الحوار المتمدن - موبايل


لماذا أخفق العرب في انجاز - الوثبة الأخيرة - نحو العلم الحديث ؟

عدنان عاكف

2012 / 1 / 10
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


لماذا أخفق العرب في انجاز " الوثبة الأخيرة " نحو العلم الحديث ؟
- قراءة في كتاب –

عدنان عاكف


كانت لحظة ميلاد العلم الحديث قد بدأت باكتشاف كوبرنيكوس لنظريته التي أطاحت بالأرض من مركزها البهي المقدس، الذي احتلته منذ عهد طيب الذكر بطليموس وأجلس الشمس بدلا عنها .ومع ان الحضارة العربية الإسلامية لم يكن ينقصها إلا الوثبة الأخيرة لتصل الى العلم الحديث لكنها عجزت عن القيام بها ؟ تُرى لماذا ؟ لماذا عجزت عن القيام بذلك، في حين تمكنت الحضارة الغربية من انجاب العلم الحديث ؟ مع ان العرب كانوا متقدمين على كل من الصينيين والأوربيين في علوم مهمة مثل الفلك والحساب والجبر والهندسة. كما سؤكد على ذلك مؤلف الكتاب الذي اخترناه للقراءة معا.
ضمن سلسلة عالم المعرفة الشهرية ( العدد 219) التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت صدر في 1997 كتاب " فجر العلم الحديث ! الإسلام ـ الصين ـ الغرب " للعالم الأمريكي توبي أ. هاف، وترجمة د. أحمد محمود صبحي. ويحمل الكتاب باللغة الانجليزية عنوان: The Rise of Early Modern Science 9 islam, chiena, and the Wesj. والمؤلف متخصص بتاريخ العلم، وخاصة بسوسيولوجية العلم، أو العوامل الاجتماعية المؤدية الى تقدم أو تدهور العلم في حضارة ما، ويبين أثر الأنظمة القانونية أو الشرعية في العلم.
قبل البدء باستعراض محتويات هذا الكتاب لا بد من تقديم اجابة مقنعة لسؤال أضنه سوف يتبادر الى ذهن الكثير من القراء: اذا كان الكتاب بهذه الأهمية فلماذا تأخرتُ بالرد 12 سنة؟ سؤال مشروع بالتأكيد، لكن أضن اني لا أمتلك الإجابة المقنعة. . هذه المقالة تتضمن قراءة في الفصل الثني من الكتاب " العلم العربي والعالم الإسلامي " والذي شكل شكل الفصل الأهم بين فصول الكتاب الخمسة، والذي ركز على العلم العربي وخاصة ما يتعلق بعلم الفلك، والذي يعتبره المؤلف كان المدخل الى ولوج غصر العلم الحديث، الذي بدأ مع ثورة كوبيرنيكوس. بعد قراءتي للفصول الثلاثة الأخرى وجدت نفسي أمام مواضيع جديدة، وخاصة الفصل الثالث ( العقل والعقلانية بين الإسلام والغرب )، والفصل الرابع ( الثورة القانونية في أوربا ). كان علي ان اختار بين التوقف عن مواصلة الكتابة عن الفصول المتبقية أو مواصلة القراءة، مع عدم توفر القناعة في اني مؤهل لتقديم قراءة نقدية موضوعية بالنظر لعدم توفر الأسس العلمية والمعرفية لمناقشة الأفكار الواردة في الفصلين. مواضيع كهذه تتطلب إلمام جيد في قضايا فكرية تتعلق بالحضارة الإسلامية مثل الجوانب الفقهية والشرعية والمذاهب الإسلامية والفلسفة الإسلامية ومراحل تطور هذه المواضيع عير التاريخ. اخترت الحل الثاني على أمل ان هناك من هو أقدر مني سوف يتصدى لمناقشة المواضيع الأخرى. وكنت على قناعة ان ذلك سيحصل في القريب العاجل، لأن حتى القارئ الفطن من غير ذوي الاختصاص سيلاحظ وجود الكثير من النقاط التي أثارها المؤلف وتحتاج الى نقاش. وتمر الأيام والشهور وتليها السنين ولكن بقي الكتاب بعيدا عن اهتمام المعنيين، وهو ما أثر سلبا على اهتمامي أيضا. أترك القارئ أمام هذه الصفحات، والتي أتمنى ان يجد البعض ما ينفعه. وفي ختام هذه المقدمة لا بد من الإشارة الى ان نقطة الضعف الأساسية في الكتاب هي ان القارئ يخرج بانطباع ان المؤلف ركز على علم الفلك عند العرب معلق في الهواء بعد ان جرده من جذوره التاريخية. المؤلف يرى ان علم الفلك بلغ ذروة تطوره بعد القرن الثالث عشر ، وهي حقيقة لا جدال فيها. ولكننا نعلم من الناحية الأخرى ان تطور الحضارة قد أخذ يتراجع منذ القرن الحادي عشر، أما الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقد أخذت بالتراجع قبل هذه الفترة. لنبدا بتصفح الفصل الثاني " العلم العربي الإسلامي " :
