الحوار المتمدن - موبايل


العدمية كإنعتاق- الفيلسوف جياني فاتّيمو-تعريب الاخضر القرمطي (مع مقدمة عن الفيلسوف)

الاخضر القرمطي
(William Outa)

2011 / 8 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


العدمية كإنعتاق
جياني فاتّيمو
تعريب الاخضر القرمطي

النص الأصلي:
Gianni Vattimo- Nihilism as Emancipation
Cosmos and History: The Journal of Natural and Social Philosophy, vol. 5, no. 1, 2009
مقدمة عن الفيلسوف
" أصبحت ملحدًا وإن الفضل يعود لله فقط "
" أعتقد أنّي أعتقد"
جيانو فاتّيمو (واسمه الحقيقي جيانتيريزو فاتّيمو) فيلسوف ايطالي معاصر، وُلِد عام 1936 في مدينة تورينو. درس الفلسفة في جامعة هذه المدينة وتخرّج منها عام 1959.
في العام 1964، أصبح استاذًا مساعدًا في جامعة تورينو، ومن ثم استاذًا للأخلاقيات عام 1969، وفي العام 1982، أصبح استاذًا لمادة الفلسفة النظرية؛ كما ان فاتّيمو هو استاذ زائر في عدد من الجامعات الاميركية.
انتسب جاتيمو الى الحزب الشيوعي الايطالي بعد ان نشط في عدة احزاب كالحزب الراديكالي وتحالف تورينو وحزب ديموقراطيي اليسار. وقد أصبح عضوًا في البرلمان الاوروبي بين عامي 1994 و 2004. ومعروف عن فاتّيمو مواقفه المؤيدة للقضية الفلسطينية ، فهو من الموقعين عام 2009 على عريضة تدعو الاتحاد الاوروبي الى ازالة اسم منظمة حماس عن لائحة التنظيمات الارهابية وبأن تُمنح صفة ممثل شرعي عن الشعب الفلسطيني.
لا يتورّع فاتّيمو عن الافصاح عن هويته المثلية والدينية باعتباره كاثوليكيًا يرحب بموت الله. وفي اطار نوع من المسيحية الملحدة، يدافع عن كنيسة كاثوليكية أقل دوغمائية وأكثر ليونة ورحمة. وهو يعتقد في هذا الخصوص أن فكرة الحب المسيحي قد تلعب دورًا ايجابيًا في عالمٍ من الثقافات المتعددة وفي عصرٍ معولم.
فلسفة فاتّيمو
يُمكِن إدراج اسم فاتّيمو في فضاء فلسفة ما بعد الحداثة: يعتبر فيلسوفنا ان الانعتاق الانساني كمشروع حداثي تنويري يبغي تقدّم العقل عبر الوعي بالذات بالتلاؤم مع الطبيعة والتنظيم العقلاني للمجتمع، هذا المشروع قد قُوِّض بسبب هيمنة التقنية الجديدة والاعلام الجماهيري على المجتمعات المعاصرة؛ فهذه التطورات قد انتجت عالمًا مفتتًا ومعقدًا، حيث أن التعقيد المتواصل في التخطيطات التأويلية غير المنسجمة قد جعل من المستحيل فرض وجهة نظر واحدة و "موضوعية" بهدف تأسيس مفهوم تقدمي موّحد عن التاريخ البشري. بالنسبة لفاتّيمو، لن ينتج هذا الواقع الجديد سوى أونطولوجيا واهنة ومفككة أفضت الى ضعف وتفكك في المطامح الميتافيزيكية للفلسفة التقليدية بإتجاه "تفكيرٍ ضعيف". ويربط فاتّيمو هذه المقاربة مع مفاهيم العدمية والاختلاف التي استقاها من نيتشه وهايدغر.
إن الواقع الما بعد حداثي، بالنسبة لفاتّيمو، يفتقر الى وحدة الطبيعة البشرية والعالمية. وهو يرى ان مقولات الوحدة البشرية والعالمية التي أتت بها الثقافة الاوروبية كانت مجرد اساطير وتبريرات أفسدت شروط الحياة البشرية واستُعمِلت كمبرر لحرب عالمية ضد الارهاب، ووُجّهت نحو توحيد العالم بشكل امبريالي لا يأخد بعين الاعتبار الاختلاف الثقافي.
يرفض جياني فاتّيمو اي مقولة عن بنية متعالية للعقل او للحقيقة قد تُعطى مرة وللأبد.لا يحاجج عن فقدان لكل حقيقة، بل يدافع عن تأويلٍ متجدد (إنطلاقًا من هيدغر) لحقيقة تنفتح نحو أفاق واسعة: إن الفلسفات تخضع دومًا لاستجواب اسئلة طارئة، وهي اسئلة تمتلك صفة "أنطولوجيا الراهنية"، وما يثبت هذا الامر هي الروابط الثقافية التاريخية الخاصة بالفلسفات.
