الحوار المتمدن - موبايل


اللغة، المجتمع، علم الاجتماع

خالد كاظم أبو دوح

2012 / 11 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


المقدمة :
يري "تشومسكي" أن اللغة واحدة من الخصائص التي تقتصر على النوع الإنساني في مكوناتها الأساسية، فهي جزء من الإعداد الإحيائي المشترك الذي لا يختلف فيه أعضاء النوع الإنساني، إلا من أصيب بعيب عضوي شديد. ويضيف أن اللغة تدخل بطريقة جوهرية في الفكر والفعل والعلاقات الاجتماعية.
ولهذا فإن البحث في قضية اللغة، مهما كان منهجه وغاياته، يحيلنا مباشرة إلى علاقة الإنسان "الفاعل الاجتماعي" بالظاهرة اللغوية، وإلى إثارة العديد من التساؤلات حول استمرارية وديمومة علاقة الإنسان باللغة منذ بدايته، والتفكير في هذا الأمر، على تنوعه وجاذبيته، تكتنفه كوابح ومضايقات نظرية ومنهجية؛ أولها التفكير في اللغة وباللغة في الوقت نفسه؛ أو بعبارة أخرى اعتبار اللغة مادة للفكر وموضوعاً له.
يضاف لذلك أن اللغة ذات سلطة تصورية، تمارس تأثيرها في متكلمها؛ إذ بسبب كونها نظاماً رمزياً لا شعورياً تفرض على أفرادها نظم ترميز معينة تكون بمنزلة أسس ومرجعيات ثقافية للتفكير. فحسب "إدوارد سابير": "الناس لا يعيشون في العالم الموضوعي فحسب، ولا في عالم الممارسة الاجتماعية كما يفهم في العادة، بل هم واقعون تحت رحمة اللغة التي أصبحت وسطاً للتعبير في المجتمع الذي يعيشون فيه، وإنه من الوهم كلياً، التخيل بأن أحداً يتلاءم مع الواقع من غير استناد إلى اللغة، وأن اللغة مجرد وسيلة عارضة لحل مشكلات التوصيل والتأمل، فواقع الأمر يكمن في أن العالم الواقعي مبني إلى أقصي مدي بناءً لا شعورياً على العادات اللغوية للجماعة".
أحاول من خلال الفقرات السابقة أن أؤكد لكم أن الموضوعات والمفاهيم والقضايا التي سوف أتناولها وأطرحها عليكم في هذه المحاضرة عن اللغة وعلاقتها بالمجتمع على خلفية تراث علم الاجتماع، أنها تتصف بأنها موضوعات متداخلة ومعقدة، وهي كذلك فضفاضة وواسعة جداً.

أولاً : ما اللغة ؟ مقاربة سوسيولوجية :
يشير مصطلح اللغة إلى نظام التواصل اللفظي الفريد، الذي يستخدمه البشر، ويتسم بأنه نظام ذو درجة عالية من التخصص والتطور المستقل، كما يتسم بأسلوب معقد في استخدام الرمز. وبمفهوم أوسع تعد اللغة أي اتصال لفظي أو غير لفظي يتم بين بشر أو حيوانات أو حتى آلات.
والحقيقة أن قدرة الجنس البشري على تكوين جمل من كلمات عشوائية في الأساس، والتي تتكون بدورها من أصوات لا معني لأي منها منفرداً، ينظر إليها أحياناً باعتبارها أكثر الصفات التي تميز البشر عن غيرهم من الكائنات. وكل المجتمعات لها لغات تسمح للبشر أن يعبروا عن أفكارهم على نفس المستوي من التعقيد. فليس هناك ما يطلق عليه لغة " بدائية "، على الرغم من أن المجتمعات قد تحتاج إلى استعارة كلمات جديدة أو ابتكارها، من أجل التعبير عن مفاهيم جديدة.
