الحوار المتمدن - موبايل


قصة وعبرة

كرمل عبده سعودي

2012 / 4 / 29
المجتمع المدني


دائما نستمع إلي كلمات رنانه تحمل في طياتها الكثير من الحكم والمواعظ والفنا هذا ولكن لو تمعنا بعين التدقيق لوجدنا انها اذا اكتفينا فقط بسماعها فهي مجرد كلمات رغم انها تنتسب الي اديان عظيمة أو تنتسب لفكر مصلح ولكن مادامت لم تترجم الي اعمال فهي لاتجدي نفعا وهذه القصة التي قراتها في كتاب الرسالة المدنية وهو كتاب بهائي كتبه حضرة عبد البهاء مركز عهد وميثاق الدين البهائي والذي فيه اظهر بصورة رائعه اثر الاعمال وقوة تغييرها لمصير الشعوب وهي قصة من واقعنا الانساني وليست مجرد خيالات لنتعلم منها أنه دائما لدي الفرد القوة الهائلة التي يمكن من خلالها تغيير مجريات الاحداث حوله مادام اقترن عمله بما أمر به الله سبحانه وتعالي في كتبه السماوية من قيم ومبادئ "

ورد في كتب التّاريخ العربيّة أنّه في يوم من أيّام ما قبل بعثة النّبيّ عليه السّلام شرب النّعمان بن المنذر اللّخميّ -أحد ملوك العرب في الجاهليّة وكانت مدينة الحيرة مقرّ سريره- فزايله عقله لكثرة ما تجرّع من أقداح المُدام وتعطّل شعوره، وفي عالم السّكر وفقدان الوعي أمر بقتل خالد بن مضلّل وعمر بن مسعود الكنديّ اللّذين كانا نديميه وأنيسيه وخليليه

وجليسيه في محفل الطّرب. فلمّا أفاق من سكره وثمله طفق يسأل عن نديميه، فأحيط علمًا بتفاصيل ما حدث، فحزن عليهما غاية الحزن وأدمى قلبه لهما، وبنى على قبريهما لشدّة حبّه لهما وعظيم تعلّقه بهما بناءين عاليين مسمَّيان بالغرييّن، وجعل لنفسه في كلّ سنة يوم بؤس ويوم سعد تذكارًا لهذين النّديمين، وكان يخرج في هذين اليومين بكمال حشمته وجلاله، ويجلس بين الغرييّن، فما كانت تلمح عينه في يوم البؤس من أحد إلاّ وقتله، وما كان يدخل داره أحد أو يفد إليه في يوم النّعيم إلاّ وأحسن إليه كلّ الإحسان، واعتنى به منتهى العناية. واستمرت هذه القاعدة واستحكمت بالأيمان الغلاظ حتّى جاء يوم من الأيّام ركب فيه الملك جواده «محمودًا» وتوجّه إلى الصّحراء متصيّدًا، فلمحت عينه حمارًا وحشيًّا عن بعد بغتةً، فأطلق عنان جواده في عقب ذلك الحمار الوحشيّ حتّى بعد عن خيله وجيشه، فلمّا تأخّر به الوقت يئس وبينما هو كذلك إذا بسواد خباء مضروب في البادية يتجلّى له، فعطف إليه عنان جواده حتّى بلغ باب الخباء وقال «أتستضيفونني؟» فقال ربّ الخباء -وكان حنظلة بن أبي غفراء الطّائي- نعم، واستقبله وأنزله عنده وقال لزوجه: إنّ مخايل النّجابة لتلوح من ناصية هذا الرّجل، فهيّئي القرى وابذلي في إكرامه الهمّة والغيرة»، فقالت المرأة: «عندنا شاة فاذبحها، ولقد ادّخرت لأمثال هذا اليوم قدرًا من الدّقيق»، فحلب حنظلة الشّاة وحمل إلى النّعمان قدحًا من حليبها، ثم ذبح الشّاة ومدّ السّماط، وقضى النّعمان ليلته من محبّة حنظلة مسرورًا كلّ السّرور، فلمّا طلع الفجر تأهّب النّعمان للرّحيل، وقال مخاطبًا حنظلة: «إنّك أبديت في استضافتي هذه اللّيلة غاية المروءة والجود، وأنا النّعمان بن المنذر لأرقب قدومك عليّ مشتاقًا». وانقضت مدّة إلى أن أناخ القحط والغلاء العظيم على ديار طيّ، وأصابت حنظلة فاقة شديدة، فأسرع إلى الملك، وكان من غريب الاتّفاق أنّه أقبل على النّعمان وهو في يوم بؤسه، فتبلبل خاطر الملك وأخذ يعاتبه أن: «لماذا حضرت عند رفيقك في مثل هذا اليوم الّذي هو يوم البؤس، فإنّه لو لمحت عينيّ اليوم ابني الوحيد قابوس لقتلته، فما هي حاجتك الآن فاطلبها». فقال حنظلة: «لا