منذ القرن الثامن حتى نهاية القرن الرابع عشر، كان العلم العربي أكثر العلوم تقدما في العالم، وقد تجاوز بكثير ما كان في الغرب وفي الصين، في كل ميدان للبحث، في الطب والفلك والكيمياء والرياضيات والبصريات. لقد كان العلماء العرب ( عرب وايرانيون، مسلمون ومسيحيون ويهود، وغيرهم ممن كان يستخدم اللغة العربية ) في واجهة التقدم العلمي، وكانت الحقائق والنظريات والأبحاث العلمية في مؤلفاتهم أكثر تقدما في أي مكان في العالم، بما في ذلك الصين.
لمشكلة العلم العربي بعدان : الأول هو إخفاقه في انجاب العلم الحديث، والثاني يتعلق بانهياره وتراجع الفكر العلمي والعمل في الحضارة العربية الاسلامية بعد القرن الثالث عشر. واذا كان العلم العربي له التفوق التقني والعلمي على مدى أكثر من خمسة قرون فلماذا لم ينجب العلم الحديث ؟ لماذا نشأ العلم الحديث في الغرب دون حضارتي الإسلام والصين، بالرغم من أنهما كانتا في العصر الوسيط أكثر تقدما من الناحية العلمية والتقنية ؟
هذه الدراسة هي محاولة للإجابة على هذا السؤال المحير والذي طال انتظاره. ولتفسير هذا اللغز حاول المؤلف أن يبحث عن الإجابة خارج إطار الحرم العلمي ، فتناول الأنظمة الدينية والفلسفية والتشريعية في الحضارات الثلاث، مركزا على التصور القانوني الذي انفرد به الغرب، مما أتاح مناخا محايدا وحرية في البحث، وهما تصوران يتكاملان مع العم الحديث.
وبالنظر للحجم الكبير للكتاب ( ثمانية فصول ) فقد رأت هيئة التحرير المشرفة على اصدار السلسلة أن يصدر في جزأين. تناول الجزء الأول الفصول الخمسة الأولى من الكتاب. ركز الفصل الأول على تحديد مكانة الدراسة الحالية في أدبيات السوسيولوجية التاريخية والمقارنة في العلم. وخُصص الفصل الثاني للحديث عن مشكلة العلم العربي في العصر الوسيط ـ تقدمه وازدهاره وتوقفه ثم تدهوره. وقدم في الفصل الثالث وجهة نظره عن موقع العقل والعقلانية في الاسلام ومقارنة ذلك مع الغرب بعد النهضة في أوربا، وذلك على ضوء تحليل الفلسفات المتباينة عن الإنسان والطبيعة في كل من الحضارة العربية الإسلامية والغرب. وتناول في الفصل الرابع الأسس الفلسفية والتشريعية والقانونية للبناء التنظيمي في كل من الحضارتين. وخصص الفصل الخامس للمقارنة بين المؤسسات التعليمية. الكليات والجامعات في كل من الحضارتين.
أما الجزء الثاني فقد تضمن الفصول الثلاثة الأخيرة. فكان الفصل السادس محاولة للكشف عن العناصر الكبرى للتحول الفكري والاجتماعي العظيم في الغرب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وذلك من أجل الكشف عن العوائق التأسيسية والثقافية والتي حالت دون ظهور العلم الحديث " روحه " في العالم الاسلامي. أما الفصلين السابع والثامن فقد خصصا للبحث في الحضارة الصينية.
سار المؤلف على نهج المختصين بتاريخ العلم الحديث، الذين يؤرخون مرحلة ميلاد العلم الحديث بالفترة التي أطاح بها كوبرنيكوس بنظرية بطليموس الفلكية القديمة التي كانت تقول بمركزية الأرض، وذلك بعد اكتشافه مركزية الشمس. وينطلق المختصون من أن الثورة العلمية في أوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر تتركز على التطورات في الفلك والمضمون الفلسفي لعمل كوبرنيكوس . لذا نجده يعطي اهتماما كبيرا لعلم الفلك العربي. لذا تراه يردد أكثر من مرة تساؤله الكبير : لماذا عجزت الحضارة العربية الإسلامية عن القيام بالخطوة الأخيرة نحو العلم الحديث، في حين تمكنت الحضارة الغربية من القيام بذلك ؟
لا تهدف هذه المقالة الى تقديم استعراض شامل لهذا الكتاب القيم والفريد في المكتبة العربية، وليست هي دراسة نقدية لكل ما ورد فيه من مواضيع. إنما هي محاولة لمناقشة ما طرحه المؤلف من أفكار ومعلومات عن علم الفلك في الحضارة العربية الإسلامية، وموقف الشريعة والفقهاء من علم الفلك والتنجيم. على أمل أن يتم تناول القضايا الأخرى التي تناولها الكتاب من قبل المختصين في قضايا تاريخ العلم العربي الاسلامي من جوانبه المتعددة، وخاصة ما يتعلق بالتشريع الإسلامي والفقه.
وسنبدأ بعرض موجز لأهم ما ورد بشأن علم الفلك، وخاصة بعد القرن الثاني عشر، وهي المرحلة التي يركز عليها المؤلف.