في كلامه عن الهيرمنوتيكا، يعتبر فاتّيمو أن هذه الفلسفة قد أصبحت مبهمة ومملة، وبالتالي عليها أن تقدّم نفسها بإعتبارها أكثر الفلسفات التأويلية إقناعًا في حالةٍ أو زمنٍ ما، بشرط إنسجامها مع رفضها للميتافيزكيات، وذلك عبر قراءتها بإعتبارها تحمل وظيفة عدمية.
وفي ما يخص العدمية، وهي بالنسبة له حقيقة التاريخ، فإن قراءةً عدمية الطابع للتاريخ تُلزم الفلسفة بموقفٍ خاص تجاه الحداثة، ووفقًا لهذا الموقف تبدو الحداثة قد حلّت نفسها من الداخل عبر التطرف الإنحرافي والتشويهي لمقدماتها. ويستعيد فاتّيمو المصطلح الهايدغري Verwindung (الحيلة) ليحوز الشفاء المابعد حداثي من الحداثة ذاتها (إن التاريخ هو سيرورة اضعاف او مسيرة علمنة وخيبة امل بحسب فاتّيمو، ولكنها مسيرة تفترض قرارًا بنبذ العنف. وإن اخلاقيات التواصل كما أظهرها هابرماس تبدو لفاتّيمو وكأنها تعاني من كونها قد وجدت نفسها في موضع جوهري مجرد ولاتاريخي، في الوقت الذي تتأرجح فيه بين الشكلانية والنسبوية الثقافية).
فاتّيمو والماركسية
يؤيد هذا الفيلسوف اليساري الماركسية ولكن بعد القيام بإعادة تقييم إيجابي لمشروعها ولمبادئها، وهو يدعو الى العودة الى فكر ماركس ("ماركس المُضّعف") والى الشيوعية بشرط التخلص من القراءة السوفياتية المشوهة والتي تخطاها التاريخ. إن كتابات ماركس قادرة، بحسب وجهة نظره، على تبيان الطبيعة الحقة للشيوعية، وإن المقاربة الماركسية الجديدة ستكون نوع من تطوير للتفكير الواهن الضعيف غير المتمركز وغير الدوغمائي في إطار منظور سياسي.
أبرز اعماله:
- نهاية الحداثة: العدمية والهيرمنوتيكا في ثقافة ما بعد الحداثة (1991).
- المجتمع الشفّاف (1992).
- مغامرة الاختلاف: الفلسفة بعد نيتشه وهايدغر (1993).
- أبعد من التأويل : معنى الهيرمنوتيكا للفلسفة (1997).
- الديانة (جاك دريدا)، تحرير جياني فاتّيمو (1998).
- الإيمان (1999).
- نيتشه : الفلسفة كثقافة نقدية (2002).
- ما بعد المسيحية (2002).
- العدمية والإنعتاق: الاخلاق، السياسة والقانون (2004).
- مستقبل الديانة (2005).
- بعد موت الله (بالاشتراك مع جون كابّوتو) (2006).
- حوار مع نيتشه (2008).
- إدّعاء الفن على الحقيقة (2008).
- المسيحية، الحقيقة والتفكير الضعيف (بالاشتراك مع رينيه جيرار)-(2009)
- مسؤولية الفيلسوف (2010).
- الشيوعية الهيرمنوتيكية (بالاشتراك مع سانتياغو زابالا)-(2011).
________________________________________
نص المقالة
العدمية كإنعتاق
كيف يمكننا التكلم عن الإنعتاق، والذي هو، عملية تحرير من قيود نحو حرية ، استقلالية و امكانية أكبر للإختيار، في حين نربطه بمفاهيم كتلك الخاصة بالعدمية والهرمنوتيكا؟
علينا أولاً ان نشير – كما تسنّى لي أن أبيّن وأعرض في عدد من الكتب- ان مصطلحي العدمية والهرميوتيكا يُستعملان هنا كمترادفين.
هذه الصعوبة الأولى لا تُناقش هنا بشكل ممنهج؛ مع ذلك، فإن نيتشه و هيدغر، وماركس قبلهما وحتى هيغل، قد علمّونا أن نمو الوعي الذي نعتقد بانحصاره ضمن حدود الثقافة الغربية فقط هو فعليًا جزءٌ من هذه الثقافة، وأن عدميته، منذ الفكرة المجردة عن حقيقة كونية [كلّية] وانسانية عابرة للثقافات ( كمثال عقيدة القانون الطبيعي) قد نضجت بالتحديد بين حدود هذه الثقافة. عندما تعي الفلسفة الغربية هذا الأمر، تصبح عدمية؛ وتلاحظ أن تفكّرها هو دائمًا في وضعية تاريخية- ثقافية، أنه حتى مثال الكونية [الشمولية] "يُفهم" من وجهة نظرٍ محددة.
