الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الأحزاب الكوردية في سورية وضرورة التغيير2

مسعود عكو

2004 / 12 / 2
القضية الكردية


شكلت المؤامرة الدولية التي تم بموجبها تسليم الزعيم الكوردي عبد الله أوجلان إلى السلطات التركية شكلت نقطة انعطاف في تاريخ الحركة الكوردستانية بشكل عام وخاصة على الساحة الكوردية في تركية حيث مما لا شك فيه أن اعتقال أوجلان وتسليمه للعسكر التركي بتلك الطريقة الدنيئة أوضحت للأكراد جميعاً بأنه لم يوجد في التاريخ أي صديق للأكراد سوى تلك الجبال العالية التي احتضنت كل الثورات الكوردية وكانت خير ملاذ آمن للمقاتلين الكورد على مر العصور على الرغم من اختلاف الخصوم الذين يعادون الكورد.

من هنا يأتي النقد السلبي على حزب العمال الكوردستاني والتي لم تقم كما الأحزاب الكوردية الأخرى بخلق خليفة لقائد الحزب بل ظل معظم الناس و خاصة عناصر العمال الكوردستاني إلى هذه اللحظة لا يمكنهم التخيل بأن القائد الذي كان يقودهم صار في غياهب السجن وهنا تكمن المعضلة أي عدم الإعداد للبديل النوعي الحقيقي في حالة رحيل الزعيم أو موت القائد أو أي حادثة أخرى.

بالفعل تم تغيرات كثيرة في الحزب واستقر اسمه على مؤتمر شعب كوردستان والذي اتخذ بعد ذلك قرارات حكيمة من خلال تشكيل تنظيمات خاصة لكل منطقة من كوردستان حيث انتهت وصاية المؤتمر على أنصاره خارج تركية وأسس في سورية حزب الاتحاد الديمقراطي الذي أعلن نفسه كحزب كوردي سوري وانضم إلى قافلة الأحزاب الكوردية الأخرى في سورية.

إلا أن الأحزاب الكوردية في سورية لا زالت وإلى هذه اللحظة تتوخى الحذر لأسباب خاصة بها من العمل مع الاتحاد الديمقراطي متذرعة بالخلفية التاريخية لحزب العمال الكوردستاني والذي لم تكن له علاقة ودية مع الأحزاب الكوردية الأخرى وخاصة في نهايات القرن المنصرم بل ظلت هذه الأحزاب تتجاهل هذا الحزب الوليد إلا في مناسبات صغيرة جداً كنشر البيانات المشتركة في أحداث القامشلي الدامية.

الاتحاد الديمقراطي بصفته حزباً جديداً يمكنه أن يبدأ بالخطوة الأولى نحو العمل الجاد كحزب كوردي خاص بأكراد سورية ولكن عليه أيضاً أن يتخلص من عقدة القائد وتخليد الزعيم أي أن الحزب هو بأعضائه الحاليين سيكون أقوى وأكثر نشاطاً فيما لو ظل يبكي على أطلال القائد السابق مع مراعاة مشاعر محبي القائد ولكن على الحزب الحقيقي أن يكمل المشوار الذي بدأ به قائده ولا يظل يراوح في مكانه كما حال كل الشعوب الشرقية التي تنهي حياتها بانتهاء حياة قوادها فالحزب الحقيقي هو الذي يجعل كل أعضاءه قواداً قادرين على العمل في مكان القيادة والحزب الذي يستطيع أن يتجاوز هذه العقدة يستطيع أن يكمل مشواره إلى النهاية.

ولكن تشرذم الأحزاب الكوردية في سورية أدى بهذا الوليد أيضاً التقاعس عن العمل فنادراً ما نجد فعاليات هذا الحزب بل نادراً ما نرى تصريحاته إلا في الآونة الأخيرة وخصوصاً بعد موجة الاعتقالات التي طالت رفاق الحزب القدامى الذين عادوا من الثورة بالإضافة إلى عدد لا بأس به من رفاق الحزب الجديد وابتعاد الحزب عن الحركة بشكل عام خلق نوعاً من التسيب لدى الحزب نفسه الذي لا زال معظم الكورد يرى بأنه حزب كوردي ولكنه لأكراد تركية وليس لأكراد سورية وهذا بطبيعة الحال خلق نوعاً من الفتور السياسي تجاهه كحزب أولاً وكعناصر ضمن الحزب ثانياً.