واليكم قراءة، عملت كل ما هو بوسعي ان تكون قراءة موضوعية غير منحازة :
ما من شك ان الإنجاز الفلكي في الإسلام خلال العصر الوسيط كان عميقا ومتقدما الى حد أبعد من نظيره في أوربا. فالصورة التي لدينا عن النشاط الفلكي الإسلامي ..بوجه عام كان العلم العربي أكثر تقدما في العالم في الرياضيات والفلك والبصريات والفيزياء والطب، ولقد فقد القيادة بعد ذلك في ميادين مختلفة، ومع ذلك يمكن القول انه حتى ثورة كوبرنيكوس في القرن السادس عشر فإن النماذج الفلكية كانت الأكثر تقدما في العالم. وقد أشار الباحثون الى الخطوات المتنوعة التي اتخذت في الفكر الفلكي والتي أدت الى تطور في القرنين الثالث عشر والرابع عشر والى اكتشاف نظام للأجرام يعادل رياضيا ما توصل إليه كوبرنيكوس ، أو بتعبير آخر استعمل كوبرنيكوس الزوج " الطوسي " كما فعل فلكيو مراغة. فالنماذج الطولية للأجرام في " التعليقات " Commentarious مستندة الى نماذج مراغة، أما النماذج القمرية لكوبرنيكوس De Revolutionibus فمماثلة لمدرسة مراغة. هذا التكافؤ الكامل في النماذج أدى الى أن يتساءل نويل سوردلو، ليس عما اذا كان، وإنما " متى وأين " تعلم كوبرنيكوس نظرية مراغة ؟ ".
والصورة التي لدينا عن النشاط الفلكي الإسلامي خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر توحي بأن الفلكيين العرب كانوا يعملون بجد لإصلاح النسق البطلمي والقائم على مركزية الأرض وذلك من خلال عملية معقدة متضمنة نماذج رياضية واستدلالات فلكية قائمة على المفاضلة بين النظرية والملاحظة فضلا عما حدث من متابعة خلال القرون وعبر آلاف الأميال. وقد لعب ابن الهيثم دروا رياديا في إثارة الفلكيين العرب كي يتجاوزوا كوبرنيكوس واليونان، وقد فعل هذا بنفسه عندما قدم شكوكه على نظرية بطليموس. وبعد قرن من الزمن قاد الفلكيين العرب في الأندلس التمرد على فلك بطليموس، وبلغ التمرد العقلي مداه في كتاب البطروخي.
وقد نجح فلكيوا مرصد مراغة في الوصول الى نماذج أجرام غير بطلمي تكررت بعد ذلك في كتاب كوبرنيكوس ، وقد ترتب على المسار المتصل الذي بدأه ابن الهيثم الاتجاه الى " خطة علمية " حقيقية، وخطة بحث اسلامية في الفلك مشتملة على من الاعتراضات العلمية، ويمكن القول إن كل من البطروجي وفلكيي مراغة يدفعهم نوع من الاهتمام النظري نحو الرغبة في إصلاح نظام حركة الأجرام البطلمي، بينما كانت جهود الأندلسيين قد انتهت الى اخفاق نظري فقد نجح فلكيو مراغة، بل انه باستثناء النظام الشمسي لدى كوبرنيكوس ، فان لتماثل بين نماذج الأجرام في مدرسة مراغة ( كما عدلها ابن الشاطر ) والنماذج لدى كوبرنيكوس كبير الى حد يمكن القول معه إن كوبرنيكوس قد يمكن أن يعد أحد أتباع مدرسة مراغة، على حد تعبير نويل سويردلو.
لقد عبر العديد من مؤرخي العلم العربي والفلك ( مثل كيندي، وجولد شتين هارتز كينج، وصبرا، وصليبا، وسورلو ) عن حيرتهم لاطلاعهم على الأوضاع التي تبين الجهد في علم الفلك العربي في القرون الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر بمقارنتها بنماذج العلم الحديث التي انبثقت من تجديدات في جهود العلماء المحدثين مثل كوبرنيكوس وغاليليو وتنمو بران وكبلر، ولكن لم يستطع ابن الشاطر ولا خلفائه ـ وهم كثيرون ـ أن يقوموا بالوثبة الكبيرة نحو نظام مركزية الشمس مما يمكن أن نطلق عليه الباب الميتافيزيقي للثورة العلمية الأوربية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وبدلا من ذلك فقد جمد العلم العربي وبدأ بالتدهور.
ومع ذلك فإن الجهد العربي كان له من الأثر الى حد يدعونا الى التساؤل، ولماذا لم يتابع العرب السير الى "الميل الأخير" (أو الخطوة الأخيرة) حتى الثورة العلمية الحديثة؟ والتي لم تكن تتطلب أكثر من نماذج رياضية، فنماذج الأجرام لابن الشاطر وكذلك تلك لدى كوبرنيكوس متماثلة تماما مع اختلافات ضئيلة في بعض مقاييسها، ولكن الانتقال الميتافيزيقي قد أحدث بلا شك انشقاقا فكريا مع النظرة الإسلامية التقليدية الى الكون كما كان يفهمه العلماء، أما التحول الكوبرنيكي فإنه قد خلع ثلاث حركات الى الأرض جاعلا الشمس في المركز نقلة فكريا أحدثت قدرا كبيرا من الصدام مع الدوائر الدينية والفكرية في الغرب، ولقد توقف العرب عند حافة واحدة من أكبر الثورات الفكرية في التاريخ، ثم انحدروا بعد أن أقاموا أكبر نقلة من " العالم المغلق الى الكون المفتوح لنردد عبارة كوبر الشهيرة" .
