الحوار المتمدن - موبايل


جمالية الإضحاك في العرض الكوميدي

هاني أبو الحسن سلام

2013 / 1 / 27
التربية والتعليم والبحث العلمي


جمالية الإضحاك في العرض الكوميدي
د. هاني أبو الحسن
تتجدد حاجة الإنسان إلى التخلص من بعض مظاهر فعله وسيكلوجية أدائه مع كل حالة أو تجربة أو احتكاك اكسبه بعض الخبرة . ومن أهم وسائل التخلص كان التطهر وكان السعي نحو التغير . وللتطهير نظرية معلومة عرفتها نظرية أرسطو وقامت عليها نظريته للمحاكاة. كما تضمنت في ثناياها مسألة التغيير ؛ حيث رأى هدف المحاكاة متحققا من خلال التراجيدية (المأساوية) عن طريق التطهير ؛ ورأه متحققا بوساطة الكوميديا ( الملهاة) عن طريق التغيير من حالة التدني والابتذال في الفعل وفي القول إلى الاعتدال وسمو السلوك في الظاهر والباطن .. فكثيرا ما تعد عملية التطهير بالضحك في ذاتها مظهرا من مظاهر التجمل وأحياناا ما يعد الضحك صورة من صور التعالي على الغير والإقلال من شأن الآخر ؛ فخرا بالنفس . يقول الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز إن الضحك من الغير ناتج عن " الشعور بالتفوق من الضحك ، كأنه يشعر بعظمته أمام حقارة ما يضحك منه " وقد كان كل من ( بعضشي وزربيح وسليط ، وصدفة) يشعر بعظمته في مقابل شعوره بان ( البك: كمال الطاروطي) الذي قذف به حظه في حارتهم الشعبية أقل من أي شخص منهم ، ولذا كان الهزء والسخرية به ، وإظهار التعالي عليه ، بسرقة صدفة لساعته الخاصة ، وسرقة ( زربيح وسليط ) لأجزاء سيارته التي تركها سائقه خارج الحارة ، لصعوبة دخولها ، وإشعاره بذلك.
إن مجرد إلقاء نظرة مقارنة على شخصيات المشهد الافتتاحي من عرض مسرحية ( سيدتي الجميلة) يؤكد ما قاله الفيلسوف "كانت" ( 1781) " إن السبب في الضحك هو في كل حالة ، ينشأ ببساطة من الإحساس المفاجئ بعدم الملاء مة بين مفهوم ما والأشياء الحقيقية التي ترتبط بهذا المفهوم في العقل، فكل ألوان الضحك إذن تحدث عن مفارقة ما تقع بسبب مشابهة غير متوقعة ، سواء عبر عن ذلك في كلمات أو أحداث ." ولا نجد ملاءمة بين مفهوم الأمان الذي جاء (كمال بك الطاروطي) من أجله في تلك الحارة ، خوفا من بطش الخديو ، وإنما قوبل بنقيضه ، حيث التهديد الذي وقع عليه ممن لاذ بحارتهم. وهكذا تأسس الموقف الكوميدي على مفارقة بين حالة البحث عن الأمان واصطدامها بحالة التهديد ، وهي المناقضة لها ومن ناحية الشكل ، فلا ملاء مة بين هيئة البك كمال الطاروطي ، في زيه الأوروبي ، ونظارته ( المونوكل) وعصاه ، ومشيته الأرستقراطية المتبخترة ، في (زقاق شعبي) بين نكرات في ملابس رثة وهيئة مزرية ، وتحركات ملتوية ومشبوهة ، وألفاظ بذيئة وخشونة طباع وسلوكيات فجة. وهذا أمر لابد من وقوعه ، لعدم التوافق أو التماثل بين (البك كمال وصديقه حسن بك) ومجموعة الحارة بقيادة " بعضشي" يقول الفيلسوف الاسكتلندي "بياتي" ( 1776 ) : " إن الضحك ينشأ من رؤية طرفين أو ظرفين أو أكثر) متنافرين أو غير متلائمين، أو متضاربين ، يعتقد أنهما متحدان في تركيب أو موضوع واحد " وهذا هو ما كان يعتقده ( حسن بك ؛ صديق كمال بك الطاروطي) حيث أتي به إلى تلك الحارة الشعبية ، مسترشدا بالسائق ( عصعص) مؤجرا لمسكن يتخفى فيه ( كمال بك) المهدد من رجال "الخديو" ، فكمال بك يبحث عن الأمان ، وحسن بك يعتقد أن الأمان متوفر في تلك الحارة ، وبين أولئك الناس ، غير أن المفارقة ، في حدوث ما لم يتوقعه أحد لا " كمال بك ولا حسن بك ولا عصعص سائقه ". وتلك المفارقة هي التي تفجر الضحك.. فالتماثل بين مطلب (البك كمال والبك حسن) ، وتوقعاتهما لم يتحقق مع طبيعة أهل الحارة.
