الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


منافع المرض

ابراهيم هيبة

2011 / 12 / 27
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ليس هناك ما هو اشد خطرا على روح الإنسان من صحة جيدة ومستدامة. وكل شخص يتمتع بتوازن فيزيولوجي جيد هو شخص ساذج بالمعنى الميتافيزيقي للكلمة؛ صحته الجيدة تمكّنه من النجاح في الحياة العملية، لكنها بالمقابل تمنعه من الدخول في أي حوار حقيقي وعميق مع الوجود. وحده المرض ينقدنا من تفاهة الصحة؛ فطابعه الكارثي، وما يضمه من ارتجاجات وتمزقات، يخلق في العضوية بؤرا من التوتر والصراع؛ وهذا التوتر أو الصراع هو الذي يمكّننا من أن نلمس كينونتنا على نحو حقيقي. عندما يكون المرء في صحة جيدة لا يكون موجودا أو، على الأقل، لا يحس بوجوده. والتدهور الكبير للوظائف الفيزيولوجية هو الذي يمكّننا من الوعي الحاد بأعضاء جسمنا؛ فيكشف لنا عن أهميتها وهشاشتها، كما يُظهر لنا، وهنا وجه المصيبة، عدم استقلاليتها عنها.
الصحة، بصراحة القول، حالة من الغفلة والبلادة؛ والمرض يسمو عليها لأنه يوقظنا من سباتنا الأونطولوجي و يدفعنا إلى إعادة النظر في ذواتنا وفي الأشياء التي تحيط بنا.
كل تجربة مع المرض هي درس في الحكمة وإعادة ترتيب الوجود. و ما يمكن أن يتعلمه المرء من وجع مزمن في البطن يفوق، من حيث الدلالة الوجودية والعمق الميتافيزيقي، ما يمكن أن يتعلمه من الانغماس في كل كتب اللاهوت والفلسفة. سيوران على حق: ألاَّ يأكل المرء مثل الآخرين لهو أصعب عليه من ألاَّ يفكر مثلهم. المرض قطعة من الجحيم ويحتكر قدرا كبيرا من الآلام والعذابات؛ ولكن هذه الآلام هي من يكشف لنا بأن الصحة مجرد أكذوبة بيولوجية تنطوي على الكثير من المفاجآت السوداء، بل إن هذه الأكذوبة كثيرا ما تخفي عنا الطابع العرَضي للحياة. والنتيجة هي أننا نتوهم بأن الحياة بداهة البداهات؛ فندير بذلك ظهرنا للموت ونسقط في غفلة عن أنفسنا وعن العالم.
الجسد عبئ ثقيل. إنه بنية من الألياف والأنسجة القابلة للتمزق في أية لحظة. والحق أنه مادام المرء يسكن جسدا فإنه لن ينام أبدا قرير العين. عندما تفيق في قلب الليل على إثر انقباض في القلب أو تقيح في العين أو نزيف في الأذن، لا يمكن أن تراودك إلا فكرة واحدة: المجيء إلى هذا العالم خطأ لا يغتفر والاستمرار فيه ضرب من الوضاعة. حتى الكينونة تنشطر، عندئذ، إلى نصفين: أنت في طرف والعالم في طرف آخر؛ أما مفهوم الخلاص فلا يعود يعني لك شيئا آخر سوى العودة إلى حالة السكون التي تتمتع بها الجمادات.
في الواقع، لا يكون المرء جدّيا مع نفسه ومع العالم إلا عندما يكون طريح الفراش؛ فخارج المرض كل شيء مزيف؛ بل يمكنني القول بأن فلسفة المرء في الحياة ليست سوى الحصيلة التاريخية لما عرفه جسده من الأهوال والعذابات. آلامنا هي من يحدد الوجهة التي ستأخذها أفكارنا وتطلعاتنا.
