الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قراءة في كتاب -تحقيقات فلسفية- (1)

يوسف السعدي

2012 / 4 / 6
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ان كتاب تحقيقات فلسفية هو ثمرة فلسفة فتغنشتاين وهو التنقيح الاخير لفلسفته ولكتابه "رسالة منطقية فلسفية" وهو نتيجة لنقاشاته مع جماعة فينا وتحصيل ستة عشرة سنة ماضية من التحليلات والتي تتحدث عن الوعي والدلالة والمنطق والاستدلال والرياضيات والوعي كذلك , ان ما دفع فتغنشتاين لكتابة هذا الكتاب وخصوصا بعد انعزاله عن الفلسفة باعتقاده ان كتابه "رسالة منطقية فلسفية" قد حل المشاكل الفلسفية الكبرى وانه وضع السد الاخير امام اي مجال للتفلسف بعده هو استماعه لمحاضرة القاها الرياضي بروفر حول الحسابة والحدسانية والذي طرح فيها عدم قبوله بالالغاء النفي المكرر (الذي اعترف به فتغنشتاين في كتابه "رسالة منطقية فلسفية") بحيث اعتبر ان النفي مرتين يولد اقرار ولكنه يغير نظرته في هذا الكتاب , كما رفض بروفر ايضا مبدأ الثالث المرفوع ومبدأ التناقض لبناء الشرط الاساسي لتاسيس علم الحسابة والتي اعتقد بروفر بانها مستقلة عن المنطق وانها حدسانية وان المنطق ليس الا مجرد ألية تكونت باللغة فقط , كما كانت نقاشات فتغنشتاين مع فرانك رامسي الرياضي والاقتصادي الذي قام بدراسة قوية وتحليل لكتاب فتغنشتاين "رسالة منطقية فلسفية" دور كبير في عودته للفلسفة وكذلك قرائته لكتاب هوسرل "تحقيقات منطقية" وكذلك تاثره بكتابات راسل .

في نقده للقديس اوغسطينس :

لقد كان هذا القديس ينظر للغة على انها مفردات لتسمية الاشياء وان نبرة الاصوات والحركات والحالات النفسية للمتحدث تحدد معنى الكلام وقصد المتكلم من الاشياء من انه يملكها او ينكرها او يستفسر عنها وما الى ذلك , ولكن من ينظر الى فلسفة ذلك القديس يعتبر ان اللغة مجرد تعالق الكلمات مع الاشياء واعتبار اللغة مجرد اسماء مثل "كرسي" او "طاولة" او "تفاحة" وما الى ذلك واما باقي اصناف الكلام فهي من وجهة نظره هي بديهيات ولكن ماذا عن دلالة الارقام والصفات او الالوان ؟ بمعنى ان كانت اللغة هي تعالق الاسم بالشئ فما تعالق لفظة "8" مثلا او لفظة "ارزق" ؟ ان تلك الاسئلة التي جاء بها فتغنشتاين تمثل نقده لهذا القديس فهو لم يعتبر نظرة هذا القديس لهذه اللغة بانها خاطئة بل اعتبر بانها محدودة اي انها تنطبق على على حالات معينة فقط .

ان تعليم اللفظة للاطفال تاتي بلفظ الكلمة والاشارة الى الشئ التي تمثله فانا اقول لفظة "تفاحة" واجعل الطفل يكررها وانا اشير بيدي الى التفاحة وهو ينظر اليها مما يؤدي الى تكوين صورة بذهن الطفل لما تقصده كلمة "تفاحة" وهذا يسمى ب (تعليم او تفسير الالفاظ بالاشارة) ويستخدم فتغنشتاين "لعبة لغوية" للدلالة على استعمال الالفاظ بين الاشخاص .

ان لفظة "هنالك" او "ذاك" لا يتم تعلمها بالاشارة (كيف يمكن بالاشارة الى الاشياء ان نعلَم استعمالها ؟!) فهي تدخل في الاستعمال وليس في تعلم ذلك الاستعمال , ان الالفاظ هنا تاتي للاشارة الا الاشياء (اللفظة هذه تشير الى ....) كما ان الاعداد يمكن ان نعبر عنها باحرف ما او رموز تدخل في استعمال لفظة عددية ما في لعبة لغوية ما .

