الحوار المتمدن - موبايل


شتاء خارج التغطية

سلمى مأمون

2013 / 2 / 17
سيرة ذاتية


أحن الى الشتاء الناضج، و طقوس وصوله كعائد عزيز مُحتفى به، تشرئب له الارواح، و تزهر باحضانه اشواق النجاة من الصهد. رؤوم يمنحنا الشبع المحفز على النشاط لا التهالك و الخمول، و يحفظ ماء اجسامنا من الاستنزاف، و يمنح خطوتنا سرعة و رشاقة، و نبدو أنيقين و لثيابنا رونق و للوجوه نضارة و ايناع، شتاء يلطف لقاءاتنا و افراحنا و نستمتع فيه بالسمر و حكايات آخر الليل. فصل مقرون بمتعة الاسترخاء و بالحيوية في آن واحد، غنيّ الاوصاف كما عشته في قبل عقدين من الزمان. و ليس كما صار مؤخراً؛ بضعة (موجات) متقطعة عمرها ايام او ساعات محدودة في اول النهار او آخر الليل. لا ينالنا منها سوى التحسس من النقلات المفاجئة بين بعض البرودة المعتدلة و الحرارة و ثورات الغبار المتقطعة التي تسوقنا بين درجاته المختلة. يأت و يمضي تاركاً لي أشد حنيناً لشتاءاتي الأولى في حي بيت المال، بام درمان و ذكرياتها التي تشتعل كلما اخفق الشتاء في اداء دوره الملطّف و عبَر بدون ان يخط ذكريات جديدة تشبهها او يواسيني بأغنى منها. يأت و يمضي دون أن ازيل الغبار عن ثياب اقتنيتها لملاقاته، تظل تئن طوال الليل تطالبني بالخروج فاهدئها بوعده المعلَّق. لكنه يمر بدون دفء و وئام. هل مِن شتاء يجمعنا؟ ماذا اصابنا، حتى الطبيعة تنصّلَت منا!!!

من اكتوبر حتى مشارف مارس تُغير الريح اتجاهها من الجنوب لتهب من جهة الشمال، و تتسلل أنفاسه الباردة الجافة فتطفيء الوهج المتصاعد من الأرض. و يهبط الظلام مبكراً، بحلول الخامسة و النصف مساء ولا ينقشع الا حوالى السابعة صباحاً. تميل الشمس فيسقط الظل على الجهة الجنوبية، و تسميه امي (ضل الشاتي) فيتهيأ الجميع للشتاء، الذي تتبدى اول علامات الشتاء على خدود الاطفال، بأن تعلوها طبقة خشنة تجعلها أشبه بسطح ثمرة البطاطس. و قد كان ذلك مظهراً طريفاً و شائعاً حتى سبعينات القرن الماضي حيثما نظرت الى الأطفال، و ليس تمييزا بين الأغنى او الأفقر في المجتمع. و قد كانت الأمهات يكافحن ذلك الجفاف بالمتاح من (مسوح) الجلسرين أو الفازلين أو (الدهن) المصنّع منزلياً من غلي شحم الضأن وتلطيفه بتوليفة من العطور الزيتية فيصلح للشعر و للجسم معاً. و للمسوح الشتوي المكثف ثياب نوم و أغطية مهترئة تخصص لتلك العملية كيلا يتم افساد الملاءات و المراتب بالبقع المستعصية. و تلقائياً و في غياب شبكة صرف صحي عامة بام درمان، تتقلص بحيرات مياه الغسيل و الاستحمام التي يدلقها اهل الحي في الازقة، اذا ينكمش استهلاك المياه، كما يكف الناس عن رش (الأحواش) بخراطيم المياه و يبدأون في اخلائها. لأن البرودة تهبط تدريجياً، فينامون على مراحل من الحوش الى البرندات حتى يستقروا بالغرف بحلول نوفمبر.

