الحوار المتمدن - موبايل


مراثي الكائن الفاسد

علي حسن الفواز

2012 / 6 / 18
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



ثمة الكثير من الخوف، وثمة الكثير من التوقع، وبين ان نجتاز المسافة مابين الخوف والتوقع قد يقع مايشبه الكارثة، كارثة خزن الكينونة، وليس نسيانها على طريقة هايدغر، لعبة الخزن تلك تتحول الى لعبة مرعبة في الافساد، في الباس الروح واللغة ثياب الاباطرة والملوك والفقهاء الخالدين، تلك اللبوسات تشبه التلبس بادوار الكوميديا، حيث الشبيه الذي يضحك على شبيهه، وحيث النصف يرثي نصفه الاخر. ليس ثمة اختلاف او تجاوز، وليس ثمة اخطاء تدفعنا للخروج على متاهة الجنة اللغوية الموهومة..
الخطر من الاختلاف لاوجود له، لذا لانملك اية فرصة لاقتناء المعاني الخارقة، والخرائط الخالية من طرق الحرير، حيث لافرصة لنا للهروب من وهم الاطمئنان، والتمرد على الجسد العائلي.
لعبة المكوث في الفساد المكاني، لعبة لاحافات لها، ولاحدوثات تدفعها للتشيؤ. كل مافيها يدعو لليقين والمروج لها في المقدس، وشفرات الحشد، بانتظار الاب المعيش، والاب المنقذ، والاب الذي الذي لايؤمن بالشاهق، ولا التمرد على الوصايا ومرويات الحلال النثري..
سلالة هؤلاء الاباء هم بعض صناعة الملوك الفاسدين، الملوك الذين علقوا الوصايا على الابواب، وعند ارحام الامهات، امتلكوا السرير والنشيد والاعتراف، لاتدنسهم اخطاء الجسد ولا اخطاء الكلام... لعبة الملوك التي ورثنا خزائنها الجينية، وشياطينها ومردتها، وحدها من تستحق حرامنا الشاسع، واخطاءنا النبيلة، وربما وحدها من تستحق الخروج على قواعدتها المسكونة بالخوف والتوقع واحتمالات الحروب المؤجلة...
مشغلنا الابداعي العراقي منذ عقود استكان لمخاوفه، اذ اخذ المحاربون الاوائل كل الخزائن وتركوا ظلالها، حيث لابحر، ولاسندبادات، ولا جنيات. الكل يتسكع عند حقول اللغة المباحة للجنون والعقل في آن معا..هذا المشغل استلبته الثورات السياسية والانقلابات العسكرية، ومغامرو الهامش، حدّ ان البعض يتساءل عن الكيفية التي يلاحق بها الشعراء الانقلابات، وهل يمكن للقصيدة ان تطمئن على عريها بعد نوبة انقلاب جامح كان يصنع بالظل منه عشرات السجون، والاف الموتى.. وسط كل هذا كان الجموح الشعري يتمرد بطريقته(الخنثية) اذ لاخارج للذة، ولا جسد ضدّ يمكن ان تبادله القصيدة انوثتها، حتى بات الشعراء مكشوفين لكل شيء، الحداثات المضللة، والانقلابات، والمنافي، والحروب. واحسب ان الحديث عن مشروع شعري بالمعنى الاشكالي الباعث على الاسئلة، اضحى نوعا من المغامرة غير المحسوبة النتائج، وبما يجعله امام لعبة تعرية غير مهذبة، ورغم قناعتنا بان جميع التحولات العاصفة هي تعريات كبرى، الاّ ان ما يحدث هنا هو عملية مرضية في اسقاط قيم الحرية والثورة والديمقراطية، وهذا الاسقاط هو شكل اخر للموت الذي لا اساطير ولامثيولوجيات فيه..
ورغم كل المواجهة والحركة في الاغتراب الفلسفي والوجودي، والانحناء على الجهة الاخرى لنقض الصلابة النسقية المولدة للطغيان كما يقول ادونيس، ظل هناك الكثير من الاعتقال الذي يطوق الجسد، ويرمي العقل الى(مطموراته) اقصد مطمورات الدوغمائية، تلك التي انتجت لنا عقودا من القهر الثقافي، وربما قياسات لفقه التكفير الثقافي، واظنها المسؤولة عن صياغة شروط العاب ملوكنا الفاسدين..