إن ضحكنا بصفتنا جمهور ذلك العرض ، مصدره شعورنا بالتفوق على شخصيات ذلك العرض الكوميدي ، وفي ذلك تأكيد لتحليل فرويد للشخصية الكوميدية حيث يقول: "إن الشخص الذي يبدو كوميديا لنا بالمقارنة مع أنفسنا هو الذي يخصص اتفاقا كبيرا على وظائفه الجسدية والقليل جدا لتلك العقلية . والشيء الذي لا ينكر أنه في كلا الحالين فإن ضحكنا يعبر عن الإحساس البهيج لتفوقنا بالمقارنة إليه."
كذلك تضحكنا إشارات زربيح( الممثل : السيد زيان) وهو ينفخ في وجه ( كمال بك الطاروطي) بكمية من الرزاز الذي يخرج مع لفظ حرف"الشين" في كلمة"شوية"من جملة: ( إحنا شوية عيال !) ومع تناثر الرزاز من حنك السيد زيان الكبير في وجه ( فؤاد المهندس : ممثل دور كمال بك ) ينفجر الجمهور بالضحك ، بخاصة مع محاولات كمال بك مسح الرزاز من على وجهه . كذلك ينفجر الجمهور بالضحك مع اللكزات والصفعات المتكررة على الظهر التي يتلقاها "سليط" من "زربيح" فيكررها "سليط" بصفعه لظهر ( كمال بك الطاروطي) فمع هذا التكرار الآلي ؛ وتضرر ( كمال بك) تضج قاعة المتفرجين بالضحك .. وفي ذلك ما يجسد قول الفيلسوف برجسون الذي يرى أن التكرار الآلي لعبارة أو لحركة ( لازمة) أو عادة تتكرر تكرارا آليا مع شخص ما وتشكل منبعا من منابع الضحك الثلاثة التي ذكرها ( التكرار الآلي – قلب الموقف – سلسلة التناقضات) يقول : " إن المواقف والإشارات والحركات للجسد البشري تدعونا للضحك ، عندما تجعلنا نفكر في النمط الميكانيكي.. إننا نضحك عندما يذكرنا الشخص بموضوع آلي لا حياة فيه."
كذلك ، يتجسد التكرار الآلي الصوتي لعبارة " الله يخرب بيوتكم ..كم.. كم..كم" في دعوات الأستاذ "منجد " الذي يستصرخ أهل الحارة مستنجدا بمن يضع السلم الخشبي إلى حائط سطح منزل ( بعضشي) الذي يسكن فيه ، ليتمكن من الهبوط ليذهب إلى عمله الحكومي ؛ دون أن يسجيب أحد لصراخه ، خوفا من بطش " بعضشي" الذي قرر حجزه بأعلى السطح ، لعجزه عن سداد أجرة السكن؛ مما يمنعه من الذهاب إلى عمله. ويتكرر ذلك النمط الأدائي أيضا مع ( صدفة) فيما يدربها( كمال بك) – بعد ذلك عندما لجأت إليه في منزله ليعلمها أصول الإتيكيت- كيف تخاطب مولانا الخديو – وهي واقفة في حضرته " أنت القلب الكبير " فإذا بها تقلب حرف القاف في كلمة القلب الكبير إلى حرف (الكاف) لتنطق الجملة ( أنت الكلب الكبير) أو في قلب المعنى في جملة ( أنت نعمة وإحسان ) لتصبح بعد قلبها لحرف (الميم) واستبداله بحرف(الجيم)واستبدال كلمة ( إحسان ) بكلمة ( وحصان ) أو قلب الجمل بحيث يتناقض القول مع الموقف الذي دربها ( كمال بك) على مواضع قول كل منها في أثناء حفل الاستقبال بقصر الخديو ، قبلى تقديمها إلى الخديو بوصفها حرمه، التي تزوجها في أثناء غيابه عن القصر ، عندما سافر إلى اسطنبول ، على أنها ابنة ( التفكشي باشا) – حسبما رسم الخطة مع صديقه (حسن بك) لقد وظف كل من المؤلف (بهجت قمر- سمير خفاجي) والمخرج ( حسن عبد السلام) تقنية ( القلب) التي هي عنصر من العناصر الثلاث التي قال برجسون إنها تشكل منابع أساسية في تفجير الضحك.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما موقف المغرب مما يحدث في القدس وغزة؟


.. محادثات فيينا بين التفاؤل والتشاؤم.. روسيا تؤكد عدم استحالة


.. تصعيد غير مسبوق بين غزة وإسرائيل.. ومساعٍ مصرية للتهدئة | #غ




.. القبة الحديدية.. اختبار جديد مع صواريخ ومسيّرات غزة | #غرفة_


.. جريمة جديدة في موقع فض اعتصام القيادة العامة في السودان..وحم