و بما انه فصل بالتمام و الكمال فلابد من تدبير الحال لمواجهته؛ و هكذا تهتم الامهات بالتنقيب في قاع خزانات الملابس و الحقائب المكدسة بغرف التخزين او اسفل الأسرّة لاستعادة مدخراتها إن وجدت من الملابس الثقيلة ليتم غسلها و ترميمها استعدادا للفصل البارد. و تؤول الملابس التي ضاقت على من طالوا او زاد وزنهم الى الأصغر سناً او قد يكون ضروريا النظر في (كسوة شتاء) إن لم تفي الموجودات بالاحتياج. و عادة ما تقوم امي بحياكة ما يشبه (الارواب) لنرتديها فوق ثيابنا المدرسية، و أخرى للاصغر سناً كمنامات، مصنوعة من قماش (الكستور)، تلك الخامة القطنية الطرية التي افتقدناها منذ ذلك الزمن مع العديد من الأقمشة و المفروشات التي كانت تردنا من مصر؛ (الكريتون) للملاءت و لكسوة الكنبات و المساند و (الكوفيرتات) كأغطية، و حلت محلها اردأ منتوجات الصين من الالياف الصناعية. لم تنتشر آنذاك محال بيع الملابس الجاهزة المستوردة و لم تتوفر الكنزات الصوفية فقد كان بالعاصمة عدد من الترزية الماهرين؛ نساءً و رجالاً يفون بالغرض، و الاسواق تستورد افضل انواع الاقمشة؛ كشمير، كتان، حرير، صوف، تيل، مقوشيل، بوبلين، كما كان متوفراً بالمثل انتاج مصنع النسيج السوداني و بعض المصانع الأخرى من الاقمشة القطنية الجيدة و (التوب السوداني)، مؤسسات وطنية خسرناها بعد أن حلت بها لعنة التصفية. فإما ان يدبر الناس أمرهم مثل أمي أو يكتفوا بارتداء طبقة او طبقات اضافية من القطع العلوية. القليلين ممن لهم اهل يسافرون الى الخارج فيزودوهم بالبلوفرات أو البسة الاطفال الصوفية. لقد تلك ايام الاكتفاء ب (التفصيل) و التأثر بموضات الازياء و ليس الملابس الجاهزة المستوردة، التي فرضت اسواقنا من خلالها مؤخراً خامات و موديلات موحدة ينقصها الذوق و الملاءمة للطقس. عجباً، بينما تتمدد حرارة الطقس طول العام، يغرقنا السوق بخاماته البتروليه!!!

كانت ايامه متصلة لا تتجزأ بالحرارة الا من بعض الدفء بطلوع الشمس الى كبد السماء فيتبرم الناس من شمس الشتاء الحارة، و هم محقون في ذلك لاسيما و أن السماء تغدو مرآة مصقولة الزرقة طوال اليوم. اما لياليه فقد كان للريح أثناءها ازيز بين مفاصل الشبابيك و الابواب المغلقة، التي يكافح الناس شقوقها بحشو من ورق الصحف او مزق القماش القديم او القطن حسب الحاجة و المتاح. تتجعد الشفاه من لفح هوائه القاسي و تدمع العيون بطريق الذهاب الى المدرسة، و كثيراً ما تنفلق زوايا الفم حتى تدمى ان ضحك المرء قبل تلطيفها مسبقاً بمسوح ما. و يصبح واجب الاستحمام قاسيا بل و مرعباً خاصة في الصباح، مع انعدام اجهزة (السخّان) بالحمامات، فيهجر الناس حمام (الدش) و يغتسلون من (الجرادل) باضافة الماء الدافيء الى ماء الصنبور. و يكون محظوظا مَن لم يتأخر في الوصول الى المدرسة قبل قرع الجرس، و لم يفاجأ بأن الحصة الاولى (تسميع) و هو لم (يحفظ) بعد تلك النصوص الشعرية او الآيات القرآنية و هكذا، لأن لسعات السوط ستقع على الكفين (البنات) أو على المؤخرة (الأولاد) وقع الويل.

هكذا تركبت مكونات اللوحة في ذهني من تلاوين تلك الأيام و غذاها الحنين الى الوئام من لوذ الناس بالبيوت متحلقين حول مواقد الفحم يفتتحون لياليه الطويلة بالشاي بالحليب و ربما (الزلابيه)، و يستكملون الدفء بالشبع بالفول الحار، الذي يجب الاسراع بجلبه من الدكان قبل الثامنة مساء حتى لا ينفذ و يغلق الدكان ابوابه، و قد كان افضل فول لدى (دكان محمد خير)، الذي خلفه في الشهرة ابنه/ خالد فصار الدكان مشهوراً باسم (خالد فوله) و من ثم تصدر الشهرة (دكان آدم) و توالت موجة الافوال الشهيرة في كل الأحياء. حتى صار للفول دكاكين تظل مفتوحة حتى منتصف الليل. ايامها كان الموقد يُترك مشتعلاً بقلب الغرفة حتى الصباح في غياب اجهزة التدفئة الحديثة، خاصة خلال شهر يناير الذي يكون ذروة الفصل. و في الصباحات، حينما لا تتوفر بالمنزل (الزلابيه) للشاي فان عدداً من بيوت الأُسر الرقيقة الحال بالحيّ يبيعونها باكرا من داخل بيوتهم، و مَن مِن جيلي ينسى زلابية و طعمية (حجه الصبر) و (حجه الداجي) و غيرهن في الحي.

