الحوار المتمدن - موبايل


حجر في مستنقع القهر

سلمى مأمون

2013 / 3 / 14
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات


تتضور قضية انعتاق النساء الى عنصر "التضامن النسوي". لعل العقبة الاساسية حتى اللحظة ليست الذكر وحده و طواقم قوانينه و محاذيره، بل الانثى نفسها. فهي على نطاق واسع "منقلبة على ذاتها". وعيها مسيَّر بما ارتضاه لها الذكر، و ليس ما تختاره فهي في كثير من الاحيان تختار الاّ تختار! تختار الرضاء بما اختاره أولي الأمر. لذلك هي لم تصبح بعد مناصرة للانثى. كم من شواهد مؤسفة من مجريات علاقات النساء المعوّقة، لافتقارها للوضوح و الندية و استخدامها اساليباً تناحرية قاسية. و لا تسلم منها الأسر خاصة في الاوضاع المتأزمة الراهنة. و تشهد مثلها دوائر العمل، و بطلاتها نساء متعلمات، بل و أحيانا أرفع تعليم، و معظمها مع الأسف غير منصبّة حول أمور مهنية او احترافية بل تنافس حول سفاسف المظاهر و تنفيس عن المشاعر السلبية المكبوتة.
ليس نادراً أن نجد الأنثى لاتثق ولا تحترم الأنثى. لا تحبها و لا تشجعها على تطوير ذاتها و إبراز قدراتها و ما يميزها، بل إن أحست فيها بتلك الملكات سعت الى أن تبخسها و تقوضها. هي ليست دعامتها اوقات الازمات أو المنصفة لها، ليست ناقدتها الموضوعية، بل منافقتها و متملقتها أمامها ، ثم الشامتة و المتطرفة في عدائها وراء ظهرها، باختصار هي جلادها الاول، حتى إشعار آخر. و لعل المشكلة بالنسبة لهؤلاء ايمانهم بأن النموذج المثالي للنجاح و التميز و الجدارة بالاعجاب و الثقة و الدعم ليس انثى بل ذكر!
لقد سهّل هذا الوضع و يسهل باستمرار الاستخفاف بالنساء و اضعافهن بقدر متزايد، عبر توظيفه لشغلهن عن الأسباب الحقيقية لاهدار حقوقهن و الوجهة الصحيحة لتوجيه قدراتهن و طاقاتهن لانتزاعها......بينما تتمدد مستنقعات القهر!
و لكن، مادمنا نعيش في مجتمع يسوده التزمت و الجمود فان اساليب القهر المتمثلة في "التهييف" لقدرات المرأة و استبعادها عن المشاركة الحقيقية في التخطيط و المسؤولية و اتخاذ القرار، ستظل البيئة "مفرخة" لجيوش من النساء "قاهرات انفسهن" و نوعهن، صرف النظر عن مواقعهن في الحياة: إن تبوأن أعلى هرم التعليم و التخصص و التأهيل و الخبرات في شتى مجالات الحياة أو قبعن في ادناه. طالما هن "يطعن" و لا يفكرن لحظة قبل الانقياد للمخطط النمطي/ "خارطة الطريق" المعدة سلفاً لحياتهن. سوف يتألقن حينئذ في مدارات الاستهلاك و المظاهر البذخية و النميمة لضمان البقاء بداخل دائرة القبول الاجتماعي. و بالتالي، سيحذقن المسايرة و لا يصارعن. بالنتيجة قد جعلن من أنفسهن ادوات بيد ذات المجتمع المتأخر الذي يحاصرهن و داعمات لرسوخ بنائه الظالم لهن. نسمع قسم كبير منهن يواجهن مشقات العمل و المسؤولية بمقولات ذكورية "ليتنا لم نتعلم، ليتنا جلسنا بالبيوت" و يذكي المجتمع هذه الروح المرتدة بحلم "العريس اللقطة" خاتمة تشيؤها و مشقاتها في الحياة، الذي "سيلمها" و سيغرقها في سبل الراحة و يعفيها من العناء في دروب الوظيفة و التحصيل العلمي. و هاقد عدنا نسمع و بقوة من جديد مقولات على شاكلة: "طالما هو مريحها" و يتكفل بالصرف فلا داع للطموح العملي او الاكاديمي او اي طموح بالاساس فلتبق ببيتها تؤدي واجبات الزوجية و الأمومة، فهو/ زوجها "تكريمها" و محصلة كل الطموح و التحقق (هكذا!). و بتنا نراهن في قمة سنوات العطاء يتخدرن و يتساقطن عن دروب الجهد و العمل المثمر و "يقرن في بيوتهن" و تقبع شهاداتهن في أرفف النسيان. يربين الاطفال على ذات "المسلّمات" المنقرضة و يخسر المجتمع اعداداً متزايدة من العقول و السواعد المعوّل عليها أن تتفتح و تنتج في غمرة العمل و خوض الحياة. ينتقلن طوعاً من خانة المشاركة في احداث الفارق الى استهلاك المخزون النمطي من كل الانساق و اعادة انتاجه: اجيالا جديدة سناً فقط و لكنها "هَرِمة" معطوبة الوعي. اجيالا معادية للحاضر و لحركة التجديد و التطور.