وأعتقد من ناحية أخرى، أن " المعني " و " نقل " المعني أمران أساسيان لتعريف ما اللغة. ومن شأن هذه النظرة أن تعتبر الذات لديها أفكار، وأنها بدورها تعبر عن هذه الأفكار من خلال اللغة في صورة الكلام. وإذا نظر إلى لغات معينة بهذه النظرة فالراجح أن يتم إنتاج هذه اللغات المعنية بواسطة ثقافات معنية، ولكن ليس من الضروري أن تتحكم في الأفكار الاعتبارات الثقافية، ووفقاً لهذا التصور يكون المعني بالأساس مسألة تتصل بمقاصد المتكلم وأهدافه.
وتناوئ هذه النظرة وتختلف حولها مجموعة من وجهات النظر الأخرى، والتي منها مثلاً، الاتجاهات الفكرية المرتبطة بنزعة ما بعد الحداثة، وبالنزعة البنيوية، ونزعة ما بعد البنيوية، واللغة في رأي هذه الاتجاهات تنتج المعني، والسبب في ذلك أنه لولا وجود اللغة ما وجد هؤلاء " المتكلمون "، وما وجدت هذه "المقاصد"، كما أن المتكلمين يمثلون جزءاً من أجزاء اللغة، ومن ثم فلا يعتبرون سابقين عليها في الوجود. والتساؤل المطروح عليكم: أيهما أسبق في الوجود اللغة أم المتكلم ؟؟.
أنا مع الرأي الذي يشير إلى أن المعني مسألة تتعلق بحضور المتكلمين، وأن الكتابة تأتي في المقام الثاني بعد الكلام الحي داخل النظام التدرجي للمعني: فالمتكلمون ينتجون بكلامهم المعاني، ولكنهم يحتاجون للكتابة ليحفظوا الحضور الحي لهذه المعاني حتى يستمر باقياً في حالة غيابهم، وبالمثل فإن وجهة النظر التي تري أن الذاتية هي مصدر المعني تفترض مسبقاً أن للذات وجوداً معيناً قبل وجود المعني (أي أن هذه الذات، وبمقتضي تكوينها، لها كفاءة تستطيع بها توليد المعني).
وبصدد اكتساب اللغة يطرح "تشومسكي" رأياً مقنعاً، خلال سلسلة من أعماله المنشورة، مؤداه أن الطفل يجب أن يولد مزوداً بالقدرات اللغوية فطرياً، أي معرفة فطرية بأبنية اللغة. ويكمل "تشومسكي" رأيه موضحاً أنه ليس من الممكن للأطفال الصغار أن يستدلوا أو يستنتجوا من اللغة – التي يتعرضون لها في السنوات الأولي من حياتهم في شكلها السطحي – القواعد الكامنة أو التركيب العميق للغة، وهو البناء الذي يعد ضرورياً لتمكينهم من استخدام اللغة على نحو صحيح.
ويري البعض الآخر أن مجرد الذكاء الطبيعي للطفل هو الذي يمكنه من تعلم القواعد والاستثناءات التي تشكل كل أنظمة اللغة والتي تكون في الغالب بالغة التعقيد. فالأطفال الصغار من ذوي الآباء والأمهات ذوي الاحتكاك الثقافي العالمي غالباً ما نجد لديهم القدرة على تعلم أكثر من نظام لغوي واحد. والسؤال المطروح عليكم: إلي أي مدي تؤثر هذه الازدواجية اللغوية علي هؤلاء الأطفال ذهنياً أو فكرياً ؟.
وبالإضافة لما سبق يجب أن نسلم نحن بأن اللغة هي في الأصل مجموعة من العناصر؛ وتتمثل هذه العناصر اللغوية في الأصوات، والكلمات والقواعد النحوية ...الخ.
ولقد اهتم علماء اللغة بهذه العناصر اللغوية ودراستها وفهمها، ومن ناحية أخرى حاول علماء الاجتماع فهم الدور الذي تلعبه هذه العناصر في بناء المجتمعات، وتحقيق العيش المشترك بين الأفراد.