أين منّي تلك الايام و طقوسها التي استعيدها كالاساطير! لقد هجرَتنا الفصول الأربعة و تقلص (العَرض) في فصل يتيم يتصبب عرقاً يقطعه لفترة وجيزة هطول لامطار خفيفة محدودة العدد. أما الشتاء فقد صار يدخل اسمياً، حسب التقويم، لا نكاد نعثر له على تمييز سوى بتساقط أوراق بعض الاشجار و إزهار بعضها و ذبول البعض الآخر. انمحى فصل باكمله، فما عاد الناس بحاجة ضرورية الى الانشغال بهَمّ امتلاك كسوة دافئة ولا يلزم اشعال مواقد فحم ليلية و لا الخضوع لمسوح مكثف. فقدنا عطف الطبيعة المعطاءة بالتنوع. و قد كان لكل فصل خضرواته و ثماره و مزاجه و اكلاته و أزياؤه. لم يستبد بنا هذا النمط الواحد في كل شيء كما هو الآن. اصبحنا لا نفارق الغرف ولا نطفيء المراوح بل و اجهزة التكييف الا اياما معدودة، و قد طردَنا البعوض قسراً عن الاحواش بدون أن تتبدل اي من عادات الابتراد بالاستحمام المتكرر و ماء الثلج. و المصيبة أننا صرنا مرغمين على ارتداء ذات الملابس طول العام. كما غاب عنصر التنويع في غذائنا و إن إنحصر تطلّعنا في خضار و فاكهة الموسم، و أولها الطماطم التي تظل غالية و لا يتيسر للغالبية الشبع بطبق سلطة طماطم بالبصل و الزيت! و ما الغرابة فالموسم الشتوي (مضروب) لأن وقته يمر بدون شتاء. و السوق يفضل استيراد الخضر و الفاكهة و محاصرتنا باسعاره الجنونية. ضُربنا في مقتَل على كل الاصعدة و اللوم على المتنفذين و افعالهم.

و الآن، هل مِن شتاء لتنبسط بشرتي و تهدأ ثورة شَعري و أسهر كطائر البوم اهنأ بصفاء الموسيقى و تصفح الكتب و كل تلك الأحابيل القديمة للحفاظ على الرأس طافياً، آمناً فوق مستنقع الخراب، بدلاً من عصف مكيف الهواء خلفية لشاشات الصراع؟ هل من فسحة لطيفة لأنام بعمق، هدنة ما، و استيقظ كالسهم بدلا من هذا الارهاق و الارق المتواصلين و الرعب من صباح يأتي باستمرار خصماً على سابقه؟ لماذا تتمرد عليّ ايها الشتاء!!!

بقدرما ابتعدَت تلك العقود بقدرما تعاظم حنيني الى صورها الحبيبة. نومنا صغاراً على ضوء المصباح الكهربائي المصغّر (السهّارة) دليلاً لمن اضطرته الطبيعة للاستيقاظ في كبد الليل. تضُمنا تلك الغرفة، التي انمحت عملياً من الوجود بعد أن التهم جسدها الهرِم النمل الأبيض فانهارت، و لكنني اعايشها كأنها ماثلة امامي. اذكر تفاصيلا تدنو ثم تبتعد بمذاقات حلوة و أخرى قابضة. اتحسس ملامحها المجردة: طبقات طلاءها الذي تقشر كاشفا عن الوان مختلفة تعبر كل منها عن محاولة اعادة اعمار؛ اخضر، زهري ثم اصفر باهت، و سقفها المنخفض المطلي بالابيض و قد اصطبغ ببعض الخرائط من اثر تشربه بماء الامطار، و أثاثها البالي، و آثار طين من ضربات كُرات القدم و بعض عبارات الدروس أو الأغاني و الحفر المنتشرة فوقها من آثار القِدَم أو الحفر سأماً. رغم ان موقع سريري قد تنقّل بداخلها عدة مرات الا انني احفظ بالضبط مواقع خرابيشي الأولى بالالوان المائية الى جواره خلال احدى العطلات المدرسية. بادية امامي شبابيكها الخشبية المفككة الاضلاع المطلية باللون الأخضر و مروحتها القصيرة العمود متدلية من السقف، و الضوضاء التي لا تنقطع بداخلها. كانت لتلك الغرفة ميزة فريدة، مجهولة جعلتها اكثر غرف البيت رطوبة حتى خلال الصيف. غرفة متواضعة و لكنها مهولة اتسعت لطفولتنا جميعاً و عددنا يفوق اصابع اليد الواحدة بمراحل؛ احتوت اللعب و توابعه من مشاكسات و عراك ثم تصالح، بداخلها منضدة المذاكرة، و ظل التلفزيون بغرفة أخرى لأننا محظورون من متابعته اثناء السنة الدراسية. في بيئة لم تعترف بعد باهمية الغرف الخاصة ولا امتلكتها الا الأُسر الثرية. كنا عملياً نعيش في تلك الغرفة جميعا انا و اخواتي، ولا ينقص عددنا الا في الليل اذ يتم تقسيمنا على بقية الغرف و يتبق بها الستة الأصغر، فننام و أسرتنا متلاصقة و ضروري أن تبادل المناوشات قبل النوم فهناك دائماً مَن يقتنص الوسادة الأفضل و مَن يستبدل اللحاف أو يستولى على الغطاء الأدفأ. يجري (التمام) على طقم المدرسة لليوم التالي قبل ان نهجع و قد يطلب أحد المتكاسلين سُلفة (شُراب) نظيف أو يستعطف مَن يغسله نيابة عنه.