وينبغي أن نقرر عند هذه النقطة من الافتراق أنه ليس أمرا غريبا ولا منحازا أن نثير السؤال. لماذا أخفق العلم العربي الذي كان حتى القرن الرابع عشر أكثر تقدما من العلم في الغرب أن ينجب العلم الحديث؟ فالمعرفة العلمية الحديثة باختصار هي معرفة بكيف يسير الكون بدون إدعاء بوجود حقيقة مطلقة، ومثل هذه المعرفة ليست موروثة لمجتمع قومي ولا لجماعة عرقية ولا لأمة معينة، وإنما لسمتها العالمية فإن لها القدرة على أن تتجاوز الحدود ما دام أتيح للناس أن يفكروا بحرية.
إنه لأمر مهم أن يعرف العالم أن أوربا في القرن السابع عشر لم تنشر العلم "الأوربي" أو "الغربي" وإنما القول الصحيح أنه العلم العالمي أو بتعبير آخر العلم الحديث في مقابل العلوم القديمة والعصور الوسطى، وقد تحمل هذه عن غير عمد دلالة عرقية. فالعلم الحديث الذي نتحدث عنه علم عالمي متراكم يمكن أن تستخدمه شعوب الأرض جميعا، فضلا عن انه تبقى الحقيقة وهي ان العلم العربي قد أسهم بقدر كبير في المعرفة العلمية والمنهجية والرياضية للتطور الى ما يمكن أن نسميه العلم العالمي الحديث. نتاج نسق المعرفة قد ساهم فيه وطوره أناس من أنحاء الكرة الأرضية ومن ثم فإنه من العدل ( ومن المهم ) أن نتساءل من منظور سوسيولوجي : لماذا أخفقت الحضارة العربية الإسلامية أن تتابع مسيرة التطور الى النسق العالمي من الحداثة ؟
ما من شك ان الإنجاز الفلكي في الإسلام خلال العصر الوسيط كان عميقا ومتقدما الى حد أبعد من نظيره في أوربا. فالصورة التي لدينا عن النشاط الفلكي الإسلامي ..
" أن قليلا من الاهتمام قد أعطي للعلم العربي، ولا ينطبق ذلك بطبيعة الحال على موسوعة جورج سارتون الضخمة ك " مقدمة لتاريخ العلم " وإنما ينطبق على مؤلفات متخصصة كثيرة تتحدث عن تطور علوم خاصة مثل الطب، ففي سياق بحثه الحالي نلاحظ ان " بن دافيد " في كتابه ( دور العالم في المجتمع ) لم يقل شيئا عن دور أو إسهامات موجبة أو سالبة للعلم العربي في مسيرة وتطوير دور العالم في المجتمع، حينما كان من المعروف لزمن طويل أن السيل الكبير من المعرفة من خلال ترجمة المؤلفات العربية ( في القرنين الثاني عشر والثالث عشر قد شكل قوة جذب دافعة تجاه الدراسة غير المتكافئة من العلم في الجامعات الأوربية في العصر الوسيط، كذلك الدراسة المتميزة لفرن بولاف ( تطور الطب كمهنة ) قد بدأ من اليونان وأهمل تماما أي حديث عن الطب العربي، بينما كان معظم دارسي الطب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر مدينين للتراث اليوناني والعربي في الطب وخاصة موسوعة ابن سينا " القانون " من بين مؤلفات أخرى كثيرة، ويمكن ذكر نماذج أخرى من الأغفال، ولكن الحقيقة هي أن العالم الحديث إنما هو نتاج إسهامات وتفاعلات عدة حضارات، وأنه بواسطة تقرير النظر الى هذه الصورة المبكرة يمكن أن نقدر عظمة الإنجازات و الإسهامات الفريدة التي قدمتها أية حضارة أو مجتمع الى هذا العلم المتراكم، وأنه لا يكفي القول لقد نجحت أوربا بينما أخفقت الحضارة العربية الإسلامية أو الصينية دون إشارة الى إسهامها في العلم العالمي الحديث.
يشكل هذا الموقف مشكلة محيرة للباحثين في المائة سنة الأخيرة، أما عن العوامل التي تسببت في إخفاق العلم العربي أن ينجب العلم الحديث فإنها تبدأ من العوامل العرقية الى سيطرة السنية الدينية الى الطغيان السياسي وسائل متصلة بالبواعث النفسية والعوامل الاقتصادية فضلا عن إخفاق فلاسفة الطبيعة العرب في أن يطوروا ويستخدموا المنهج التجريبي.
وتوحي الصياغة العامة للأثر السلبي للقوى الدينية على التقدم العلمي ما ظهر في القرنين الثاني عشر والثالث عشر من تصوف كحركة اجتماعية، وقد أفرخ هذا تعصبا دينيا وبخاصة تجاه العلوم الطبيعية وإحلال العلوم السرية بدلا من دراسة العلوم اليونانية والعقلية.
