الحوار المتمدن - موبايل


في الذكرى الأولى لإندلاع ثورة 17 ديسمبر 2010 التونسية العظيمة :العرب يمسرحون أوهامهم

صالح محمود

2011 / 12 / 14
مواضيع وابحاث سياسية



لا شك أن الربيع العربي وسط هذه الريبة و الشكوك ، المخاوف والقلق ، يقينا رغم المستقبل المشوب بالغموض ، واحتمال الفوضى ، رغم أني على يقين بأن النظام يولد من رحم الفوضى ، ووريثها الشرعي ، وبذلك لا يمكن الحديث عن النظام في غياب الفوضى - ربيعا فعلا ، لا مجال لهيمنة التسلط و الإستبداد من جديد عبر السلطة تحت أي مظلة أو غطاء ، فنشيد الحرية ، المفقود سابقا في الظلم والطغيان وتغييب القانون ، بات حقيقة ماثلة واضحة ، فات أوان الدمغجة وتنميط الإنسان وتحويله مثالا ونموذجا ، من الصعب قمع الحرية وكبتها بعد أن أطلق عقالها من الأسر ، وصارت مطمحا ، حقا . سرت لحظة الوعي مع محمد البوعزيزي واستشرت تيارا عنيفا لتعيدنا لحركة التاريخ و لتضعنا في مسار الضرورة ، البوعزيزي من خَلَقَ المشهد ، معبرا عن شعور عميق بالإحباط نتيجة العجز و الفشل في إيجاد أرضية للتعامل و التكيف مع ظروفه المؤلمة والمحزنة ، ترجمه في الإنتحار لتنبث الروح في الشعب ، وتحولهم إرادة وفعل ، رسالة حادة الخطاب وصلبة تحمل في طياتها نموذج اكتشاف الذات وإمكانياتها وقدراتها على التمرد ورفض الإنصياع في المشهد الفج القاسي ، الواقع المسخ الأشوه .
في واقع البوعزيزي ، قد يبدو الإنتحار هروبا وهزيمة ، غير أن الحدث في حد ذاته بقدر ما هو صرخة مستنجد ، بحثا عن ملاذ آمن، تعويل على الذات لرفض بؤس المشهد ، وصمت الشارع ، رفع البوعزيزي صوته عاليا متحديا أجهزة القمع وبوليس النظام المحيطة من كل حدب وصوب لخنقه ، كان الصوت بقدر ما هو مغرق في البؤس بقدر ما هو قوي مدو وصارخ ، كان أقوى من أن يظل سجينا في جسده ليعود للإختفاء من جديد ، ذلك الصوت هي الحرية تبحث لها عن منفذ لتنطلق وتتحرر من الأسر ، جسد البوعزيزي في الحرق كان لحظة وميض الحرية وبريقها فانتبهنا لهذا الضوء الساطع الخاطف ، تلقفنا الرسالة واستجبنا للنداء ، كيمياء تحولنا آلات عازفة منشدة .
تسلمنا البوعزيزي ولم نره جسدا يحترق ، بل نورا يضيء الوطن ويبعثه من بين الركام ، في الخراب والظلام، ذلك الصوت يتداعى له وينساق في تياره القوي الجارف من يكتشف حقيقته ، جماله وقوته المرعبة حتى أن إبراهيم قاشوش الشاب السوري من مدينة حماة حين رفع عقيرته بالغناء "يا بشار ومانّك منّا.. خود ماهر وارحل عنّا.. شرعيتك سقطت عنا ويلا ارحل يا بشار.. يا بشار ويا كذاب.. وتضرب أنت وهالخطاب.. الحريّة صارت عالباب.. ويلا ارحل يا بشار" استؤصلت حنجرته ، وذبح من الوريد إلى الوريد ، ولكن شأن البوعزيزي لا يمثل القاشوش الحرية بل الصوت ، الآلة والمنفذ ، لأن الحرية حالة من الإنفعال و الوجد ، الكيمياء والسحر ، ذات الإنسان المنبعثة وجوهره ، كضرورة كإرادة وفعل ، يكفي أن تجد الحرية منفذا لتنطلق منا وبنا رؤية ، قدرة وفعلا حين يكون الفعل خلقا ، حياة ، أو هذا ما تفترضه الحرية تحقيق ميتافيزيقية الإنسان عبر نشيده الأبدي . ابراهيم القاشوش وبعدَ محمد البوعزيزي شعلة الحرية الأولى ، سعت قوى الظلام المستبدة ، الغاشمة ، اجتثاث آلة النشيد باستئصال حنجرته ، باعتقادها الوهمي السطحي أنها تجتث الحرية ، ولكن ابراهيم القاشوش كما البوعزيزي هو نحن الجميع ، لا يستمد الصوت منه بل من الضرورة ، الوعي الإنساني المنتطر هناك في العمق ، نتحرك به عند العودة إلى الذات بالغاء الموضوع ، فات الأوان فقد طفى الصوت ، تفاقم و استشرى وصار سمفونية تجسد بداية في تونس ثم هاهي تومض في بقية الشعوب العربية .