لا انسى تلك الصورة الأليفة التي كانت تختم بها والدتي اليوم، حينما تقوم بحملة (مسوح) الزامية لا يلغيها تذمر البعض بسبب اللسع الذي يسببه الجلسرين على البشرة المتشققة، خاصة احد اخوتي الذي كانت تتشقق كعوب قدميه بشدة خلال الشتاء، فيبكي اثناء المسوح وقد حفظنا له عبارته التي كان يرددها جزعاً في تلك الأثناء، و من وقت لآخر نكايده بها فيستشيط غضباً و نضحك. و قد يتجنب اللسع مَن يحافظ على بشرته بدرجة اقل جفافاً، فينجو من الجلسرين بالفازلين. لحظات و يهدأ الجميع. ننسحب تحت الاغطية بما يشبه السباق. ليشرب (المقلب) من لم يزل خارج سريره حتى تلك اللحظة، فيكون ملزماً باطفاء النور و تلمس دربه الى سريره و هو يتذمر!! و مازالت تنبض بذاكرتي، تلك الحلوى المنزلية التي كانت تبتدعها امي بتقطيع الخبز المستطيل الى حلقات، ثم تقليها على الزيت و تسقّيها بشراب السُكر، و ربطات قصب السُكر التي كان يجلبها والدي من سوق الخضار ببحري، و كميات ضخمة من الطماطم التي كم احَب تناولها بدون تقطيعها، و صرت اقلّده في حبه للطماطم و طريقتة في تناولها. تلك الاشياء عندي أثمن من افضل هدايا الدنيا، ربما لأننا عشنا الطفولة (المنقرضة) التي يسهل ارضاؤها. لم نكن فقراء ولا موسرين و لم يكن الفرق عظيما بيننا و بين عموم سكان الحي. كنا من الطبقة الوسطى، أبناء الموظفين (الأفنديه) التي جار عليها الزمن فاندثرت و التحق القسم الاكبر منها الى فئة المعدمين، و ظلت اسرتي معلقة بخيط واهـِ.
لم تنتشر حينها في العاصمة مئات المحال لبيع الاطعمة الجاهزة و الحلويات المتعددة الانواع المصنّعة محليا و تلك المغلفة المستوردة، كما هو الحال اليوم، و لم يكن لدى الناس هذا الهوس بشراء الطعام الجاهز و إن توفرت كل المعلومات عن اضراره بالصحة و إن كان متاحا لهم إعداده بانفسهم بمواصفات صحية. و لكن مَن يقول لسباق التباهي توقف؟ يا لطيبة اولئك الامهات اللائي كن ربات بيوت مدبِرات، يصنعن كل المأكولات و المخبوزات بالقدر البسيط المتاح من امكانيات، ببراعة كبيرة و يرضين الصغار و الكبار. رحلت تلك الاجيال و تركت لنا الذكريات و التساؤلات المفتوحة عن فرادتهم التي دفنت معهم.

انطمست شتاءات التلذذ بالدفء و الوئام العفوي و مذاقات ثماره و حلوى أمي التي لن ترضي طموح أي من أطفال اليوم المنتقِدين (المتفقهين) في شتى اصناف الطعام، و تبدلت سحنة الحي باتساع فجوات الرزق و اساليب الوفاء بها و جَفّت الأواصر، و مازلت أهذي بالشتاء، و الدنيا بأسرها تتشهى الربيع!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ارتفاع حصيلة القصف الإسرائيلي على غزة إلى 140 قتيلا


.. مقتل 17 فلسطينيا معظمهم من الأطفال بغارتين على غزة


.. عامر البياتي : المحافظون طالبوا بايدن بالتوقف عن التفاوض غير




.. إيران/مصادر تستبعد التوصل إلى حل للاتفاق النووي قبل 21 مايو


.. فلسطين وإسرائيل.. التداعيات الإنسانية