وتأسس على ذلك ربط اللغة بمفاهيم مثل " الهوية " و "القوة " والطبقة والمكانة، وسوف أحاول خلال هذه المحاضرة عرض وتحليل العلاقات القائمة بين العناصر اللغوية من ناحية وبعض مفاهيم علم الاجتماع مثل القوة والهوية من ناحية ثانية. وهذه محاولة ليست سهلة !!!.
ثانياً : اللغة والمجتمع :
الكلام أو الموت هو تعبير كاشف في فهم جدلية العلاقة بين اللغة والوجود الإنساني. إما حوار تحت مظلة نظام الكلام الرمزي، واعتراف متبادل بين ذاتيين، وإلا فهو العنف الذي يتكاثر راهناً على مدي ساحة مجتمعنا ومجتمعات أخرى، وما يجره من تنكر لإنسانية الآخر وصولاً إلى هدره وقهره واستغلاله. إن قانون الكلام، هو المؤسس للكلام، والملزم للطرفين والمؤسس للعلاقات والتبادلات بينهما، أو هو النظام الرمزي. إنه قانون سابق على الوعي الفردي، والقوانين الوضعية التي يسنها البشر، اللغة أو الكلام هي التي تجعل المجتمع الإنساني ممكنا.
ويرصد التراث العلمي العديد من العلاقات الممكنة بين اللغة والمجتمع وذلك على النحو التالي :
1- تؤثر البنية الاجتماعية على البنية اللغوية. ويتم دعم هذه العلاقة من خلال الاختلاف في أسلوب اللغة وبنيتها باختلاف المراحل العمرية التي يمر بها الفاعل الاجتماعي، وأن أساليب اللغة التي يلجأ إليها المتحدثون تعكس مسائل تتصل بالأصل الاجتماعي أو الإقليمي، أو العرقي وحتى النوع، وفي هذا السياق هناك العديد من الدراسات التي توضح أن طرق معنية من التحدث، واختيار الكلمات، وقواعد الحوار وغير ذلك يتم تحديدها بشكل كبير من خلال مقتضيات اجتماعية معنية.
2- هناك علاقة أخرى ممكنة بين اللغة والمجتمع، وتتناقض بشكل مباشر مع العلاقة السابقة، فاللغة يمكن أن تؤثر في البنية الاجتماعية، فاللغات وليس متحدثوا هذه اللغات يمكن أن تكون ذات تأثير وتمنح المتحدث العديد من صور التمييز. تأمل وضع اللغة الأجنبية في دول العالم الثالث فيما بعد الاستعمار، وهي الإنجليزية في حالة مصر، هي لغة المعرفة والقوة. وتأمل أيضاً إشكالية فرق القوة بين مختلف أنواع رأس المال اللغوي في مصر، ودور المؤسسات التعليمية في تثبيت قيمة أعلي للقدرة على التحدث باللغات الأجنبية في مصر. فاللغات الأجنبية هي رأس مال نادر بين جموع الخريجين. فهي رأس مال يصعب الحصول عليه بالنسبة لأغلبية الخريجين الذين تخرجوا من مدارس " عادية ".
3- هناك علاقة تأثير وتأثر متبادل بين اللغة والمجتمع، فكلاً منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، وهناك تفاعل وتداخل قد يصل حد التطابق بين سلوك الكلام والممارسة الاجتماعية.
4- ويمكن أيضاً نفترض غياب أية علاقة بين اللغة والمجتمع، وأن كل منهما يمثل ظاهرة مستقلة عن الأخرى.
