الحوار المتمدن - موبايل


التفكير بالدولة عند الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز : مدخل

الاخضر القرمطي
(William Outa)

2012 / 11 / 10
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


تنتمي نظرية الدولة عند الفيلسوف الفرنسي المعاصر جيل دولوز الى فكر السياسة لديه، وفكر السياسية هو هنا شكلٌ جوّانيٌّ للسياسة، أو انه شكل- السياسة التي تستوطن الفكر. ذلك ان السياسة كانت بإستمرار تماثلُ تشكّلاً للفكر، وللفلسفة، بكونها دائمة الحضور عبر آلية تبادلٍ بينها وبين الفلسفة. وكلامنا يُخرِجُ السياسة عن مجرّد كونها في علاقة خارجية مع الفكر الفلسفي لتصبح في هذا الفكر وليس بجانبه، ورؤية دولوز توسّع رؤيتنا الى الدولة بكونها ليست مجرّد سلسلة من المؤسسات والممارسات السياسية ولكن ايضًا بإعتبارها الشكل الّذي يتضمّن تكثّرًا من القيَم، والخطابات، والتقنيات وبنى اللغة التي لا تصبح فقط داخل الفكرَ بل انها تشكّله أيضًا وتقولبه بحسب نموذجها، لتصبح هي الفكر، وليكون الفكرُ هي في الآن عينه.
ويأخذ هذا الشكلَ الجوّاني للفكرِ مظهرَ الدولةِ، فنموذجه جهاز الدولةِ الّذي يثبّت لدى هذا الفكرِ أهدافًا، وآلياتٍ، ومنطِقًا،ودروبًا، وقنواتٍ، وأجزاءًا. تُصبِحُ صورةُ الفكرِ بهذا المعنى شكلَ – الدولة الّذي ينمو داخل هذا الفكر، وتكون تصوّراتُ الفكرِ عن الدولة نسخةً عن تلك التصوّرات الّتي ضخّتها الدولة في هذا الفكر. والدولة محايثةٌ immanent للفكرِ وليست مفارقة transcendental له، وهي التي تمنحه لبَّهُ وقاعَهُ. فلنأخذ مثلاً الكوجيتو الديكارتي (وهو الّذي يسمّيه دولوز الأوديب الفلسفي)، حيث ان الفهم السائد لهذا الكوجيتو انه استطاع ان يبتكر شكلاً منفصلاً، حرًا، ومستقلاً للفكر، إلاّ ان حقيقة الأمر تكمن في ان الكوجيتو في عمقه لم يكن يدين سوى للشكل السيادي للدولة على الفكر، وهو الّذي يستند الى فكرة الحس المشترك، والتوزيع العادل بين الناس (العقل) والى "تشاركية" التفكير بين جميع الناس، والـ"أنا أفكّر" لا يفكّر إلاّ بما يفكّر فيه الـ"نحن نفكّر" وكأننا في "جمهورية العقول الحرّة". فالذات الديكارتية وعلى عكس ما هو شائع ليست هي التي تنتج التمثّلات التي تشكّل العالم، بل انها مُنتَج الواقع ووليدة "سلسلة من التركيبات السلبية"، فهي انفعالٌ لأنا سلبي متصدّع مُخترقٌ من تشققات الزمن والاحداث التي تمارس سيادتها على جوّانيته.
ليست الدولة بهذا المعنى مجرّد مؤسسة أو جهازٍ مميّز ينتمي الى مرحلة تاريخية فحسب، أو انها البنية الفوقية لنمطِ انتاجٍ اقتصاديّ كما يريد الماركسيون القول، بل انها أكثر من ذلك، فهي مبدأٌ السلطة والحكم ينوجد تحت أشكالٍ مختلفة، وهو مع ذلك أكثر من هذه الأشكال المتعيّنة. الدولةُ هي نموذجٌ مجرّد للسلطةِ، وجهازُ الدولة هو تجميعٌ ملموسٌ يحققُ آلةَ تبثّ معانٍ ورموزٍ متكثّرة في المجتمع، وهذه الآلة ليست بدوها الدولةُ بل هي آلةٌ مجرّدةٌ تنظّم الكلام المهيمن في المجتمع والنسق السائد، كما انها هي التي تمنهج المعرفة المهيمنة، وتنشر المشاعر المتماثلة والقطاعات التي تسود بعضها على بعض.