تحققت أخيرا اللحظة التاريخية وانطلق الفكر لتجسيدها وتعيينها بعد أن كانت رؤية ، والثورة افراز لها ، ولكن بدل عن ذلك وقع مسرحة الخواطر مسرحة الهواجس والمخاوف أو الفوبيا ، مسرحة الأوهام ، وكأني بالثورة كانت الحلم ، ولا أريد أن أحيل على "تفسير الأحلام" لفرويد ، وأنا لست محلل نفسي و لا مفسر أحلام مثله رغم أنه قال فينا نحن العرب في هذا الإطار"وايجازا فإن مفسرينا (العرب)لا يتركون شيئا تفوتهم معرفته ، ولا يتطوعون بالإفصاح عن تفسير المطلوب قبل أن يجدوا الجواب عن كل ما يعن لهم من أسئلة حول الحلم ، ومن الأسئلة التي يوجهها المفسرون أنهم يطلبون من الحالم أن يمدهم بأدق المعلومات عن صلته بأقاربه الأقربين – الوالدين والزوجة والأبناء ، ومن أسئلة محفوظة تأتي على لسان المفسرين باستمرار كأن يقول للحالم:هل جامعت زوجتك قبل الحلم أو بعده في تلك الليلة " ("تفسير الأحلام"الترجمة عن الألمانية دكتور عبد المنعم الحفني ، مكتبة مدبولي – في الهامش ص 174) غير أننا بقينا فكاكي شيفرة ولم نصل لتحليل النفس عبر الأحلام - تجسدت في انتخابات المجلس التأسيسي التونسي في البداية بفوز حزب النهضة الديني بالأغلبية النسبية ، فسره البعض باختيار الشعب لليقين للأرض الصلبة والإستقرار أو بالمعنى الغالب: انتخابات الهوية ، وهل قامت الثورة للإعلان بأننا نحن لا غيرنا. ماذا نعني باليقين ؟ تأكيد الهوية ، يعني التقوقع داخل الفكرة والإنكفاء والإنزواء ، غير أن الحرية لا يمكنها التحقق داخل اللغة ، بل على عكس ذلك فالفكر لا يفترض الإطار اللغوي أو المرجعية ليتحقق ، لا يمكن للغة أن تنمو ، خارج فضاء الحرية الواسع ، ، فهي في حاجة دوما للدماء للغذاء والاكسجين ، الخلق والبناء يتطلب طاقة هائلة ، ولا يمكن للدولة أن تكون كيانا أزليا أبديا ، أو روحا خارج إطار التاريخ المتجاوز على الدوام في إطار اللحظة. الهوية بهذا المفهوم تصبح اندفاع نحو المنافسة ، و الصراع الدائم للتحرر ، لتتأكد وتتأصل وتتجذّر كدافع وحافز، عامل ، وأرضية خصبة للحياة بمفهومها الوجودي، الهوية التي تدافع عن نفسها كهوية بالتقوقع والإنزواء ، واتهام الآخر بالسعي لتذويبها على أساس استحواذ الفكرة التآمرية للأعداء اللائكيين و الماسونيين سذاجة وسطحية عقلية شعبية غابت عن الفعل التاريخي طيلة قرون ، وحين أفاقوا اكتشفوا ذاتهم وتطلعوا إلى ما حولهم ، فاجأهم نور الحقيقة ، ، هالهم المشهد وأرعبهم – مما أفضى بالضرورة للوجل والجبن وضعف الإرادة والإنهزامية ، الهوية التي تسارع لإقامة الحواجز والأسلاك الشائكة المقدسة والتأهب الدائم من داخل أسوار القلعة المحصنة للحرب ضد الوهم عبر التعبئة والتحشيد و ادعاء القداسة طلبا للحماية أي نقد الذات أعني انكار لحقيقتنا فتأتي أفعالنا مقنّعة لا تعبر عما نعنيه حقا وما نشير إليه فعليا من قصور