ولكن تبعًا لذلك، تصبح العدمية هرمينوتيكا : كتفكير يعلم أن بإمكانه ان يقصد الكوني فقط بالمرور عبر الحوار، الإتفاق، او الخيرية. ‘Veritatem facientes in caritate’( أن تحيا الحقيقة في الخيرية): بترجمته الى مصطلحات الفلسفة الآنية، يعني هذا الشعار البولسي [نسبة الى القديس بولس او بول] – الذي علاوة على ذلك يردد صدى الكشف عن الحقيقة لدى ارسطو في الاخلاق النقوماخية- يعني أن الحقيقة تولد في الاتفاق ومن الاتفاق، وليس العكس بالعكس، بمعنى اننا سنصل الى الاتفاق فقط عندما نكون قد اكتشفنا الحقيقة الموضوعية عينها. إن الانعتاق بالنسبة لنا هو المعنى الملائم للعدمية إن قرأنا هذا المصطلح النيتشوي في ضوء عبارة حاسمة اخرى لدى الفيلسوف الالماني :" مات الله، والآن نتمى لآلهة كثيرين أن يعيشوا". ما يحررنا هو الغاء الاسس ( في هذا الالغاء يمكن لنا حتى ان نميّز لحظة الانتقال من الحداثة الى ما بعد الحداثة)- مرة أخرى، مع صدى عميق للشعار " إن الحقيقة ستحررك".
هل يعني هذا أن معرفة كيف هي الاشياء في حقيقتها سيحررك- إكتشاف نظرية فيتاغوراس في النهاية؟ النظام الهندسي الضروري للكون؟ نسبية آينشتاين؟
كلا. هذا يعني، بالأحرى، أن " الحقيقة هي فقط ما يحررك"؛ الحقيقة هي، الى هنا، بداية كل "إكتشاف" بأن لا وجود لأسس مطلقة على حريتنا ان تتوقف عندها، والتي تكون بديلاً عن كل انواع السلطات التي تريد أن تحكم على وجه التحديد باسم هذه الاسس المطلقة والتي سعت دومًا الى أن تجعلنا نثق [بها]. الهرمنوتيكا هي التفكير بعدمية منجزة، التفكير الذي يسعى الى اعادة بناء للعقلانية بعد موت الله، في معارضة لأي انزلاق نحو عدمية سلبية، اي نحو يأس هؤلاء الذي يستمرون بالحزن لأن "ليس هناك من ديانة بعد". من الواضح أن كل ذلك له آثار هامة على كيفية تصوّر الاخلاق، القانون والسياسة.
بعد موت الله، هل من الممكن الكلام عن إلزامات أخلاقية، عن قوانين لا تؤسَس تعسفًا، وعن أفق للإنعتاق في ما يتعلق بالسياسة؟
إن عملي لا يضلل ذاته في الاعتقاد بأنه يقدم أجوبة شاملة عن هذه الاسئلة ، ولكن لا يقيّد نفسه في ترديدها بشكل منمّق- وهذا ما تقوم به الى حد كبير المآسوية tragicism المعاصرة ، تستنزف نفسها في التشديد البلاغي على إشكالانية problematicity الشرط الانساني، غالبًا من أجل إعداد "وثبة إيمانية" (والتي تصبح لاحقًا وثبة الى اللاعقلانية المحضة وإرتدادًا تاليًا نحو الاستبدادية الدوغماطيكية للكنائس، للجان المركزية وللزعماء الكريزماتيين)، او، في احيانٍ اخرى، ولكي تبقي نفسها في وعي بسيط محض بأن "ليس هناك حل"، عبر الذريعة الضمنية، ، بأنه، وسقراطيًا، معرفة اننا لا نعرف هو الشيء الافضل دومًا (وقد كان نيتشه محقًا عندما كشف القناع عن العقلانية المتفائلة لسلوك كهذا).
من الطبيعي أن الخروج الهيرمنوتيكي من العدمية المأسوية والسلبية يستلزم ايضًا استعادة العديد من سماتها؛ يجب القول مع نيتشه أنه ليس بالامكان البناء بدون تدمير. أو حتى، بواقعية أكثر، يجب القول أن أمّ كل الاستبداديات الميتافيزيكية الغيبية حبلى دائمًا، من ثمَّ فإن مهمة العلمنة- اي كشف القناع عن قدسية اي مطلق كان، اية حقيقة مطلقة- تبدو بعيدة جدًا عن الاعتبار انه قد عفى عليها الزمن.