إنني أرى المرض يخبط خبط عشواء؛ يصيب الكبار والصغار، الأخيار والأشرار. لا وجود، على ما يبدو، لمنطق أو اعتبارات أخلاقية تحكمه، إنه يتقدم في هذه الحياة كلعنة سائبة. ومع كل هذا، قليلون هم أولئك الذين يستحقون المرض؛ فكل البشر يمرضون، ولكن كم واحد منهم يخرج بفوائد روحية من تجربته مع المرض ؟ كم واحد منهم يرى فيه شيئا آخر أكثر من كونه كارثة فيزيولوجية؟ من منهم يستثمر مرضه بتحويله من مجرد حادثة عضوية إلى فرصة للتأمل والاستبطان؟
ثمة في الحقيقة نوع من الناس من يجب عليه أن يغيّر اسمه بعد الخروج من مرض ما؛ فهو لم يعد الشخص ذاته: لقد انتشل المرض من قلبه أشياء سيئة كثيرة وكشف له عن حقائق خفية ما كان بإمكانه أن يعرفها لو بقي يراوح مكانه في عتمة الصحة. ماذا اقول، كل خسارة على مستوى الجسد هي ربح على مستوى الروح.
عندما أراجع الآن كل تلك السنين التي تمتعت فيها بصحة جيدة، بالكاد أرى بأنني حصَّلت فيها شيئا جوهريا؛ لا أرى إلا القوة الحيوانية وما يلازمها من الفتور الروحي والسذاجة الميتافيزيقية؛ حتى تجربتي مع الزمن لم تكن بالكاد ترتفع عن مستوى التأرجح بين المطاعم ودور الدعارة. وليس في الأمر ما يدعو للعجب ما دمت أنتمي إلى عصر يمجِّد الصحة ويعلي من شأن الكيمياء. ما إن يحس أحدنا بأدنى ارتجاج حتى يهرع إلى أقرب صيدلية في الجوار- لا احد يستطيع أن يحتوي كمية الرعب التي تجري في عروقه.
ذات مرة تسلم باسكال رسالة من أخته تعاتبه فيها على إهماله لصحته، فرد عليها بكلام يفيد بأن "الأخت العزيزة" لا تعرف شيئا عن مساوئ الصحة ومنافع المرض. باسكال فيلسوف، ولكن ما كان يمنح لملاحظاته الميتافيزيقية العمق والمصداقية هو أنه كان فيلسوفا مزدوجا— فيلسوفا مريضا. في كتاباته لم يكن باسكال يهتم بالمرض في حد ذاته، بل بالطريقة التي نستعمل بها المرض. والحق أن البشر، في علاقتهم بالمرض، ينقسمون إلى فريقين: فريق يمرض على طريقة الدواب وفريق يمرض على طريقة النبي أيوب. الفريق الأول لا يرى في المرض إلا مجموعة أعطاب. إنه حبيس التصور المادي للأشياء. أما الفريق الثاني فإنه لا يمكن أن يتمثل المرض إلا وهو مزدوج الطبيعة: عذاب و وحي، تمزق وإشراق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - المرض ليس بالإيجابي
عبد المولى ( 2012 / 1 / 29 - 21:10 )
القدرة على تحمل المرض ليست بالسهلةالهينة ، هي معاناة وخوف وفزع من المجهول،مما ينتظرنا حال إسلام الروح، لهذا فليس هناك من جانب إيجابي أبدا للمرض،فهو يجعل صاحبه يحس بضعفه وحاجته الملحة للآخرين و هذا قمة المذلة ....

اخر الافلام

.. معرض -إكسبو إيران-.. شاهد ما تصنعه طهران للتغلب على العقوبات


.. مشاهد للحظة شراء سائح تركي سكينا قبل تنفيذه عملية طعن بالقدس




.. مشاهد لقصف إسرائيلي استهدف أطراف بلدات العديسة ومركبا والطيب


.. مسيرة من بلدة دير الغصون إلى مخيم نور شمس بطولكرم تأييدا للم




.. بعد فضيحة -رحلة الأشباح-.. تغريم شركة أسترالية بـ 66 مليون د