ونقص وتخلف ، ريبة ، شك وقلق ، لم تجد التوازن والثقة الضرورية للبناء وهذا واضح للشعور العميق بالضعف والوهن والعجز عن الدفاع عن الذات ، فماذا نبيع نحن ، لاشي غير أننا مستهلكين من الدرجة الأولى للمصبرات والعقاقير والمعلبات ، هناك خلل ما ، علة ما ، مرض استبطنته هذه الشعوب منذ أمد طويل ، هناك هوة زمنية عميقة ، تتراوح بين الإنحطاط والإٌستعمار والديكتاتورية ، فاصلة مع تاريخها تجعلها عاجزة عن الربط معه كتاريخ وصلنا عبر المقدس ، مقدس ليس غير ذلك ، العرب شديدوا الزهو و التباهي والفخر بعروبتهم لا كتاريخ بل كمقدس ، يقفون في وجه كل عاصفة قد تهب من هنا أو هناك ، ورغم ذلك عواصف وأعاصير وبراكين وفيضانات و إنهيارات شتى تجوب العالم نتيجة تعدد و تنوع التيارات والمناخات والطقوس - لحمايته والذود عنه . هناك هوة ، عدم فهم وغفلة جماعية لذواتهم لحقيقتهم في التاريخ وأنهم بشر لا ملائكة أو آلهة ، وعليهم الوقوف أمام المرآة والنظر بشجاعة والتمعن في قسمات وجوههم والإعتراف بقبحهم وهشاشة عظامهم ، لم يتمكن العرب من التجارب والخبرات الكفيلة بالمرونة وسرعة البديهة والذكاء الضرورية للحركة وصنع المشهد ، فحتى الثورة التونسية لم تكن بتدبير منهم ، بل وقفوا إزاءها فاغري الأفواه مبهوتين ، بدليل تقديمها لحزب ديني ، ما الإضافة للعرب عبر الثورة ، صعود الحركات الدينية وفوزها في الإنتخابات بالحرية حصان طروادة ، ولكن الحرية ليست كما فهمها الشعب ، آلة سريعة تطوي المراحل بل هي الزمن نفسه ، التاريخ ذاته ، لحظة مرحلة قد أدركناها ، ولا سبيل للعودة للوراء . لا تهمني الحركات الدينية الإسلامية المنتظرة للثورات العربية باستلامها للحكم أو المساهمة فيه بجزء كبير، متجاوزة عبر الضرورة التاريخية ، فهمّها الحكم و آخر اهتماماتها العقل و تطالعنا هذه الأيام تصريحات من بعض مكرووات السياسة و أقزامها المتأدلجين في المجلس الـتأسيسي التونسي فيقول أحدهم مثلا "الشعب التونسي ليس في حاجة إلى الشعر"أو يقول آخر "الثقافة آخر اهتمامات الشعب التونسي" حينها سنضطر لمساءلة عالم الرياضيات هنري بوانكاري على ادعاءاته الفارغة وافتراءاته بقوله "لا قيمة للحضارات إلا بالعلم والفن " ("قيمة العلم" ترجمة الميلودي شغموم ،نشر :دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع بيروت2006 الصفحة 165 )حين نعلم أن الفن هو تعين الروح ،أي العقل ، ولادة الحياة وتحقق الوجود ، فيصبح وميض الفكر وسط الليل الطويل وهو كل شيء كما يرى بوان كاري ، سنسخر من فرويد حين يؤكد أن المبدع يصل عبر الحدس في تحليله لشخصيات روايته ما يصل إليه هو نفسه عبر التحليل النفسي ، وأحيل على كتابه "الهذيان والأحلام في الفن" إذ يقول"يمكن أن يجهل (كاتب رواية قراديفيا) تلك المقاصد والقواعد، وأن ينفي بالتالي عن حسن نية أن تكون له