تشهد القوانين والسياسة والحياة الاجتماعية باستمرار على هذا الادعاء، ليس في ايطاليا فقط، حيث تستمر الكنيسة الكاثوليكية بفرض (المطالبة بـ) قيود غير عقلانية على قوانين الدولة ( في ما يخص الزواج المدني، الابحاث حول الجنين، والموت الرحيم...)، ولكن ايضًا الآن في السياسة الدولية، حيث تتخفى الهيمنة الاميركية خلف قناع التهديدات الانسانوية الديموقراطية لتفرض شكلاً من أشكال دولة شُرطة عالمية والتي "تُشرَّع" باحترام مزعوم لحقوق الانسان، او لما تعتبره الامبراطورية على انه كذلك. ألن تثير النابوليونية الجديدة بعض التمردات "الرومانسية" الجديدة للقوميات، وللثقافات، للشعب (مع كل التحفظات التي وجب أخذها في ما يخص هذه المصطلحات) ضد السلم الاميركي pax Americana المسلّح؟
ولكن الهيرمنوتيكا تُضمر إستهلالين نحو البنّائية.. بادئ ذي بدء ، لا تدّعي [مقولة] موت الله كونها حقيقة مكتملة نهائيًا ، على أساسها يمكن للمرء أن يوجد دوغماطيكيًا بعض قوانين طبيعية للالحاد ، للعالم غير المخلوق أو بعض من النموذج النازي للإنسان الأعلى. ليس على العدمية البناءة للهيرمنوتيكا فقط الدفاع عن نفسها ضد العودة العُصابية للإستبدادية ، ولكن أيضا ضد التصلب الميتافيزيكي لكل ما هو مناهض للأصولية (على سبيل المثال ، هذا الأخير يسير جنبًا الى جنب [الاصوليات] بسهولة نحو خدعة الحرية والديمقراطية بوسائل التدخلات العسكرية ضد ما سمّاه الرئيس بوش "الدول المارقة"- الاخيرة هي عادة من هذا القبيل ، ولكن ليس بوش أو الأمم المتحدة التي تحولت إلى محكمة أخلاقية للقانون بإمكانهم إصدار الحكم على هذه الدول).
أمام كل هذه التشوهات من العدمية ، تصطدم الهيرمنوتيكا أولا وأخيرا بالمبدأ المجرد لتعدد التأويلات ، اي مبدأ احترام حرية الجميع في الاختيار. بالتأكيد ، ليس هذا بأكثر بكثير من عقلانية هابرماس في التواصل ، ولكن هذه الأخيرة هي هنا مجرَّدة من بقايا العقلانية الميتافيزيقية التي لا تزال تضعفها ،مثل هذه النظرية ، مع مثلنتها (its idealization) لمعرفة محررة من الظلمات وفي نهاية المطاف على غرار المنهج العلمي ، فإنها تخاطر دومًا بشرعنة مستقبلٍ يهيمن عليه كل أصناف "الخبراء".
هكذا تظل الاسلحة النقدية للعدمية السلبية حاسمة لبنائية الهيرمنوتيكا. إن محاولة صياغة قوانين، دساتير، وتدابير سياسية عادية استنادًا الى فكرة تحرير تصاعدي للقواعد والقيم من اي قيود "طبيعية" مزعومة ( تلك التي تظهر فقط لهؤلاء الذين يملكون القوة) [هذه المحاولة] يمكن ان تشكل بالفعل مشروعًا سياسيًا ايجابيًا. فلنتذكر أنه، ومنذ عدة سنوات حينها، فسّر منظّر قريب من هابرماس ككارل أوتو آبل الكفاح ضد الجوع العالمي على اساس احترام الحقوق المتساوية لمحادثتنا، والتي تُفرَض علينا من قبل اي استعمال للغة، حول ألم تناقضٍ أدائي... وذلك معناه: حتى حين اتحدث مع ذاتي فقط عليّ ان احترم بعض القواعد؛ أنا مسؤول عن احترامٍ كهذا قبل اي محادثة، ما يعني انني امنح عين الحقوق لأي محاور؛ ولكن من ثمَّ عليَ ايضًا ان اضمن له ايجابيًا شروط ممارسة هذه الحقوق، وبالتالي الظروف البشرية للبقاء على قيد الحياة.
الآن، ينضوي المثال الهيرمنوتيكي (و "العدمي") ،في تأسيس كل قانون او سلوك اجتماعي على اساس احترام حرية الجميع وليس على اساس هدفٍ مزعومٍ او معايير "طبيعية"، [ينضوي] على نتائج ايجابية هي ارحب بكثير من تلك التي اشار اليها أوتو آبل في عمله في أعوام الستينات- بعد كل شيء، بدون أن يعطيها إنماءً برنامجيًا واضحًا. على سبيل المثال، إن السلام- حتى كذلك عندما لا يُفهَم لاهوتيًا باعتباره "طمأنينة النظام العام"، وفقًا لقول اوغسطين الذي استخدمته الكنيسة الكاثوليكية لتبرر أسوأ [أنواع] السكوت عن الفاشية والنازية- هو [اي السلام] حق انساني اساسي قد وصل مؤخرًا الى الواجهة للأسف بشكل موضعي وإشكالي.