العطب الثقافي هو تكفير ثقافي، هو تعطيل لمعنى التفكير، وهذا التبادل لايضعنا عند التعدد، بقدر ما يضعنا عن ثنائيات من الرعب(الحلال/الحرام__الاعلى/الادنى__الطيب/الخبيث__المؤمن/الكافرـ_السلطة/المواطن__الاب/الابن) وغيرها من مولدات الرعب. ولااظن ان صناعة هذا العطب/التكفير بعيدة عن الصناعات الملوكية التي لاتطمئن لصناعة المختلف..
البحث عن مشروع ثقافي عراقي مغاير، ينطلق بتقديري من فكرة نقد تاريخ المشاريع الثقافية منذ نهاية الاربعينات والى اليوم، تلك التي صنعت لها افقا مفترضا في تاريخ التحولات الثقافية العمومية والخاصة.
هذا النقد يقوم على نقد الراهن والاخر في آن معا، وكما يعترف ادونيس ايضا بان نقدنا المركب هذا يتصل بهما(علاقة- سلطة-معرفة- كتابة) أي اننا نمنح هذا النقد صلاحية التخويل للمغامرة، تلك التي تشرعن للتجاوز، للقطيعة، وربما لانسنة هذه القطيعة واعادة فحص مفهومها، حيث التوصيف المعرفي لها، وليس النزوع الى ابتكار المزيد من الاشكال الشائهة والتائهة..
نقد الراهن والاخر، يكمن ايضا في نقد المهيمنات التي مازالت تنتج المزيد من العطب، والمزيد من العزل، والمزيد من الجنات الخاوية. واذا ادركنا ان فاعلية هذا النقد لاتؤسس لنفسها مشروعا الاّ من خلال نقد السلطة، فان مواجهة السلطة تعني مواجهة كل تاريخ الازمة التي ظلت مؤجلة منذ ان ادرك المثقف العراقي سر هزائمه القديمة واللاحقة، ولااحسب ان هذه مفارقة او محاولة في ترحيل الصراع الى مناطق اخرى، بقدر ما اجده الاكتشاف الاكثر سحرا من اكتشاف(اميركا) حين يكتشف الانسان سرّ هزيمته المكررة، واسرار الحمض النووي لقاتله القديم(اقصد قاتل النوع الشعري)..
وعي هذا النقد هو الوعي العميق لفكرة التحول الثقافي التي تمثل جوهر التغيير في الاشياء والتفاصيل وفي انماط الخطاب الثقافي، اذ لايمكن التفكير في التحول دون ابتكار سلطة ما، سلطة تملك عبرادواتها وعناصرها فرصة للتغيير، وللضغط، وللتجاوز، ولعل تاريخ التحولات السياسية وحتى الثقافية لم تحدث الاّ مع انماط معينة من السلطات الاعتبارية والطارئة احيانا بدءا من سلطة(الحشد/الجمهور) الى سلطة(الدين)الى سلطة(القبيلة) الى سلطة(الايديولوجيا) وهذه السلطة يمتلكها الاخر عبر مهيمنات القانون، حيث قيم المواطنة وقيم التحضر والبناء المدني للدولة، والذي تحول بالممارسة الى قوة او سلطة نافذة، في الوقت الذي تعوز المثقف العراقي وحتى العربي حيازة ابسط سياقات هذه السلطة. وهذا ما يجعل الحديث عن مشروع ثقافي دون اية حيازة هو محاولة في تكرار المشاريع الطارئة، اذ ان سلطة اللغة دائما مضللة وخادعة، ولايمكن الرهان عليها، لان هذه اللغة يستعملها المواطن والملك ورجل الامن وبائع الخردوات والاب والابن في آن معا، وهذا ما يجعل لعبة تسطيحها والغواية بها امرا في غاية البساطة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نواقص القرآن !! / قناة الانسان / حلقة 84


.. فلسطينيون يتوافدون إلى المسجد الأقصى لتنظيفه وإعماره استعداد


.. قناة الانسان




.. -الفانوس فى الكنيسة-.. وكيل الأقباط الكاثوليك بالغردقة يعلق


.. القبض على قتلة الوزير بإدلب، واشتباكات بين الميليشيات الطائف