وفي خلال القرون الثلاثة من التدهور حدث تقدم له دلالته في معرفتنا بالعلم العربي. ، ولكن ذلك لا يلقي أي ضوء على السؤال المحير، وهو لماذا، وهو لماذا اتحه العلم العربي من القرن الثالث عشر نحو التدهور؟ ولماذا أخفق في ان ينجب العلم الحديث؟ والواقع ان الصورة التي لدينا تشير الى التصوف، ولقد وجه المؤرخون العرب جهودهم نحو اكتشاف أصالة العلم العربي، ويلاحظ هذا بشكل ظاهر في تاريخ الفلك حيث يشير الباحثون الى الخطوات المتنوعة التي اتخذت في الفكر الفلكي والتي أدت الى تطور في القرن الثالث عشر والرابع عشر والى اكتشاف نظام للأجرام يعادل رياضيا ما توصل اليه كوبرنيكوس ، أو بتعبير آخر استعمل كوبرنيكوس الزوج “ الطوسي “ كما فعل فلكيو مراغة، فالنماذج الطولية للأجرام في “ التعليقات” Commentariolus مستندة الى نماذج ابن الشاطر بينما الأجرام الأعلى في المدارات تستند الى نماذج مراغة، أما النماذج القمرية De Revolutionibus لكوبرنيكوس فمماثلة لمدرسة “ مراغة “. هذا التكافؤ الكامل في النماذج أدى الى ان يتساءل نويل سوردلوNoel Swerdlow ، ليس عما اذا كان وإنما “ متى وأين “ تعلم كوبرنيكوس نظرية مراغة.
انجازات علم الفلك العربي :
لما كانت الثورة العلمية في أوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر تتركز على التطورات في الفلك والمضمون الفلسفي لعمل كوبرنيكوس ( وخاصة ما أخذه غاليلو ) فإ نه من المفيد ان نعرض لتاريخ التفكير الفلكي في الإسلام في العصور الوسطى.
، ذلك ان الإنجاز الفلكي في الإسلام خلال هذه الفترة كان عميقا ومتقدما الى حد أبعد من نظسره في أوربا..
فالصورة التي لدينا عن النشاط الفلكي الإسلامي – سواء شرقه أو غربه خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر – توحي بان الفلكيين العرب كانوا يعملون بجد لاصلاح النسق البطلمي والقائم على مركزية الرض وذلك من خلال عملية معقدة متضمنة نماذج رياضية واستدلالات فلكية قائمة على المفاضلة بين النظرية والملاحظة فضلا عما حدث من متابعة خلال القرون وعبر آلاف الأميال.
يشير الدكتور صبرة مثلا الى ان العالم الرياضي ابن الهيثم ( ت. 1040 ) قد أدى دورا مهما في إثارة الفلكيين العرب كي يتجاوزوا بطليموس واليونان، وقد فعل هذا بتوضيح شكوكه حول النظرية الفلكية البطلمية في تعليقه على “ المجسطي “، وكما يقول د. صبرة : كان لدى ابن الهيثم الجرأة ليقرر ان الترتيبات التي تفترضها حركات الأجرام كما هي في “ المجسطي “ وخاطئة حسب تعبيره، واننا على وشك اعداد الترتيبات الجديدة ومن ثم فاننا نجد المفكرين العرب في الأندلس بعد قرن من ابن الهيثم قد قادوا ما يسمى بالتمرد على الفلك البطلمي. وبلغ التمرد العقلي مداه في كتاب البطروجي: مبادئ الفلك حيث محاولة لاصلاح النسق البطلمي بتطوير فعلي للنماذج الرياضية الجديدة وان كانت في الواقع قد انتهت الى اخفاق علمي.
ومن ناحية أخرى فان مدرسة مراغة غي غرب ايران والتي كانت فيها شخصيات مثل الأزدي ( ت 1261 ) والطوسي ( 1275 ) وقطب الدين الشيرازي ( ت 1311 ) وابن الشاطر ( ت 1375 ) قد نجحوا في الوصول الى نماذج لنظام غير بطلمي تكررت بعد ذلك في كتاب كوبرنيكوس، وقد ترتب على المسار المتصل الذي بدأه ابن الهيثم في القرن الحادي عشر الاتجاه الى “ خطة “ علمية حقيقية، وخطة بحث إسلامية في الفلك.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - اطناب ممل
رشيد المدغري ( 2012 / 1 / 10 - 13:33 )
اطناب ممل _ مع احترامي _ لكن غضبي من الموضوع ، ناتج عن أهميته ، إلا أن الكاتب قضى وقته في تشويقنا للجواب عن السؤال التالي : - لماذا أخفق العرب في انجاز - الوثبة الأخيرة - نحو العلم الحديث ؟ - وفي النهاية لا جواب و لا هم يحزنون
كما يقول المثل الفرنسي الشهير : تمخض الجبل فولد فأرا.
مثلا هذه الفكرة : - ان الإنجاز الفلكي في الإسلام خلال هذه الفترة كان عميقا ومتقدما الى حد أبعد من نظيره في أوربا.. -
فكرة ، أعيدت في الموضوع ألف مرة ، حيث كانت هي الموضوع برمته .
و لا جواب عن سؤال الموضوع .