تتخذ سيادة الدولة على الفكر شكلَ قطبين أو تحويلين من هذه السيادة بإتجاه الفكر:
- الأول هو "إطلاقية" أن "نفكّر صحّ"، الهيمنة الامبراطورية للتفكير الصحيح حيث لا وجود الا لشكلٍ صحيح واحدٍ من التفكير كأسٍّ للتوزيع. تعمل هذه الهيمنة الامبراطورية عبر إمساكٍ سحريّ يشكّل نجاعةَ البناء الفكري(الميثوس).
- الثاني هو "جمهورية العقول الحرّة" التي تنشأ بعد حلفٍ أو عقدٍ، مؤسِسةً تنظيمًا تشريعيًا وقانونيًا،تضعُ موضع التنفيذ الأصلَ (لوغوس). الفكرُ هنا هو تبادلٌ بين ذواتٍ حرّة يتأتّى بعد عقدٍ.
يتقاطع هذان القطبان في الصورة الكلاسيكية للفكر عبر علاقةٍ ضروريةٍ، رغم ان المرور من قطبٍ إلى آخر يلزمُ حدثًا من طبيعة مختلفةٍ، يحتجب وراء صورةِ الفكرِ، ويجري خارج القطبين.
ويبدو وكأن الفكر يمتلك مرساة مزدوجة الرأس ،فمن جهة نجد على رأس جمهورية العقول الحرّة أميرٌ هو الفكرة الحقّة للـ"كائن الأعلى، الربّ، الخير..." اي المؤسسة الاسطورية للحقيقة، ومن جهةٍ اخرى هنالك الأسّ المنطقي-الحواري للعقد القانوني بين الذوات. هذان الشرطان يحولاّن الفكرَ الى أنضودة strate الدولة. هذه الأنضودة الجوّانية للدولة تُكسِبُ الفكرَ جاذبيةً ومركزَ ثقلٍ، وتمنحه سلطةً وقدرةَ تبرير كلّية، كما يصبحُ ذا قوةٍ ثقيلةٍ. وقد تعاملت الفلسفة الكلاسيكية – والحداثة ككلّ – مع هذه القوة والقدرة والسلطان التي امتلكها الفكرُ بإعتبارها نتاجه الخاص، وغفلت عن كون هذه "الملكات" الفكرية أثرٌ من آثار استدخال (استدماج) الشكل-الدولة، ذلك ان القدرة التي يمتلكها هذا الفكر على التبرير والحُكمِ وعلى فرض العقاب- ضد الخطأ..- ليست قوةً ذاتية يمتلكها بل هي تحويلُ transfert الدولة لسلطانها ولقدرتها اليه. ورغم ذلك، لا يبقى الفكر سلبيًا إذا انه يرتفع بالدولةِ الى كلّيانية الحق، بمنحها اساسًا آخرًا (غير القوّة والإجماع) مضمونه التسويغ الكوني – الكلّي، الشامل – المرتكز على فكرة الحق والقانون الأعلى. إن الفكر الّذي هو انضودة الدولة يضع حيّز الإمكان فكرةَ دولةٍ عقلانية، كلّية، قانونية، والتي يُعبَّر عنها عادة بإعتبارها "التنظيم العقلاني للمجتمع" والّذي يعلو فوق باقي التنظيمات التي لا تأخذ شرعيتها إلاّ منه، وهو التنظيم الأعلى الّذي يجعل من تلك التنظيمات "المنشقة" و"المقاومة" تنظيماتٍ غير قانونية، شاذّة، "شريرة" وخاطئة يسلبها شرعيتها لكونها لا تتقولب ضمن الشكل-الدولة. العقلانية هنا هي نموذجٌ عن فكرِ الدولةِ، والخطابُ العقلاني الّذي يبرر الدولةَ هو تمظهرٌ من تمظهرات هذه الدولةِ في هذا الفكرِ وليس خطابُ الفكرِ هذا عنها بإعتباره خارجها أو بإعتبارها خارجه.ان الدولة بالنسبة لهيغل مثلاً هي العقل-الفكرة الشاملة- وقد تحقق بالفعل، كما لا يوجد سلطة على الأرض أعلى من سلطتها القانونية العقلانية، والخضوع للدولة يماثلُ الخضوع للعقل بهذا المعنى.