علم لي بيوم بؤسك هذا، فما الجدوى الآن من نعمة الدّنيا الّتي هي للعيش بها والبقاء فيها، وما فائدة خزائن الأرض جميعًا إن قدّر لي أن أشرب السّاعة كأس المنون؟» فقال النّعمان: «لا مفرّ من ذلك» فقال حنظلة: «أمهلني زمنًا أعود فيه إلى عيالي وأوصيهم ثم أحضر السّنة القادمة في يوم بؤسها»، فطلب النّعمان من يضمنه حتّى إذا ما خالف وعده قتل ضامنه عوضًا عنه. فطفق حنظلة يدير بصره في كلّ ناحية متحيّرًا حتّى لمحت عينه شريكًا بن عمرو بن قيس الشّيبانيّ -وكان من جملة خدم النّعمان- فأنشد يقول:

يا شريكًا يا ابن عمرو هل من الموت محالة
يا أخا كلّ مصاب يا أخًا من لا أخًا له
يا أخا النّعمان فيك ال ـيوم عن شيخ كفاله
ابن شيبان كريم أنعم الرّحمن باله

فقال شريك: «يا أخي لا يستطيع المرء أن يجود بنفسه». فظلّ المسكين متحيّرًا، وكان هناك رجل يسمى بقراد بن أجدع الكلبي، فنهض وكفله شريطة أن يجري الملك فيه ما يريد إذا لم يسلّم حنظلة في يوم البؤس من السّنة الآتية، فأنعم النّعمان لحنظلة بخمسمائة ناقة وصرفه.

وفي السّنة التّالية أقبل يوم البؤس وطلع فجره الصّادق من المشرق، وتوجّه النّعمان على عادته إلى موضع الغرييّن في حشمته الكاملة، وحمل معه قرادًا ليكون فريسة لسخطه، وأخذ أركان الدّولة يشفعون له ويستمهلونه حتّى الغروب لعلّ حنظلة يعود، وكان الملك يريد أن يقتل ضامنه حتّى ينجيه من الهلاك وذلك ثمنًا لمحبّته إيّاه، فلما دنت ساعة الغروب عرّي قراد حتّى يضرب عنقه، فما راعهم إلاّ أنّ فارسًا فاجأهم يقترب عن بعد بسرعة، فسأل النّعمان السّياف: «فيم انتظارك؟» فردّ الوزراء: «لعلّ هذا الفارس يكون حنظلة»، فلما اقترب الفارس وجدوه حنظلة الطّائي، فلم يرق النّعمان قدومه وقال: «أيّها الجاهل الأحمق لماذا عدت مرّة أخرى وقد

نجوت من براثن الموت؟» فقال حنظلة: «جعل الوفاء بالعهد السّمّ الزّعاف حلوًا مستساغًا في مذاقي»، فسأل النّعمان عن الباعث له على هذا الوفاء ومراعاة الحقّ والعهد والميثاق، فقال حنظلة: «هو إقراري بوحدانيّة الله وإيماني بالكتب المنزّلة السّماويّة» فقال النّعمان: «بأيّ دين تدين؟» فأجابه: «أحياني نفس المسيح فأنا أسير على صراط روح الله المستقيم» فقال النّعمان: «فأعرض على مشامي نفحات روح الله القدسيّة» فأخرج حنظلة يد الهداية البيضاء عن جيب محبّة الله، وأشرقت أنوار الإنجيل على أبصار الحاضرين وبصائرهم. فلمّا تلا حنظلة بضع آيات إلهيّة من الإنجيل باللّحن الجليل، تبرأ النّعمان ووزراؤه جميعًا من الأصنام وعبادتها، وثبتوا في دين الله ورسخت أقدامهم فيه، وقالوا: «يا حسرة علينا قد غفلنا إلى اليوم واحتجبنا عن هذه الرّحمة الواسعة الّتي لا نهاية لها وكنّا محرومين وميئوسين من غمام فضل الرّحمن هذا». وهدم النّعمان الغرييّن من فوره وندم على ظلمه واعتسافه وأحكم أساس العدل والإنصاف.