ولعل مثل هذا الاختلاف الواضح في تحديد طبيعة ومسارات العلاقات الممكنة بين اللغة والمجتمع، يتطلب الاعتراف بأن هناك نقص في معرفتنا المتصلة بكل من اللغة والمجتمع. ولهذا تزداد اليوم أهمية اللغويات الاجتماعية Sociolinguistics ، وعلم اجتماع اللغة، وهما من فروع المعرفة التي تحاول إيجاد الارتباطات الممكنة والقائمة بين اللغة والمجتمع وما يعتريها من تغيرات وتبدلات.
والتعريف الضيق لعلم اللغويات الاجتماعية أنه دراسة كيف ينقل كلام الشخص معلومات اجتماعية. أو دراسة الاستخدامات الاجتماعية للغة، وبهذا التعريف الضيق تدرس اللغويات الاجتماعية كيفية ارتباط المتغيرات اللغوية بالمتغيرات الاجتماعية الاقتصادية، أما التعريف الأوسع فيشير إلى أن هذا الميدان يتضمن نظريات التفاعل الاجتماعي التي تفسر كيفية تأسيس الواقع الاجتماعي ونقله إلى الآخرين من خلال هذه الممارسة الاتصالية.
وعلى الرغم من محاولات البعض التمييز بين علم اللغويات الاجتماعية وعلم اجتماع اللغة، على أساس أن علم اللغويات الاجتماعي هو دراسة اللغة بالنسبة للمجتمع، بينما علم اجتماع اللغة يكون دراسة المجتمع من خلال اللغة المتداولة بين أفراده، إلا أنني أعتقد في عدم وجود خط فاصل بين كلاهما، ولن يتحقق تقدم ملموس في الدراسة العلمية للغة إلا من خلال تكاملهما وتساندهما بشكل واضح وصريح سواء على مستوي النظرية أو المنهج.
ثالثاً : اللغة وروابط الهيمنة عند ابن خلدون :
أفترض هنا، أن فيما أنتجه ابن خلدون حول اللغة يمكن أن يساعد على فهم المسألة اللغوية، راهناً، في علاقتها بروابط القوة.
اللغة عند " ابن خلدون " ترتبط بالهيمنة، وكذلك بشروط اجتماعية وجغرافية وتاريخية، ويبدو البعد الاجتماعي، أو السوسيوسياسي، فيما أنجزه من ربط محير بين اللغة والهيمنة، تتحدد فيه اللغة بروابط القوة؛ فاللغة ليست قوية في حد ذاتها، بل الهيمنة تعليها أو تدنيها. إنها أداة بيد السلطة لتشريع هيمنتها وفرض قوتها.
في نص من نصوص المقدمة كتب ابن خلدون فصلاً محيراً سماه "في لغات أهل الأمصار"، يربط فيه اللغة بروابط القوة؛ فاللغة المهيمنة التي تحتكر القول، وتفرض شرعيتها، هي لغة المجتمع المهيمن بدينه: " اعلم أن لغات أهل الأمصار إنما تكون بلسان الأمة، أو الجيل الغالبين عليها أو المختطين لها ". ولأن الهيمنة كانت لصالح الدولة الإسلامية على عهد عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" فقد كانت العربية هي اللغة الشرعية التي وجب استعمالها وهجر ما عداها من اللغات الأعجمية، لأنها مكر وخديعة، كما يقرر "عمر بن الخطاب"، ولكن اللغة العربية كذلك فقدت شرعيتها الاحتكارية وكادت تذهب لما تغيرت روابط القوة. "ولما تملك العجم ... وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع الممالك الإسلامية فسد اللسان العربي لذلك، لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسنة ".