و"تَعاملُ" الدولةِ بإعتبارها التنظيم العقلاني الأعلى مع باقي التنظيمات المغايرة لشكلها، هذا التعامل الّذي يقوم على ثنائيات مثل الخير/الشر، الحق/الباطل، الصحّ/الخطأ ..الخ نجده في الفكر المتقولب في شكل-الدولةِ حين يُسجَن ضمن ثنائيات مثل أبيض/اسود، انثى/ذكر، شرق/غرب..رافضًا التعددية والاختلاف متخذًّا صورة الدولة التي تلغي ايّ خطاب مختلف او مضاد (وهذا ما نسميه بالنزعة الإثنينية dualism). إن التصوّر أو التمثيل representation الّذي يقوم على اعتبار ان المفاهيم conception هي تمثيلات لموضوعات موجودة في الواقع، والّذي يفترض انه يبدأ بالفكر بلا أي مصادرات، هذا التمثيل يُنظَر إليه في تاريخ الفلسفة بإعتباره النموذج الصحيح للتفكير ويُستبعَد على هذا الاساس كل نموذج آخر قائم على الاختلاف والتعددية ، وفي هذا الاستبعاد أثرٌ من آثارِ تعامل الدولة مع المختلف عنها والتي تسعى الى تهميش كل تمثيلٍ يقوم على الاختلاف، رغم ان الاختلاف بحسب دولوز يسبق كل تحديدٍ لأية هوية وهو الّذي يؤسس الهوية لا الّذي يتأسس عليها، كما ان الفهم التقليدي للتمثيل يقوم على مصادرة هي ان الخطأ هو مغامرة سيئة ويستبعد مغامرات أخرى كالتفاهة والحماقة...
ونحن هنا لا نتكلّم فقط عن تلك الدول التي توصف بإنها فاشية أو استبدادية أو ديكتاتورية، فحتّى الدولة التي تُسمّى ديموقراطية لا تسلم من هذا الوصف. ورغم ان التفكير بالديموقراطية لم يلعب دورًا مركزيًا في فكر دولوز الفلسفي والسياسي حتّى انّه اتُهم بمعاداة الديموقراطية، إلاّ ان كل من دولوز وغاتاري في كتابهم "ألف سطح" اعتبرا ان كل اصناف الدول ومن بينها الديموقراطية لا تعمل بالفعل إلاّ كنماذج من أجل تحقيق والحفاظ على الاطار التقعيدي axiomatic العالمي لرأس المال وديمومة السوق الرأسمالية التي لا تنتج سوى البؤس الى جانب الغنى الفاحش والاغتراب والتشيوء، كما ان هذه الديموقراطيات الرأسمالية هي التي تؤدي الى انتشار الشيزفرينيا في المجال الاجتماعي وهي الحالة التي تميل بحسب دولوز الى جانب الرغبة فيما تميل الرأسمالية الى جانب غريزة الموت وسحق الرغبة وكبتها، هذه الرغبة التي ستكون كاللغم الّذي سينفجر في قلب الرأسمالية كما سنرى في الفقرة حينَ كلامنا عن أساليب "المقاومة" السياسية عند دولوز.