فتأمّلوا كيف أنّه رجل من أهل البادية وهو مغمور لا مقام له في الظّاهر، لمّا اتّصف بصفة من صفات المخلصين استطاع أن ينقذ مثل هذا الملك الغيّور هو وجمعًا غفيرًا من ظلمات ليل الضّلالة، ويدلّهم على صبح الهداية ويخلّصهم من مفازة عبادة الأصنام المهلكة، ويرد بهم ساحل بحر الوحدانيّة الإلهيّة، ويكون سببًا في إبطال مثل هذه العادات الّتي هي في الواقع آفة البشريّة وعلّة لهدم بنيان المدنيّة.

فلا بدّ من التّفكّر والتّعمّق والتّعقّل والتّدبّر، وقصارى القول إنّ القلب لفي أقصى غايات الحزن والتّأسّف بما أنّه لم يعد يرى أنّ اهتمام النّاس بوجه من الوجوه متّجه اليوم إلى الأمور اللاّئقة المناسبة، لقد أشرقت شمس الحقيقة على كلّ الآفاق ونحن ما زلنا أسراء ظلمات أهوائنا، ولقد ماج البحر الأعظم من كلّ الجهات ونحن ما زلنا عجزاء خامدين ومحترقين من الظّمأ، ولقد نزلت الموائد الإلهيّة من سماء الأحديّة ونحن ما زلنا في مفاوز القحط حيارى هائمين «من ميان گفت وگريه مي تنم».

ومن بين الأسباب العامّة الّتي أصبحت سببًا في إعراض سائر أهل الأديان عن التّديّن بالدّين الإلهيّ هو التّعصّب والحميّة الجاهليّة. ولو تأمّلنا لرأينا أنّ الخطاب الإلهيّ صدر إلى الجمال النّورانيّ والفلك الرّحمانيّ سيّد أهل العالم أن «وجادلهم بالّتي هي أحسن« وأمره بالمداراة واللّين، فأورفت هذه الشّجرة النّبويّة المباركة الـ «لا شرقيّة ولا غربيّة» ظلّ ألطافها اللاّنهائيّ على رأس أهل العالم جميعًا، وكانت دائبة في مسلكها باللّطف الكبير والخلق العظيم، وكذلك أمر موسى وهرون عليهما السّلام في خطابهما وعتابهما لفرعون ذي الأوتاد بأن: «قولا له قولاً ليّنًا.» ومع أنّ أنبياء الله وأولياءه نظرًا لحسن سيرتهم –تلك الّتي اشتهروا بها– في الواقع كانوا وما يزالون أسوة حسنة للهيئة البشريّة في جميع المراتب حتّى قيام السّاعة، وبالرّغم من ذلك كلّه فقد غفل بعض النّاس عن هذا التّلطّف الخارق، واحتجبوا عن هذا التّعطّف الفائق، وحرموا من حقائق الكتب المقدّسة الإلهيّة، فاجتنبوا أهل الأديان الأخرى تمام الاجتناب، واحترزوا منهم تمام الاحتراز بحيث لا يجوّزون لأنفسهم حتّى أداء التّحيّات العاديّة، فإذا كانت الألفة والمعاشرة لا تجوز فكيف يمكن هداية نفس واحدة من ظلام «لا» الفاني إلى صبح «إلاّ» النّوراني، وحثّها على الصّعود من أسفل قاع الجهل والضّلال إلى أعلى أفق العلم والهدى؟









































د








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العنصرية تقتل شاباً في أمريكا وتُهين ضابطاً في الجيش


.. مداخلة وليد الأبارة المتحدث الرسمي بإسم وزارة حقوق الإنسان ا


.. حسين المجالي يتحدث لشبكتنا عن بيان عشيرته الذي وصف اعتقالات




.. 2 دولار - اللاجئون.. بين سوريا ولبنان


.. من الداخل | الملفات الأفغانية.. جرائم حرب أسترالية في أفغانس