بها معرفة، ومع ذلك لا نجد في عمله شيئا لا يتقيد بها. وأغلب الظن أننا نمتح من معين واحد ونجبل من طينة واحدة، كل بوسائله الخاصة، ويأتي تطابق النتائج شاهدا على أننا كلينا قد أحسنّا العمل على ما يبدو " وكذلك استشهاده بالشعراء وعلى سبيل المثال يقول أمكن لشاعر معاصر كبير – وهو كما قيل يرفض أن يسمع شيئا عن التحليل النفسي وتفسير الأحلام أن يتوصل إلى صيغة تماثل تقريبا الصيغة التي أقول بها عن طبيعة الحلم (إن الحلم هو التحقيق ( المقنع) لرغبة (مقموعة أو مكبوتة) ، يقول إن الحلم هو " انبعاث غير مأذون به لأمان مقموعة تحت ملامح وأسماء مزيفة "Spitteler1913) ("تفسير الأحلام"الترجمة عن الألمانية دكتور عبد المنعم الحفني ، مكتبة مدبولي – في الهامش ص 236) ، وسنظطر للتسليم بخطأ هيجل الفادح حين سبّق الشعر على الفلسفة ، ونحن نعلم مكانة الشاعر قوتة في فلسفة هيقل واستشهاده بشعره على الدوام ، سيقال لماذا تذكر هؤلاء الجهابذة من العلماء والفلاسفة ؟ أقول : معذرة كان علي أن أستشهد بتصريحات هؤلاء الذين مازالوا يحبُون في السياسة ولم يتقنوا خطاباتها الدنيا لأنهم لا يفقهونها لجهلهم المطبق أن الساسة في جوهرها ثقافة بالإحالة على المرجعية كرؤية ،بل جهلهم هذا دفعه للتطاول على العقل على الحياة على الحرية ، عجيبة فمنذ الشهر الأول لإنتخابهم أعلنوا صراحة حربهم على العقل ، أعني ضرب الدولة ، ضرب الحرية ، بضرب الفن إذا كانت الدولة هي العقل في تنوعه واختلافه وتناقضه ، بل ربما تؤكد مثل هذه التصريحات لا الجهل فحسب وانعدام الخبرة السياسية لهؤلاء وعدم فقههم لخطاباتها ، ومتى كانت لهم التجربة و الخبرة ، حتى أن الثورة قام بها الشباب استبعدوا عبر الإنتخابات ، وهاهم يعودون للإعتصام بساحة باردو للتعبير عن قلقهم ومخاوفهم و من مآل الثورة ومصيرها بين ايدي أمثال هؤلاء ، بمشروع سياسي ومجتمعي يعيد الإستبداد من جديد ، فنجد أنفسنا من جديد في ديكتاتورية أشد وأنكى من حكم بن علي ، وعلى الأقل بن علي يعترف بخطورة الثقافة على نظامه علنا فينكل بالشرفاء منهم ويستدرج المتملقين ، المتمسحين المتلحسين برمي الفتات للعقه ، بل من التناقضات أنه كثيرا ما يؤكد أن الثقافة رافد للتنمية ، بمعنى أن الثقافة قطاع حيوي وإن كانت تقض مضجعه وترعبه ، ولذلك همشها ، أما أن نسمع تصريحات مثل التي نسمعها الآن بمصادرة الثقافة باسم الشعب وتغييبها نهائيا ، فهو استهداف مباشر للمبدعين و ضرب لهم ، ماذا يعني ذلك غير مشروع ظلامي تنعدم فيه حرية الخلق والإبداع ، لا أريد أن أخوض في مسألة الثقافة وعلاقتها بما بعد الثورة فهذا يتطلب تخصيص قراءة منفردة لها ، لأن القضية ليست في هؤلاء الميكرو سياسيين المتكالبين المتهافتين أميي الثقافة السياسية لأن السياسة جوهرها ثقافة ومرجعيتها فكر ورؤية - بل في الثقافة نفسها.