الرغبة في مواجهة الدولة:سياسة المقاومة
"الرغبة بالنسبة لي ليست أبدا نقصًا،...انها مسار وحدث" هكذا يردّ دولوز على التصوّر الكلاسيكي للتحليل النفسي الّذي يردّ الرغبة الى نقصٍ يجب ملؤه، والّذي يرى الرغبة بكونها لحظة تسامٍ تأخذ قيمتها بردّها الى غايتها وهي "اللّذة" او الاستلذاذ، ومتى حصلت اللّذة انتهت الرغبة حُكمًا، واللذّة لا يمكن أن تتحقّق إلا بتجاوز الرغبة، أي بنفيِها. وهذا تصوّرٌ يعود الى الفلاسفة الاغريق وقد أصبحَ أكثر "حدةً" مع التصوّر المسيحي للرغبة وللجسد. أما بالنسبة لدولوز فالرغبة قوّة مُنتِجة، وليست مُنتجة لأحلامٍ واستهيمات بحسب المنطق الفرويدي، بل هي بمعنى ما تشكّلُ جزءًا من البنية التحتية (وليس من البنية الفوقية كما يقول الماركسيون)، انها قوة انتاج تمامًا كإرادة القوة بالمفهوم النيتشوي. وهكذا يُمكن التكلّم عن إنتاجٍ راغب، وعن لاوعيٍ منتِج للحاجات (وليس العكس) كما للواقع المادي في الواقع المادي، وهو انتاج راغب مجتمعيّ، يُمكِن ردّ الصراع الاجتماعي والسياسي إليه، كما يُمكِن تمرير العائلة والانا والشخص من جهة البنية الفوقية (الآنتي-أوديب). واللاوعي برؤية دواوز وصديقه فليكس غاتاري لم يعد مسرحًا للرغبةِ بل آلة انتاج لا ينحصر في النطاق الضيّق للعائلة بل ينفتح الى التاريخ والجغرافيا والقارات والأعراق، اي الى المجتمع الواسع. وهنا يظهر لنا الأفهوم الدولوزي المُبتَكر حين يتحدث عن آلات راغبة تخترق كل المجال الاجتماعي وتتدفق فيه ويكونُ نتاجًا تاريخيًا لها، وهي آلات لا تسير إلاّ وهي تتعطل بإستمرار، والآلة هي كتعريف " سيستام من قطائع الدفوق- système de coupures de flux " ، أمّا الآلة الراغبة فهي نمطٌ في توصيفِ آلية الذاتية التي تحرّك الجسدَ بلا أعضاء قبلَ وتحتَ كل تمييز وتحديد.أمّا الجسدُ بلا أعضاء فيعني به دولوز الجسد الّذي يعارض تنظيم الأعضاء أو ما نسميه "المتعضي" Organism/e. ويشبّه دولوز الجسد بلا أعضاء بالبيضة المليئة قبل إمتلاء المتعضّي وتعضية الأعضاء. وهكذا تكون الآلة الراغبة سستام غير عضوي للجسد يتجاوز إوالية Mecanism/e التقنية وتعضية المتعضّي في الطبيعة والمجتمع وفي الانسان. ويقول دولوز في ما معناه ان الجسد بلا أعضاء يشكل حقل المحايثة للرغبة وهذه توجد حيثما هناك الجسد بلا أعضاء(..) ولا يتعلق الأمر بمسألة إيديولوجية ولكن بمادة خالصة، بظاهرة لمادة طبيعية، بيولوجية، نفسية اجتماعية أو كونية...
هناك إذًا إنتاجٌ راغب، وسيولة دائمة لآلاتٍ راغبة من كل الأحجام تتدفقُ وتصنعُ الواقعَ، وكما صنعت بالظبط رغبة الجماهير الألمانية أو الايطالية في بديات القرن الماضي التاريخ الفاشي الجديد، صنعت الطاقة الراغبة وجهًا ثوريًا للتاريخ نجده مع الطبقة العاملة وفي العلم والفنون. فالرغبة لا تتوقف ولكنها قد تشتغل ضد مصلحتها إلاّ انها لا تضلّ الطريق. وهي اي الرغبة من بإمكانها أن تزعزع النظام العام وآليات القمع في الوقت الّذي قد ينتج عنا قمع من نوعٍ آخر، وفي كل الأحوال لا ينفع الكلام عن رغبات قبيحة أو جميلة، شريرة أو خيّرة، بل انّ ما يمكن القيام به هو الكلام عن الرغبة التي تنسكب في كل شي والتي تستوطن كل مكانٍ في وقتٍ لا تملكُ فيه مكانًا محددًا؛ انها تعمُّ بشكلٍ محايثٍ الأفراد والمؤسسات والإواليات الاقتصادية برمتها. ومن هذه النقطة ندخل الى بحث الصلة بين الدولةِ (والسلطة بشكل عام) والرغبة.