يخضع "ابن خلدون" اللغة إذاً لروابط الهيمنة، فاللغة المهيمنة هي لغة الدولة المهيمنة، تقوي بقوتها وتضعف بضعفها، فحينما كانت روابط القوة لفائدة الدولة الإسلامية وصار استعمال اللسان العربي من شعائر الإسلام وطاعة العرب، أُسندت شرعية احتكار السلطة لصالح اللغة العربية ونُهي عن غيرها من اللغات الأجنبية أو الأعجمية لما فيها من " رطانة ومكر ". أما حينما أُخضعت الدول الإسلامية وسقط سلطانها وفقدته، "فسدت اللغة العربية على الإطلاق". معني هذا أن "ابن خلدون" لا يدرس اللغة كموضوع مستقل بذاته، بل يربطها بشروط استعمالها وعلاقات القوة التي تحكمها، فاللغة الحقة، هي لغة الأيديولوجيا المهيمنة. إنها خلق الدولة المهيمنة لبسط نفوذها وتشريعه بخطاب واحد ينسف ما عاداه. هكذا تحولت اللغة العربية زمن "عمر بن الخطاب" إلى لغة "إمبيريالية"، احتكارياً، تسطو على لغة الآخر الأعجمي، فتنفيها وتقتلها. وها هي اليوم كما كانت على عهد المغول والتتار، تعاني أزمة حقيقية، تحت سطوة إرادة المهيمن واستبعاد الوسائط التقنية الحديثة للاتصال لها، حتى قيل إن المجتمعات العربية لا لغة لها اليوم.
ولقد كانت الفرنسية في القرون الوسطي تمثل لغة النبل والوجاهة الاجتماعية لدي الناطقين باللغة الإنجليزية، أما اليوم فتعيش غبناً حقيقياً بفعل هيمنة اللغة والثقافة الأمريكية عليها. لغة الآخر المغلوب، عادة، كما يقرر ابن خلدون لغة ميتة، لغة متوحشة. هذا السطو على لغة الآخر باسم اللغة عينها، يمثل عند "رولاند بارت" Roland Barthes المنطلق لكل أنماط القتل الشرعي.
تندرج المسألة اللغوية عند ابن خلدون في سياق اهتمامه بالعمران البشري والتفكير الاجتماعي، فعلاقتها بالمجتمع وثيقة تتغير بتغيره وتفسد بفساد اللسان الأول والابتعاد عنه بالمخالطة، فتصير ممتزجة. إنه مثلاً، لا يقف عند النحو، إلا من خلال ربطه بالواقع ويراه نابعاً منه أصلاً، ولا يدرس اللغة في ذاتها ولذاتها، لأنها شديدة الصلة بالممارسة والاستخدام، أي بالواقعة الاجتماعية في وحدتها وكليتها، فاللغة عنده ملكة في اللسان يتم تحصيلها بممارسة فعل الكلام ومعاودته، حتى تترسخ منوالاً، يرتسم في المخيال بعد طول معاشرة وحفظ لكلام العرب، فتصبح صفة راسخة في الفرد، ينسج عليها ويعيد إنتاجها من جديد، فالممارسة هي التي تبني المنوال، هذا المنوال بمثابة "هابتوس اللغة".
قضية للنقاش :
" أفليس في هذا بعض مما ذهب إليه " سوسير " حين رأي في اللغة نتاجاً اجتماعياً لملكة الكلام تتبناها المجموعة، فتمكن الفرد من ممارسة هذه الملكة ".
وعلى الرغم من تنزيل "سوسير" للغة منزلتها الاجتماعية، إلا أنه يستبعد مقاربتها سوسيولوجياً في سياق حديثه عن علاقة اللسانيات، موضوعاً ووظيفة، بالعلوم الأخرى المرتبطة بها.
أما عند "ابن خلدون"، فاللغة نتاج الاجتماع الإنساني، وتكون بلسان الأمة الغالبة، فيفسرها اجتماعياً، إنها ظاهرة اجتماعية تاريخية تتطور بالاستعمال، وتختلف باختلاف المجتمعات، تتجدد في كل لحظة بالممارسة والتواتر من جيل إلى جيل، فيتعلمها العجم والأطفال، اللغة ملكة تكتسب بالتنشئة الاجتماعية، وضمن سيرورة من التعلم والتكرار، ومتى استقرت في الفرد ورسخت، تصبح كأنها طبيعية فيه، وهي ليست كذلك، فظاهر اللغة فطرة وطبع، وباطنها تربية اجتماعية وسيرورة من التكيف مع لغة المجتمع ومنواله في التعبير والبيان.