هل يعني ذلك أن استخدام العقل أي الحرية لا يجوز إلا في إطار حرية اختيار الحاكم ، حامي الهوية ، فالدولة البراغماتية النفعية الآنية في إطارها العقلاني تغيب لتحضر المرجعية الدينية الأخلاقية الدغمائية القطعية ، ولذلك كثيرا ما تتهم بازدواجية الخطاب بل كثيرا ما يفضح أهدافها الضمنية والتي تحاول التستر عليها أعني الحكم الديني ، الحكم بالمقدس وعلاقة الحاكم بالمحكوم علاقة وصاية ، سخرهم الله و مكنهم في الأرض ليحكموا الناس باسمه عبر اللحظة التاريخية التي تحولت للحظة ربانية كما صرح حمادي الجبالي الوجه النهضوي ورئيس الحكومة الحالي ، مما أدى إلى رد فعل عنيف من المجتمع المدني في تونس بكل مكوناته ، وفي الحقيقة هذا ما يزعمه الإسلاميون وعبر كل المنابر بفشل العلمانية طيلة فترة ما بعد الإستعمار، رغم أن الدول العلمانية وفرت لهم ملاذا آمنا وحمتهم حين فروا لها خوفا من بطش الطغاة والمستبدين ، ولكن عن أي علمانية يتحدثون ، وهل كانت هناك دولة بالمفهوم العقلاني للكلمة أي دولة القانون والمؤسسات ، دولة المواطنة ، التنوع والإختلاف ، أم دولة أشخاص وحكم مزاجي ونزوي في غياب كلي لإرادة الشعوب وحتى بورقيبة العقلاني ماذا أنتج حين استبد بالرأي وسعى بكل ما أوتي من جهد إلى تربية الشعب دون تحريره منه ؟ أنتج بورقيبة بتربيته الصارمة المجحفة للتونسيين ، زين العابدين بن علي الإبن العاق .
العلمانية ضرورة وليست خيار يمكن القبول به أو رفضه ، خذ مثلا حركة النهضة التي تحاول في كل مرة طمأنة الرأي العام التونسي بأنها مع دولة الديمقراطية والحرية ، دولة المواطنة ، ماذا يعني ذلك تنازل عن الثوابت وهذا دليل صارخ على ازدواجية الخطاب ، فهي في الآن نفسه ترضي جميع الأطرافن ، أتباعها من جهة ، بالتوجه الديني والسعي للحكم بتجييش العواطف الدينية وحشد المتعاطفين، و محاولة طمأنة القلقين من الحداثيين بأنها مع الديمقراطية والحرية ، يعني ستتحول إلى حزب لا ديني ، وفي صلبها هناك صراع بين توجهين ، بين الراديكاليين الساعين لـتأسيس دولة دينية دولة الخلافة على حد زعم حمادي الجبالي ، والمنفتحين الذين يسعون للإنصهار في دولة الجميع ذات القوانين الوضعية ، مما يعني أن حركة النهضة لا تمثل إلا طرف من الأطراف السياسية المتعددة والمتنوعة في المشهد السياسي التونسي ، بل تحييد للإيديولوجيا تحييدا كاملا من كل الأطراف المؤدلجة عن النظام السياسي العام للدولة - وتغييب القانون الذي يضمن المواطنة كاختلاف وتنوع .