ان وظائف اللفظة اذا هو اختلاف وظائف الاشياء وهذا ما لم يراه القديس اوغسطينس , مثلا فكر في لفظة مطرقة او مسمار او متر وما الى ذلك , ان اختلاف وظائف الشئ او استعمالها يحدد الاسم للاشياء (مثلا في غرفة قيادة القطار نرى مقابض ولكن هنالك اختلاف كبير بين مقبض له وظيفة محددة او حركة ميكانيكة واحدة او مقبض له حركات ميكانيكة متعددة او يملك وظائف متعددة ) ان عدم التمييز بين وظائف الاشياء ومسمياتها تجعلنا ندخل بالخلط وخصوصا عندما نتفلسف (يقول فتنغنشتاين هنا : ان الذي يوقعنا بالخلط هو تماثل المظهر المطرد للالفاظ في القول او الكلمات في الكتابة او الطباعة لان استعمالها لا يظهر لنا بكل شفافية ووضوح. خاصة ان كنا نتفلسف).

ان كانت لكل لفظة اشارة الى شئ ما فاننا لم نكتسب شئ الا ان كنا حددنا الفروق مسبقا , وان تسمية شئ ما تشبه تعليق علامة على ذلك الشئ .

ولكن ان كنا نريد ان نتحدث عن لعبة لغوي ما بين رجلين تقوم على اوامر فقط او على لغة تستعمل بها الاجابة ب"نعم"و"لا" فهل ستكون هذه لغة ناقصة ؟ ان اعتبار مثل هذا السؤال يشبه قولنا : كم عددا من المنازل نحتاج لكي تكون المدينة مدينة ؟ "اجاب فتنغنشتاين عن هذه القضية باعتبار ان نحو القضية يفضي الا انتاج لا معنى من هذا السؤال بكم عدد المنازل التي يجب وجودها حتى تصبح المدينة مدينة " وبالتالي فان قضية كمال اللغة هي قضية تنطلق من الحياة فتصور لغة معينة هو تصور حياة معينة .

والان ماذا نعتبر كلمة "حجر!" هل هي لفظة ام قضية ؟ طبعا ان كانت لفظة فهي لن تدل على نفس لفظة "حجر" لان لفظة "حجر!" هي صيحة , وان كانت قضية فهي قضية مختزلة ل "احضر لي بلاطة " , ولكن اين الفرق يكون بين الاقرار "بلاطة" و الامر "بلاطة!" او "احضر لي بلاطة" ؟
قد يظهر ان الفرق يظهر في قسمات الوجه والتعبيرات ولكن من الممكن استخدام تعبيرات مختلفة عند قول الاقرار او الامر , ان الفرق يقع بالاستعمال داخل اللعبة اللغوية (يمكن التعبير عن قضية اقرارية باخرى استفهامية مثل "اليس الجو لطيفا اليوم ؟" انها تحمل الشكل الاستفهامي ولكنها اقرار ايجابي) , من الممكن ان نعبر عن لغة كاملة يكون فيها كل الاقرارات شكل الاسئلة الموجهة (نظرية فريجيه) ونبرها , او ان تكون فيها كل الاوامر في شكل اسئلة ( "اتبقى في البيت دون ان تدرس ؟" انه شكل سؤال ولكنه امر في حقيقته)

وفق فريجيه ( وهو عالم منطق ويصنف على انه اعظم منطقي بعد ارسطو) يكون الاقرار حاويا لافتراض متمثل فيما يقع اقراره , اي من الممكن ان نعبر عن كل قضية اقرارية على هذا الشكل : "أقر ان الامور كذا وكذا" ولن تكون "الامور كذا وكذا" قضية في لغتنا , فان نقول "اقر بان الامور كذا وكذا" عوضا عن "أقر : الامور كذا وكذا" فان كلمة أقر تصبح لا حاجة لها . كما يمكن كتابة كل اقرار على شكل استفهام متبوع باقرار مثل "هل سوف ياتي يوسف ؟ نعم!" .