بالنسبة الى دولوز (وغاتاري) تنحصرُ الرغبةُ في قناةِ (مجرى) فكرِ الدولةِ عبر الخضوع الطوعي للتصوّر الأوديبي. أوديب هو خط الدفاع الّذي تستعين به الدولةُ ضد كل رغبةٍ "منفلتة"، "هاربة" أو غير مقيَّدة؛ ان الأوديب يشبه إله الكنيسة، والتحليلُ النفسي لا يشبه إلاّ هذه الأخيرة، كما أنّ المحللين النفسيين هم الكهنة الجدد الملحدين. وأوديب لا يقمع الرغبة بقدر ما يعيد بناءها بشكلٍ تشعر معه انّها بالفعل مكبوتة ومقموعة كي تشعر بالذنب، فيما هي وفي ظلّ آلة الدولة والرأسمالية يجري اختزالها الى استيهامات عائلية "تافهة" كما يجري توظيفها في التقسيم المجتمعي للعمل وتقييدها ، ويتمّ تحويلها الى آلات راغبة غير منتجة في جسدٍ عضوي مملوء هو رأس المال. وأوديب التحليل النفسي يسجن الرغبة في الذات الفردية، يذوّتًها (الهُو le ça)، ويقطع عنها سبل الإتصال. لدينا هنا جهازٌ أعلى للمراقبة يمنع تدفق الرغبة في الحقل الاجتماعي، الرغبة التي بتدفقها ستهذي ليس حول كراهية الأب وعشق الأم (أو العكس)كما يريد التحليل النفسي، وإنما حول المال والسلطة والأعراق والشعوب كما سيبرهن عليه التحليل الفصامي(schizoanalyse)، وبذلك ينظر دولوز الى الرغبة بوصفها "وتداً agencement اجتماعيًا" لتوليد الهذيات "المتكلمة" (فاشية رجعية كانت ام ثورية يوتوبية) وخلق الاوهام في المجال المجتمعي المشترك.هنالك نوعٌ من "المؤامرة" التي تحيكها الدولةُ مع التحليل النفسي لفصل المسارات: مسار اللاوعي/مسار المعمل -مسار الرغبة/مسار الثورة والتغيير الاجتماعي-إقتصاد الرغبة/إقتصاد الإنتاج، وهو فصلٌ يُعادُ رسمه يوميًا من أجل حصر الرغبة في المجال الذاتي والعائلي وحصر الانتاج في المجال الاجتماعي والاقتصادي البحت، وهو فصلٌ يعيد انتاج الاغتراب والتشيوء والصنمية.عملية الفصل هذه تمنع والحالة هذه تحوّلَ الرغبة الى سيلٍ جامحٍ دافقٍ كلّي يخترق مجال الصراع الاجتماعي ويؤسس للإختلاف وللتعددية وللإبتكار والفن والأدب، وعملية الفصل هذه تبقي على الرغبة بإعاقتها وبرسمها لها ترسيمةً تجعل من تدفقاته تدفقات جزئية صغيرة محدودة الإطار في نطاقٍ عائليّ ضيّق لا ينفتح على المجال العام بل يبقى حيّزه أريكة المحلل النفسي.
إن محاولات تحجيم تدفقات الرغبة في إطار الرأسمالية يقتضي توظيف هذه الرغبة في إطار منظومة البنية الرأسمالية كلّها بمعاونة التحليل النفسي مما يؤدي الى حالة الفُصام أو الشيزوفرينيا، إلاّ أن الدولة الرأسمالية تختلف عن ايّ نظامٍ مغلق لا يسمح بأي نوع من الهروب والفرار الرغبوي، فهي وعلى خلاف الأنظمة البربرية العسركية والدينية التي تكثرُ من الرموز والشيفرات وتؤسس لإرهاب دولاني مُطلَق ومباشر، تقوم الدولة الرأسمالية بفك شفرة او رمز تدفقات الرغبة وتُطلِقُها و"تستثمرها" على "الجسد الاجتماعي" بما لا يهدد سيرورة النظام القائم، فما يهمّ الرأس مال هو استغلال قدرات الشخص في المصنع وفي العمل وكل رغبة تهدد الانتاج الرأسمالي يتم تهميشها وإقصائها وسجنها (عبر التحليل النفسي) إمّا ضمن اطار الاسرة الضيّق، او في الاستهلاك أو في البغاء مثلاً. وهذا ما يولّد حالة الفصام وما يصنع ذلك النموذج من الشخص الهارب الّذي يهدد النظام القائم والنسق المهيمن بتملّكه "شهية" جامحة بالتمرّد إمّا بإسم الرغبة (في الحلم والفن والحب) أو بإسم الثورة. وحتّى اللحظة استطاعات الدولة – الرأسمالية – ترويض كل تهديدٍ من هذا النوع بإعادة تحريف مساراه وكبح جماحه عِبرَ وسائل الاعلام مثلاً وعبر آليات صناعة الحاجات الجديدة والتسويق marketing أو عبر "اللعبة" الديموقراطية والقوانين التي يُنظَرَ إليها بإعتبارها تخدم مصالحة الكلّ. إلاّ انّه وفي الآن عينه "تحفر الرأسمالية قبرَها" على حد قول ماركس وهو قول يتبناه دولوز وغاتاري حيث يلاحظان ان الرأسمالية بدأت تفقد قوّتها بفقدانها حيّزها المكاني وآليات إخضاعها ووسائل تنظيراتها وبدأت تعلو الأصوات المعارضة للرأسمالية كنمط حياةٍ أخير.