ولكن لا تطرح المسألة بهذه الصورة لأننا نعلم أن تاريخ العرب لا يعترف بالعقل إلا في إطار الخاصة المحصنة بعلوم الدين المختلفة ، والنذكر علم الكلام والفلسفة و التصوف كما ذكره ابن خلدون وحتى الفارابي وابن سينا استثناءات يشار لهما بالأصابع ، وبقطع النظر عن القداسة التي يضفيها العرب الآن على أنفسهم وأنهم كائنات فوق التاريخ ، مقدسة ، فإننا نعلم أنها حركة لإخفاء ضعفهم ووهنهم أمام الآخرين فحتى حركة النهضة استجدت اعتراف أمريكا ومساندتها لها بزيارة حمادي الجبالي لها منذ شهور الثورة الأولى ، في إطار التشاور والتعاون بين الأصدقاء ، والحلف اللأطلسي ، والناتو وكل التسميات المختلفة للقوى الصهيوأمريكية المتدخلة لإسقاط النظم العربية هنا وهناك أليس تنسيقا من هذه الشعوب العربية مع هذه القوى التي تترك وراءها بعد تخييمها الدمار والخراب ، والحركات الإسلامية تهيمن على المشهد ، غير أن العرب ككائنات هولامية ، أطياف غائبة عن التاريخ وفعله في لحظته الراهنة ، لا تريد في الحقيقة أن تقوم بتصفية إرثهم معه ، ومسرحتهم لأفكارهم بعد الثورة بالتشبث بالهوية والإعتراض على العقل ، تداع لكوابيسهم ، دليل خوفهم من الحرية التي هي العقل لا العواطف ، بل سيكون أول عمل للعقل الإجابة بالتدقيق وبطريقة علمية "من نحن" أعني هل نحن مقدسون حقا ، سيصفي العقل ارثنا عبر "سكاناره scanner médical " التي لاترحم ليضعنا أمام حقيقتنا أمام ضعفنا ووهننا ، أمام عاهاتنا ، ولذلك نعبر عن فزعنا و رعبنا من الزوال و الإندثار برفضنا للربط بين اواصره للتتجلى معالمه التي هي معالمنا أي كياننا الضبابي ، وهذا مرض الضعف والخور الذي نعاني منه إثر مرحلة الغياب عن الفعل التاريخي بعد الإنحطاط ، الإستعمار والديكتاتورية ، فاتنا القوم بالإيمان ، هذا صحيح ، ولكن لن ننطلق فعليا إلا بتحديد من نحن بالتحقيق ، التمحيص ، التدقيق والغربلة الكاملة ، وسنكتشف بأننا لسنا بتلك القداسة المفترضة بل بشر بضعفه ، قصوره وعوزه ، إرادته ، وعزيمته و قوته في الآن نفسه ، خاضع لضرورة التاريخ ولحظته .
الآن يهلل العرب للثورة ويحتفون بها ، يكاد يغمى عليهم من الفرح ، وكأن الثورة تقف عند حد اسقاط النظام بسياسييه عبر مواجهة أجهزته البوليسية القمعية ، ثم يتهيأ الإسلاميون من ثم للصعود للحكم ، حتى في التجربة المغربية عبر اصلاحات الملك محمد السادس ، صعدت الحركة الإسلامية عبرها للحكم – يمسرح العرب من خلال ذلك أفكارهم ، لأن الحركات الإسلامية لا تهمني بقدر ما يهمني نضج الشعوب ووعيها ، ولذلك أقول لن أستجدي الإسلاميين ولن أتوسل أحدا ، لن أتكلم كواعظ ، فأنا أبعد من أكون واعظا ومرشدا ، والمربي الوحيد هو التاريخ ، و إن لم تصل هذه الشعوب المصهورة المسحوقة ، القلقة ، المستنفذة طاقاتها إلى الوعي ، إن لم تسعى للخروج من انحطاطها ووهنها ، إن لم تنضج تاريخيا ، فلن يفيد وعض أو إرشاد ، شيء واحد يمكن التاكيد عليه وهو حقيقة قائمة انطلاقا من المشهد السياسي في تونس ، ومن ثورتها العظيمة الأخت الكبرى للثورات العربية وما يترتب عن ذلك من تحولها نموذجا لبقية أخواتها ، ولست أدري إن كان من حسن حظ هذه الثورة أن