الخلاصة هنا أن "ابن خلدون" تعامل مع المسألة اللغوية ليجعل منها "ظاهرة اجتماعية كلية" على حد تعبير "مارسيل موسي" مرتبطة بسياقية الاستعمال وبعلاقات القوة وروابط الهيمنة.
رابعاً : بيير بورديو ... اللغة باعتبارها رأسمال :
يذهب "بورديو" إلى أن المنطوقات والعبارات اللغوية هي أشكال من الممارسة، وبوصفها كذلك يجب فهمها على أنها نتاج العلاقة بين المظهر اللغوي والسوق اللغوية. فالمظهر اللغوي هو مجموعة من العناصر المكونة للأسلوب اللغوي، مثال عمليات تعلم اللغة في سياقات معنية كالأسرة والمدرسة. وأن الأسلوب اللغوي مغروس في الجسد ذاته كالصوت مثلاً أو ما يسميه بأسلوب التلفظ. ويرتبط هذا الأخير بالطبقات والفئات الاجتماعية، فالنطق عند الفئات الشعبية يختلف عنه عند الفئات الأرستقراطية أو الثرية، وكذلك الحال بالنسبة لسكان الريف والمدينة.
إن الملفوظات والعبارات اللسانية يتم إنتاجها دائماً في سياقات وأسواق خاصة. وأن هذه الأسواق تعطي لهذه المنتوجات اللغوية قيمة، وهذه القيمة تخضع بالطبع لمبدأ الكفاءة العملية، وهو مبدأ غير متساو يخضع لعملية رأس المال اللغوي، وهناك إمكانية تحويل رأسمال اللغوي إلى رأسمال اقتصادي أو ثقافي، وإنه كلما كان رأسمال المتحدث مهما، كلما كان هذا الأخير –المتحدث- له القدرة على استغلاله لصالحه وتحقيق منافع من الاستثمار فيه.
يطرح "بورديو" في سياق تحليله السوسيولوجي للغة مفهوم "السوق اللغوية"، فالنحو لا يحدد المعني بقدر ما يحدده السوق اللغوي، وتوجد السوق اللغوية عندما ينتج شخص ما خطاباً موجهاً لمتلقين قادرين على تقييمه وتقديره وفهمه ومنحه سعراً معيناً، والسوق اللغوية شئ ملموس جداً ومجرد جداً في آن واحد، فمن الناحية الواقعية تعتبر السوق وضعية اجتماعية رسمية، إنها بمثابة مجموعة من المتحاورين الذي يشغلون مناصب عليا.
ويتصل مفهوم السوق اللغوية بمفهوم رأس المال اللغوي، الذي يعبر عن الكفاءة اللغوية، وهو ما يعني أن الفرد يمتلك من المهارات والمعارف اللغوية، ما يمكنه من تحقيق التميز.
ولكن إذا كانت اللغة تخضع للسوق اللغوية، ويحكمها رأس المال اللغوي يوصفه رأسمالاً رمزياً، فإن مشكلة الأسلوب، هي دليل على حضور الفرد وتميزه، وتبقي مطروحة، وتؤكد على أن ما يتحرك في السوق اللغوية ليس اللغة ولكن خطابات متميزة أسلوبياً، سواء في طريقة إنتاجها ومكانة منتجها أو مستقبلها. فليس هناك من سمة محايدة، وقد تأخذ الكلمة معاني متعارضة أو متضادة أو متناقضة.
ولقد أكد "بورديو" على احترامه لاستقلالية اللغة ومنطقها الخاص وقواعدها الذاتية في العمل.