الخلاصة
لا يسود فكرُ الدولة ويهيمِن من خلال عقدٍ إجتماعيّ مُفتَرَض أو فقط من خلال خطابٍ عقلانيّ وأخلاقيّ، بل عبرَ الرغبةِ البشرية بالدرجة الأولى. وبالتالي فإن آلية مقاومة الدولة لا يمرّ إلاّ عبر صيرورة الرغبة كفعلٍ متمردٍّ ثوريّ، والثورةُ هنا ليست بمعناها الكلاسيكي حدثًا جماهيريًا يروم إجتثاث دولةٍ وسلطةٍ ليقيم مكانها دولةٍ وسلطةٍ من شكلٍ آخر كما حصل حتّى اللحظة في كل التجارب الثورية في التاريخ وبالاخص تلك التي لطالما نادت بإسقاط الدولة (الاشتراكية الماركسية والأناركية). إنّها "آلة الحرب" التي بإمكانها تجاوز فكرَ الدولةِ ولن تكون سوى ثورة –هي أقرب الى الانتفاضة - إبتكار وقلب شيفرات ورموز الفكر المهيمن، وهي ثورة في الفرار من آليات المراقبة عبر الترحال والإحتفالية الرغبوية الحرّة وتأكيد الذات الفردية الرافضة للهويات القسرية. وهي ثورة لا تستوجب وجود أغلبية تقوم بها بل تبدأ على المستوى الذرّي في المصانع والمدارس والسجون، بين الاقليات وفي العائلة، وهي متى نجحت على المستوى الذرّي تنقل انتصاراتها الى المستوى الأكبر. وهي لا تتوجّه بأسلحتها الى الدولةِ فحسب بل الى كل البناء الاجتماعي القائم.

المراجع
1- Pensée du politique et résistance chez Gilles Deleuze,Pierre Montebello. http://www.academia.edu/1401389/Pensee_du_politique_et_resistance_chez_Gilles_Deleuze
2- Political Normativity and Poststructuralism: The Case of Gilles Deleuze- Paul Patton
http://www.uu.nl/SiteCollectionDocuments/GW/GW_Centre_Humanities/political-normativity-deleuze.pdf
3- جيل دولوز، سياسات الرغبة، تحرير د.أحمد عبد الحليم عطية، دار الفارابي،بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2011.
4- Saul Newman War on the State: Stirner and Deleuze’s Anarchism.
http://theanarchistlibrary.org/library/saul-newman-war-on-the-state-stirner-and-deleuze-s-anarchism








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما هي أنواع الهجمات السيبرانية التي تطال الشركات والمؤسسات ا


.. فلسطين وإسرائيل: الجيش الإسرائيلي: برج الجلاء كان يضم مصالح


.. قناة السويس..مشروع تطوير الجزء الجنوبي للمجرى الملاحي| #من_ا




.. إلغاء 40 رحلة طيران من أوروبا إلى إسرائيل


.. مواجهات في شوارع بيت لحم