تكون النموذج والمثال لأن الملاحظ للمشهد السياسي التونسي يرى المساهمة الفعلية للمجتمع المدني في التأسيس ، وهذا ما نريده ، عبر اليقظة الدائمة والمستمرة ، وتأويل كل حركة ، وكل كلمة وكل إماءة وكل نظرة ، فهؤلاء المنتخبون في المجلس التاسيسي ليسوا ملائكة ، ولن يكونوا كذلك ، و عادة ما يتحدث أعضاء النهضة المنتخبون كفائزين ، والشعب اختارهم ، وهذا تبرير واه غايته الإستفراد بالمشهد وفرض رؤاهم – لأنهم لايمثلون الشعب التونسي المتنوع والمختلف ، وتونس إن أردنا التساؤل عن أهليتها في تحقيق اللحظة التاريخية ، فإن ماضيها في البناء الحضاري والمساهمة في التاريخ سيساعدها حتما ، ولا أعتقد أن وصفهها هيجل بإفريقيا الأوربية تمهيدا للإستعمار الأوربي اللاحق كما يدعي البعض ، بل نابع من صلب رؤيته ، وشهادة من فيلسوف عبقري مثل هيقل في مساهمتها في التطور الحضاري والتاريخي في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ، كقوة تجارية وبحرية منافسة ، وكقوة عسكرية مصارعة بدءا من قرطاج عبر القائد حنبعل حتى أن فرويد ومن منطلق التماهي معه نسبه للعرق السامي ونحن نسائل فرويد" من أين لك هذا يارجل وأنت عالم ومن عادتك توخي الحذر عبر الصرامة العلمية ، على أي حال طب نفسا ولا تهتم فنحن نتفهم عشقك لحنبعل وهيامك به، يجعلك تتخيل وتحلم".
نحن لا نخشى البحر ، بل بقطع النظرعن أن الثورة انجزت انطلاقا من الإبحار لا من التقوقع والإنزواء في الأركان ، قامت أيضا بأبعاد وقواعد فلسفية غربية لا بمنطلقات ومرجعيات دينية ، ونحن نعلم الفشل الذي مني به الإتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليا ) في أواخر الثمانينات وعجزه عن الوصول للحكم رغم التعبئة والتحشيد التي قام بها قبل أن ينقلب عليه بن علي وينكل بأتباعه فيسجن من يسجن ويشرد من يشرد واضطر حين ذاك من القيادات إلى التهجير أو إلى التبرؤ من الإنتماء للحركة على صفحات الجرائد . إذا الشباب التونسي الواعي أولئك الذين يعتصمون في ساحة باردوا وهو حقهم المشروع وواجبهم المقدس حتى لا تسرق الثورة من بين أيديهم ، هم من قاموا بثورة 14جانفي 2011 رغم أنف الجميع.
نحن بحارة وقراصنة بامتياز ومنذ آلاف السنين ، ومن خلال هذا النشاط المدني الآن وهذه اليقظة للشباب ليلا نهارا ، من الصعب تمرير مشروع استبدادي جديد باسم المقدس ، لأن البحر يلح علينا لنلتحق بسفننا الشراعية ونبحر ، ونحن نعلم أننا سنواجه في سبيل هذا التحدي ، الكثير من المصاعب بدءا من تونس من فكرة خطورة البحر التي تجرنا للخلف نظرا للتيارات و العواصف والأمواج و لكن نعلم أيضا أن بوصلتنا الحرية اعني العقل أي الإرادة ، و غير ذلك تعني الفوضى عبر شباب الثورة العظماء .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. علماء يدعون لإجراء تحقيق دولي جديد بشأن مصدر كورونا


.. الأردن يفتتح قنصلية عامة بمدينة العيون المغربية | #النافذة_ا


.. السودان.. البرهان يصدر مرسوما بتحويل نظام الحكم إلى فيدرالي




.. الجزائر.. مشروع قانون يسمح بنزع الجنسية في حالات محددة | #ال


.. الجنائية الدولية.. ترحيب عربي وتنديد إسرائيلي ومعارضة أمريكي