إن التغيير الذي أدى بحزب العمال الكوردستاني أن يغير من اسمه ومن كفاحه المسلح إلى الكفاح السياسي وقبوله التفاوض من أجل الحقوق القومية للشعب الكوردي في تركية بل حتى انتخاب زعيم جديد للحزب أدى به إلى ركوب موجة التطور والتغيير الذي يشهده العالم بكل أشكاله السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأن مجرد الرجوع عن الخطأ هو أكبر فضيلة فما بالك لو تمت عملية التغيير من القاعدة حتى القمة فمسألة التغيير لدى الاتحاد الديمقراطي ظهرت إبان إعلان الحزب كحركة خاصة بأكراد سورية ووصول ذروة النقاش إلى مقدسات عندهم كانت إلى وقت قريب من الممنوعات والخطوط الحمر التي كان يحرم على المرء تجاوزها ولكنها الأن أصبحت من البديهيات في النقاش معهم كحزب وكجماهير وكقيادة فلا فيتو على أي شخص ولا حدود للنقاش إلا إذا كان القصد من وراءه كسر الشعور واللعب بالعواطف عن قصد التجريح والتخوين هذا ما لا يقبله أحد مهما كان هذا الشخص منفتحاً ومتنوراً فثوابت النقاش يجب أن تراعى في آداب الكلام ولا يجوز لأي شخص تجريح الأخر ولكن يجب علينا أن ننتقد أنفسنا بنقد بناء فيه خير الشعب وصلاح الحركة.
إن الحزب الذي كان لا يقبل مجرد النقاش العادي مع الأحزاب الأخرى بات هو يطرح حلقات التواصل للوصول إلى صيغ مشتركة للعمل والتعاون من أجل إيجاد الحلول المنصفة للقضية الكوردية في سورية ولكن الأحزاب الكوردية الأخرى هي التي تبتعد عن التحاور مع الاتحاد الديمقراطي ولا تفتح قنوات الحوار ولو لمجرد معرفة آراء الأخر الكوردي وهذه النقطة تضع تلك الأحزاب في موقع المتهم الذي يتهم الضحية وهو المذنب بغض النظر عن آلية التحاور والنقاش ولكن يجب مناقشة كافة الأمور المتعلقة بالوضع السياسي للشعب الكوردي في سورية مع كافة أطراف الحركة الكوردية سواءً كانت هذه الأحزاب تقبل وجهات نظر الأخر أو لا تقبله فمجرد الجلوس إلى طاولة التحاور يعني التنازل عن الكثير من المسببات في الشتات الحزبي الكوردي.

حقيقة إن بادرة الحزبين الكورديين الاتحاد الشعبي والاتحاد الديمقراطي ليعطي القليل من التفاؤل ولو كان هذا التفاؤل بسيطاً جداً ولكن ذلك يبقى خطوة نحو الأمام لتصحيح ما أخطأته الأحزاب عبر مسيرته الطويلة ولكي يتلافى المرء الرجوع إلى تلك المطبات السابقة يجب ترجمة تلك الأقوال إلى أفعال وينتج عنها أحزاب كوردية حقيقية ذات طابع جديد يليق بالمرحلة ويمكنه تجاوز كل محطات الفشل التي آلمت به من جراء الأفكار الروتينية التي هدرت الكثير من الوقت لصالح الفشل السياسي الكوردي على الصعيدين الحزبي والجماهيري وحان الوقت لمحاسبة الذات على الأفعال التي أدت بالحركة إلى ما آلت إليه في وقتنا الراهن.

التغيير في سياسات الأحزاب الكوردية في سورية بات ضرورة حقيقية لا يمكن غض الطرف عنها من حيث الأنظمة الداخلية وقياداتها وآلية العمل الحزبي ... الخ. علينا البدء بالإنسان الكوردي وإعادة ترتيب حياته السياسية من خلال أحزاب وتنظيمات حقيقة تلبي حاجته القومية والبدء في إعداد الإنسان الكوردي الواعي لقضيته والمدافع عنها في كل وقت وكل حين ولا بد من التركيز على الجيل الجديد القادم بقوة والذي يعتبر هو أداة التغيير في المجتمعات أي على تلك الأحزاب أن تتخذ من الجيل الشاب الجديد خلفاء لها في أحزابها من خلال إعطاء الدور الحقيقي والفعال لهؤلاء الشباب للعمل في أماكن تليق بهم خير من أن يقفوا مكتوفي الأيدي ويرنون إلى الانهيارات الحزبية التي ستحل بكل حزب لا يركب موجة التغيير.