يقول "بورديو": " فليست سلطة الكلام إلا السلطة الموكولة لمن فوض إليه أمر التكلم والنطق بلسان جهة معينة. والذي لا تكون كلماته ( أي محتوي خطابه وطريقة تكلمه في ذات الوقت ) على أكثر تقدير، إلا شهادة من بين شهادات أخرى على ضمان التفويض الذي وكل للمتكلم، وأن أقصي ما تفعله اللغة هو أنها تمثل هذه السلطة وترمز إليها. فليس هناك سلطة الخطاب هناك فقط خطاب السلطة." وعلى هذا فإن تحليل الخطاب عند "بورديو" لا يمكن أن يكون تحليلاً لذاته، أي لذات الخطاب، وأن الوحدات الصورية للخطاب لا تقدم معناها إلا إذا تم ربطها بالشروط الاجتماعية لإنتاجها، بمعني للمكانة والوضع الذي يحتله مؤلفوها في حقل الإنتاج، ومن جهة أخرى إلى السوق الذي أنتج من أجلها.
فعلي سبيل المثال أن خطاباً سلطوياً كدرس الأستاذ وخطبة الواعظ الديني، أنه خطاباً لا يفعل فعله إلا بشريطة أن يُعترف به كخطاب نفوذ وسلطة. وهذا الاعتراف الذي قد يقترن بالفهم أو بدونه لا يتم بيسر وسهولة إلا ضمن شروط خاصة، وهي الشروط التي تحدد الاستعمال المشروع. فالخطاب ينبغي أن يصدر عن الشخص الذي سمح له بأن يلقيه، أي عن هذا الذي عرف، واعترف له، بأنه أهل لإنتاج فئة معينة من الخطابات، وأنه كفء وجدير بذلك. كما أنه ينبغي أن يلقي في مقام مشروع، أي أمام متلقي شرعي، وأخيراً ينبغي للخطاب أن يتخذ الصورة الشرعية القانونية، أي أن يخضع لقواعد النحو والصرف.
من هذا كله تكون الخلاصة أنه: لا تتمكن لغة السلطة من فرض سطوتها وسلطتها إلا بمساعدة من تحكمهم، أي بفضل مساهمة الآليات الاجتماعية القادرة على تحقيق ذلك التواطؤ الذي يقوم على الجهالة، والذي هو مصدر كل سلطة.

الـمـراجــع
1- جوردون مارشال، موسوعة علم الاجتماع، ترجمة د. محمد الجوهري وآخرين، المجلد الثالث، المجلس الأعلي للثقافة، القاهرة، 2001م.
2- شارلوت سيمور، موسوعة علم الإنسان، ترجمة مجموعة من الأساتذة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998م.
3- تشومسكي، آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ترجمة عدنان حسن، دار الحوار، سورية، 2009م.
4- تشومسكي، اللغة ومشكلات المعرفة، ترجمة حمزة المزيني، دار توبقال، الدار البيضاء، 1990م.
5- جون جوزيف، اللغة والهوية، ترجمة عبد النور خراقي، عالم المعرفة، العدد 342، 2007م.
6- محمد همام، محددات اللغة والفكر في الثقافة العربية، عالم الفكر، المجلد 32، العدد 2، ديسمبر 2003م.
7- مصطفي صفوان، الكلام أو الموت، ترجمة مصطفي حجازي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008م.
8- Ronald Wardhangh, An Introduction to Sociolinguistics, Blac Well Publishing, 2006.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما موقف المغرب مما يحدث في القدس وغزة؟


.. محادثات فيينا بين التفاؤل والتشاؤم.. روسيا تؤكد عدم استحالة


.. تصعيد غير مسبوق بين غزة وإسرائيل.. ومساعٍ مصرية للتهدئة | #غ




.. القبة الحديدية.. اختبار جديد مع صواريخ ومسيّرات غزة | #غرفة_


.. جريمة جديدة في موقع فض اعتصام القيادة العامة في السودان..وحم