2 - لن ينفعنا الملل
عدنان عاكف ( 2012 / 1 / 10 - 19:15 )
الأستاد رشيد المدغري المحترم
لو كنت أجيد اللغة الفرنسية لكتبت بها. لم أكن أعلم ان الكلام عن الجبل الذي ولد الفأر هو مثل فرنسي، انه مثل شائع جدا في الكتابات العربية. قلتعا في المقدمة ان المقالة عبارة عن قراءة في الفصل الثاني فقط والجواب على السؤال الذي طرحه ستجده في الفصول الثلاثة القادمة حيث قدمها الكاتب، وأشرت أيضا الى ان القراءة النقدية للفصول المتبقية تتطلب معرفة في التشريع الاسلامي والقضاء والقانون والفلسفة الاسلامية وهي المعرفةالتي ستساعد الناقد على مواصلة القراءة في الكتاب. لقد قرأت الكتاب وتعرفت على اسباب اخفاق العرب من وجهة نظر المؤلف لكني كنت اتمنى لو ان مهمة نقد الكتاب استكملت من قبل متخصصين لكني أردت اثارة انتباه القراء الى أهمية السؤال المثار بدل انشغالنا في غي البحث عن الاعجاز العلمي في القرآن أو بالعكس على الأخطاء العلميه فيه.
أما بالنسبة للتكرار فقد تكون على حق في ان هناك تكرار ما في طرح السؤال وذلك لأن السؤال لا يعود الى المؤلف وحده بل هو يعيد طرح السؤال الذي طرحه الكثير من المهتمين الغربيين . . وكان المؤلف قد استخدم 144 مصدر في كتابة هذا الفصل ولابد من الاعتراف انه