أليس ايضًا إصلاح الدساتير وصياغة القوانين التي تاخذ بعين الاعتبار حقوق كهذه هي اساس برنامج سياسي ايجابي؟ في نهاية المطاف، هذا ما يميّز الانتقال (الضروري) من الليبرالية الى الديموقراطية، و بالنسبة لنا، الى الاشتراكية؛ حقًا ومن أجل تحقق حقوق الحرية التي بشرت بها الليبرالية، علينا الا ندع الأمور تجري "تبعًا لمبادئها الخاصة"، على سبيل المثال بحسب قوانين السوق ( هناك "طبيعانية" غير مقبولة عند آدم سميث!). بدلاً من ذلك، علينا ان ننشأ ظروف للمساواة هي بالفعل ليس مُعطاة "طبيعيًا".
إن أردنا ان نلخصّ في بضعة كلمات معنى الهيرمنوتيكا العدمية- والتي هي قبل كل شيء مغامرة غيرمتحفظة بكل معنى الكلمة- ما أجده أنا فيها حتى هذه اللحظة هو تأكيد لأطروحة هايدغر حول الكينونة كـ"حدث"، وليس كبنية مستقرة تُعطى مرة وللأبد (ما يسميه هايدغر "الميتافيزيكيات"). هي حدثٌ ممكن فقط عندما "لا تكون" الكينونة، أو انها لم تعد- بشرط أن يكون الله قد مات و أن تكون البنية الابدية للقيم قد تم فضحها بإعتبارها كذبة. فقط في حالة اجتياز تجربة العدمية المُدرَكة بهذا الشكل يمكن التخطيط لمجتمع حيث لن تكون الحرية مقولة فارغة: الحقيقة "تُصنَع" دائمًا، وبالتالي فالقيم تُبتكَر دومًا من جديد. في فكرٍ عدميّ كهذا، تؤسس المساواة ذاتها نهائيًا، وما يسمّيه ريتشارد رورتي تضامنًا يصبح ممكنًا- او بشكل أفضل ضروريًا- من اجل تحسين الحياة، والاساس الوحيد الممكن للحقيقة لا يتطلب التملص من الشروط التاريخية حيث البقاء يكون دومًا "مهمَلاً".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - wpkcaaxm txtpuclp
uxygzcjp ( 2014 / 4 / 10 - 13:54 )
yyfvttiz instant payday loans qrpxyaxv short term loans http://edl-inc.co.uk grhaikr

اخر الافلام

.. لماذا يريد الاتحاد الأوروبي توطيد علاقاته التجارية مع الهند؟


.. العراق.. رغم جائحة كورونا استمرار التكافل الاجتماعي في رمضان


.. مباشر.. العرض العسكري في موسكر بمنابسة الذكرى الـ76 للنصر




.. أخبار بلا سياسة | طوابير أمام مسجد كولونيا للقاح كورونا


.. صباح العربية | مجوهرات فنية للمصممة اللبنانية ندى غزال