ولكن كم صنفا من الجمل يوجد في اللغة اذا ؟ هل الامر والاستفهام والاقرار فقط ؟ يبدو انه لا يوجد عدد محدد من الاصناف (وهنا نعلم القراء بان فتنغشتاين كان يتبنى موقفا مغيار لموقف راسل وفريجيه من امكانية اختراع لغة مثالية وواضحة) كما ان تطور العلوم مؤثر على طبيعة اللغة(مثل الكيمياء) وكذلك ممكن تصور اصناف عديدة من "تكهن بقضية ...تكوين فرضية وتجربتها ....تماس ....شكر ....لعن ..."
ولكن كيف يمكن ان نعرف مدلول لفظة "خمسة" ؟ يبدو انه يخطر لنا ان نحضر حبتين من التفاح وان نشير الى اليهما ونقول (هذان "اثنان" ) ولكن قد يفهم القصد منها انها تدل على التفاحتين وليس على عددهما ومن الممكن ان يكون العكس فقد تدل اسم تلك المجموعة على عددها (قد يفهم هذا للشخص وخصوصا ان كان يتعلم اللغة وليس يعلم لغة ويتعلم لغة اخرى -لقد ظن القديس اوغسطينس ان الطفل كالاجنبي الذي يعلم لغة ويرد ان يتعلم لغة اخرى ) وبالتالي فان الحل الانسب ان نقول : انه لا يمكن تعريف "اثنان" بالاشارة الا هكذا :
(هذا العدد اسمه اثنان ) , وكلذلك بالنسبة للون : هذا اللون اسمه احمر ....سوف تقول وماذا بخصوص تفسير لفظة "عدد" او "لون" بالاشارة ؟ انت تقصد تعريفها بكلمة اخرى ولكن ماذا عن تعريف الكلمة الاخرى ؟ ماذا ستكون اخر كلمة ؟ ! .

اذا يمكن القول ان التعريف بالاشارة يفسر لنا استعمال مدلول الالفاظ , ولكن هذا يعني ان علينا معرفة الشئ (او فعل شئ) قبل ان نستطيع ان ان نسال عن اسمه ولكن ما الذي يجب معرفته عن الشئ ؟

اولا ان تعريف اسم لشئ بالاشارة لا يعطينا استعمال تلك اللفظة بل تفسيرا للاشارة لتلك للفظة الا ان كان الشخص يعلم مسبقا عن طبيعة اللعبة اللغوية وقواعدها (لفظة احمر تدل على اللون ...لفظة "ملك" لقطعة الشطرنج تدل على طريقة حركته...) .

والان ما علاقة الاسم بالمسمى ؟ يبدو ان لفظ الاسم يصنع صورة للمسمى في الذهن و ايضا ان الاسم يكون علامة على المسمى او ان الاسم يلفظ عند الاشارة الى المسمى , ولكن على ماذا تدل لفظة "هذا" ؟ هل تلك اللفطة تمثل الشئاو ان نعتبرها الاسم الحقيقي للشئ ؟ ان لفظة "هذا" نجدها غالبا مع الاسم وخصوصا عند الاشارة الى الشئ بحيث نقول "هذا يسمى(س)" ولكن لا نقول "هذا يسمى (هذ)ا" , اي لا يستعمل الاسم مع حركة اشارية بل يفسر بحركة اشارية .

في المقال القادم سوف نوضح متى تكون القضية ذات معنى ومتى تكون ذات محتوى وتعريف القضية الحقيقية وفق فتنغشتاين .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما الأوضاع في إدلب السورية والمناطق المحيطة بها بعد الزلزال


.. الكارثة في تركيا التي خلفها الزلزال أكبر مما هو متوقع وما هو




.. بداية تنازلات الحكومة الفرنسية في مشروع إصلاح نظام التقاعد؟


.. الجمعية الوطنية الفرنسية تناقش مشروع إصلاح نظام التقاعد وسط




.. في شمال غرب سوريا.. الزلزال المدمر يضاعف معاناة السكان ويعقد