3 - لن ينفعنا الملل - يتبع
عدنان عاكف ( 2012 / 1 / 10 - 19:25 )
أردت ان انبه القارىء الى ان الاصرار على نكران الحضارة العربية الاسلامية ووصف أصحابها بالجهل والتخلف لا يمت الى النقد العلمي بصلة وانما هو مجرد لعب عبال وعناد لا مبرر له. نحن الآن أمام الخظوة الأخيرة التي قادت الى العلم الحديث وهي الخطوة التي عجزنا عن تحقيقها وما كان للمؤلف ان يتوجه بالسؤال الى أسلافنا الا ايمانا منه بانهم من أوصلوا الحضارة الانسانية بعد مراحلها المتعددة والطويلة الى الخطوة الأخيرة. وعلى من يجزم بان من يتحدث عن علم وحضارة عند المسلمين هو مزور وكذاب ان يتوجه الى ال145 باحث غربي في علم الفلك ويقول لهم بالفم المليان بانهم كذابين ودجالين
مع التجيات


4 - تغطية نقدية شاملة
نادر علاوي ( 2012 / 1 / 11 - 23:46 )
الدكتور عدنان عاكف
هل سيجانبني الصواب إن زعمتُ بأن العلم الغربي هو إمتداد للعلم العربي الذي وضع اللُبنات الأساسية لتشييد سائر العلوم الحديثة سواء أكانت الفلكية أم الطبية أو بقية الحقول الأخرى لاسيما في حقل العلوم الرياضية والهندسية والجبر .الخ ؟ تحياتي مقرونةً بالشكر والإمتنان على هذه الدراسة القيِّمة ، التي أوقدت في نفسي روح المُتابعة والبحث ، وأنا في إنتظار ما تجود بهِ مَلَكَتكُم في إغناءِ هذا
الجانب ، والكتابة عن هذا الموضوع الجاد والحيوي ؛ مع فائق التقدير والمودة والإحترام

اخر الافلام

.. النيابة العامة المصرية: مساعد السائق ومراقب البرج كانا متعاط


.. الأمير حمزة يظهر رفقة العاهل الأردني خلال زيارته الأضرحة الم


.. مئوية الأردن.. عقود من الأدوار المحورية إقليميا ودوليا




.. حسن المومني: ظهور الأمير حمزة رفقة العاهل الأردني رسالة قوية


.. الأوكتاغون.. عملاق مصر الفضائي