حين تتمرد الانثى في مجتمعات الخرافة و النميمة فان أول من يستشعر الخطر في محيطها و يناصبها العداء ستكون انثى و ليس ذكراً. الأنثى أول مَن يُستفَز سلباً بالتمرد الأنثوي قبل الذكر. و ستندفع فوراً (للتصرف) و كأنها تملك تفويضاً بالتصدى و وضع المتاريس. و من ثم تطلق صافرات الانذار و تستنفر الذكور و تعلن الحرب و تجعلها مفتوحة كحروب الابادة. و في كثير من الأحيان تعفي الذكر من تلطيخ يديه بادران تلك المعارك، فهي اكثر براعة في ادارتها و حسمها لصالح الذكور - المجتمع. هي المبادِرة، و يا للمفارقة أن تبادر مَن تفشل المبادرة في أي شأن آخر يخصها يكون أنفع و أجدى لحياتها.
لقد كنت شاهدة ذات يوم على هروع امرأتين (مستنيرتين!) الى منزل صديقتهم المتقدمة في السن، التي توفي زوجها للتو و نما الى علمهن أنها لا تنوي ان "تنحبس" أي أن تلتزم بقضاء (العُدة). اختطفن حقائبهن اليدوية و هرعن الى بيتها كقوات التدخل السريع لاقناعها بالعدول عن رأيها. دهشت لتصرفهن. إن كان هذا حال المستنيرات فماذا نتوقع من الأميات؟ يبدو أنه لا أحد مستعد بعد "لتلقّي اللوم" على خرق السائد و إن تعارض مع روح العصر و ضرورات العمل و تحصيل الرزق.

مثال آخر على ما اقول، ما انبرت عمتي للقيام به، حين انفردَت بأبي محرضة اياه ليفرض علينا انا و اختي الأصغر ارتداء "التوب السوداني". و قد كانت اعمارنا حينها تتراوح بين 12 و 14 سنة. وهي السن المتفق عليها تقليدياً لاتخاذ تلك الخطوة. تم استدعاؤنا فمثَلنا و تصدّرَت هي المجلس، بنبرتها الصارمة: "دا كلام فاضي. كيف تسمح بالمسخره دي؟ البنات ديل عيب بعد كدا يحوموا بدون "توب" ! تدخلت والدتي، معترضة بأننا مازلنا صغيرات، ثم أن "التياب" باهظة الثمن، و الأجدى لوالدي تحقيق كفايتها هي و اخواتي الأكبر من التياب، بدلاً من اضافة عبء جديد. ظاهريا توافق أبي مع رأي عمتي، إلا أنه عملياً أسقطه. و هكذا دحرنا الهجمة بالعناد و كسبنا "الموقعة". لعب دوراً كبيراً في ذلك الفوز، أن المجتمع كان متسامحاً لا يعرف بعد "اللفافات البدوية" أو قوانين تقييد الحريات الشخصية و فرض زي بعينه، بل يتقبل الأزياء الأوربية جنباً الى جنب مع "التوب". عموماً، احتفظت عمتي بامتعاضها من "مظهرنا" و مظهر جميع شابات الأسرة اللائي تمردن على "الزي القومي" و ظلت تتصيدهن و تنتقدهن بشدة خاصة في المناسبات السعيدة، حتى فارقت الدنيا. أما عني و أختي فقد اتخذ الأمر حيزه الطبيعي، كخيار متروك لتقديرنا الخاص عندما نكبر.

