاقة بين الأداء أو الإنجاز في كل مجال من مجالات الحياة، وتوقعات الدور المرتبطة بهذا الأداء، فماذا نتوقع من رجل الحكم في مجتمع العدل، ومن رجل الأعمال، ومن أستاذ الجامعة، ومن المدرس، ومن الطبيب، ومن رجل الدين، ومن القاضي، ومن العامل، ومن الفلاح..........إلخ
لابد من توطين فكرة العدل وتجذيرها كفكرة مركزية، يرتبط بها عدد من القيم المركزية لعل أهمها؛ العمومية بمعنى المساواة في الحقوق والواجبات وتطبيق مبادئ عامة على الأفراد جميعاً، الانجاز أو الكفاءة كمعيار للحصول على الفرص في التعليم والعمل وفي الحياة العامة.
وعلى نفس قدر الأهمية التي تحتلها فكرة بناء هذه المُثل، لابد أن نهتم بهدم عدد كبير من القيم على مستوى ممارسات كل فرد منا، نهدم القيم الخاصة التي تفضل فئة على فئة أو تعطي مزايا لفئة على حساب فئة أخرى، نحارب الشللية وما يترتب عليها من صور للتحيز والهوى وللشفاعة والوساطة، الوقوف ضد التقليل من شأن فئة من الفئات أو وصمها بأوصاف معينة، نترك التقاعس عن أداء الواجب في العمل أو في الحياة العامة، نهجر الكسل أو عدم القدرة على تطوير الذات وتنمية طاقات الإنجاز، نطارد من يدير ظهره إلى المجتمع ويعظم من مكاسبه الشخصية على حساب إهمال المصلحة العامة أو هدرها. وأخيراً يعمل كل مصري على أن يتحول القانون إلى قيمة سلوكية وممارسة يومية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما موقف المغرب مما يحدث في القدس وغزة؟


.. محادثات فيينا بين التفاؤل والتشاؤم.. روسيا تؤكد عدم استحالة


.. تصعيد غير مسبوق بين غزة وإسرائيل.. ومساعٍ مصرية للتهدئة | #غ




.. القبة الحديدية.. اختبار جديد مع صواريخ ومسيّرات غزة | #غرفة_


.. جريمة جديدة في موقع فض اعتصام القيادة العامة في السودان..وحم