إن التغيير يبدأ بإعداد ثقافة كوردية جديدة تحل محل ثقافة التبعية العمياء للقائد الذي لم يستطع طوال فترة قيادته إعداد بديل له ولم يستطع تكوين ثقافة قومية لأكثر من جيل كان يسير خلفه ويطيعه طاعة عمياء مما أدى بانشقاقات الكثير من تلك الأحزاب عن بعضها بالإضافة إلى أسباب شخصية وأطماع ذاتية للشق عن الحزب الأم ولو كان القائد حقيقياً لتنازل بمحض إرادته عن قيادة ذلك التنظيم ليفسح المجال لغيره ليتم ما بدأه هو لأن نجاح الأستاذ يكمن في تفوق تلميذه عليه وليس تفوقه على تلميذه.

إن الأحزاب الكوردية في سورية وبمسيرة حوالي النصف قرن لم تستطع أن تحقق للأكراد السوريين أي مطلب كوردي بل على العكس وقفت أحياناً ضد تلك المكتسبات سواءً بقصد أو بدون قصد وما حققه الشعب الكوردي في سورية عقب أحداث القامشلي الدامية هو أكثر بكثير من ما كانت الأحزاب تطمح إليه فلولا دفع هؤلاء الشهداء دمائهم فداء للقضية لما توصل الكورد السوريين إلى ذلك الاعتراف التاريخي الذي أقر به رئيس الجمهورية مشكوراً بأن الأكراد هم قومية أخرى في سورية هذا المطلب الذي تنادي به الأحزاب الكوردية منذ نصف قرن حققته الجماهير الكوردية بيومين فأين هذه الأحزاب من جماهيرها وأين كانت عند الوقع الأكبر.

حقيقة أن الخوض في سجال قد يكون أحياناً عقيماً مع عقليات عفنة ونتنة في آن واحد لهو أمر صعب جداً ولكن طالما الهدف واحد والمطلوب هو تأمين أدنى الحقوق الإنسانية للشعب الكوردي في سورية بكونه جزءً من الحياة السياسية والاجتماعية السورية ويشكل مع غيره من الأقليات لطيف الوطني السوري إذاً يجب القبول والرضوخ للواقع الذي بات يفرض نفسه على تلك الأحزاب من جهة وعلى المثقفين الكورد الذين يقفون دائماً موقف المستمع والصامت إلا حالات نادرة ظهرت في أحداث القامشلي فعمل الواحد من هؤلاء المثقفين والنشطاء كان بمثابة عمل الحركة الكوردية بكل أحزابها ولم يتوانوا عن تنفيذ ما كان يطلب منهم آملين أن تأخذ الأحزاب بيدهم ليكملوا معاً المسيرة التي يطمح كل منها إليها ألا وهي حل القضية الكوردية في سورية.

نهاية أداة التغيير في المجتمعات هم الطلاب وجيل الشباب والطرفين لا تعيرهم الأحزاب الكوردية أي اهتمام إلا ما ندر في بعض المناسبات الاجتماعية أو الطلابية البسيطة والتغيير المرجو من تلك الأحزاب يكتمل بوضع اليد مع تلك الشريحة من المجتمع الكوردي والتي بواسطتها يمكن تقديم عمل حزبي جديد يستطيع مواكبة العصر من خلال تغيرات جذرية وبنيوية في تكوين تلك الأحزاب الذي باتت أطرها وأشكالها تبعث في النفس التشاؤم والملل لأن تلك الممارسات التقليدية للعمل أصبحت قديمة وبالية وحان الوقت لتغييرها من الداخل إلى الخارج وبقاء الأحزاب مرهوناً بمدى تفهمها للواقع والزمن يسير لا ينتظر أحداً واللبيب من الإشارة يفهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -أسوأ أزمة نزوح في العالم-.. الأمم المتحدة: مقتل أكثر من 12


.. الإفراج عن أسانج: انتصار لحرية التعبير؟ • فرانس 24




.. -حفاضات وكلاب واحتضان جثث-.. شاب فلسطيني يكشف تعرضه للتعذيب


.. جدل على وسائل التواصل بعد اعتقال عارضة الأزياء اليمنية خلود




.. المحكمة الجنائية الدولية تدين زعيما مرتبطا بتنظيم القاعدة با