مع الاسف جميع المتمسكات بل و المحرِّضات في هذا المجتمع، و حتى يومنا هذا، على استمرار ممارسة شنيعة مثل "ختان الاناث" و بعض الإجراءات الطبية "السرية" الأخرى التي تخضع لها الزوجة لامتاع زوجها و إن لم يطالب بها، هن الاناث! ليس ذلك و حسب بل تقف الانثى باستمرار في طليعة "المُصطَفّين" خلف الذكر ليمعن في اضطهاد نوع الاناث: ليتخذ زوجة ثانية نكاية في زوجته، أو لترهيبها بالتلويح بالطلاق لترضخ لأوامره، و هي أول من يتصلب في رفضه لفكرة زواج أي ذكر مِن امرأة مطلّقة أو تكبره سناً، و أول من يستنجد بالذكر لقمع أخواته و بناته ان عبرن او اظهرن شعوراً بذواتهن فخطر كبير أن "تحس الانثى بذاتها". تظل الانثى خير من يُفشِل الانثى، و أشرسهم في تجريدها من حقوقها و قيمتها و جدارتها و خير من يوظف المهارات و القدرات لتلك المقاصد. و كثيراً ما تتطوع الأنثى، الساهرة على كمال الاعراف المتحجرة و الانساق الجامدة، بدلاً من الذكر لخوض "معاركه"، لأن رضاءه في جميع الأحوال فريضة. فيزهو و يفرد ظهره الى خلفية المقعد، متفرجاً على (كائناته) – نتاجات قهره، و هي تزيح عن كاهله عبء التحكم، و "يراقبها" تفتك ببعضها البعض على خشبتة المنقرضة فيثلج صدره و تكتمل سعادته. ربما و الحال على ماهو عليه، بوسع الذكر ان ينتشي لكونهن يمنحنه التأكيد المستمرعلى ً انهن " ناقصات عقل الخ..."! لكن لن يحق له على الإطلاق أن يتوهم البراءة؛ فذاك التشوه صنيعه و انعكاسه المباشر في مرآة الواقع المنفصم.

كان و ما يزال "واجب" إخضاع الأنثى هو الدور التاريخي للذكر في مجتمعنا. و لكن المعضلة المتفاقمة تتمثل في وجود/ تنامي تلك الفئة من الاناث تكويناً، بينما هن ذكور موقفاً. إناث مسخّرات لضمان الجمود، يفدينه بالمُهَج و يُفلِحن في تعميق قمعهن/ قمعنا و سد كل منافذ التطور. تلك هي المعادلة الخبيثة التي تتم تغذيتها بالمقدس. تلك آفة نساء مستنقعات القهر التي نخوضها في هذه الحقب القاتمة. و هي ملخص همّنا الثقيل، الذي يقع على عاتقنا خلخلته و تفكيكه و تغييره.

يقيني أن ضَعف عنصر التضامن النسوي سبب جوهري لتأخر توحد النساء حول القضايا الكبيرة، و هو الحائل دون اطلاق طاقاتهن في العمل و التنمية و الابداع. و هو الوتر الذي يلزم كل مستنيرة و مستنير ان يجيدوا العزف عليه بدون كلل. ولن يكفي أو يجدي مجرد العزف و الغناء حتى، مع استمرارهم في تقبّل و مسايرة الترتيب السائد للامور على عواهنه. بل بالاستعداد لنقده و لتفكيكه و إحلاله بوجه جديد. و لن نضع كل ذلك موضع التأثير إن لم نبدأ بأنفسنا.

لو أن النساء و خاصة المستنيرات تعلمن أن يحببن بعضهن البعض. لو يحاولن نسج و تبادل الثقة لقصّرن الدرب الى التضامن المفقود.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حزب ماكرون يحظر امرأة مسلمة من الانتخابات بسبب الحجاب


.. اغتصاب فتاة النيل الأزرق يثير غضبا واسعا في السودان


.. How are LGBTIQ+ communities uniquely affected by crises such




.. أطفال خارج إطار الزواج.. ملائـكة بدون نسب!


.. حقوق النساء في تونس: هوة شاسعة بين القوانين والممارسات؟