الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


آيات الذكر الحكيم بين التفسير والتنبؤ

وليد الحلبي

2013 / 5 / 25
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مذ أصبح الإنسان عضواً عاقلاً في جماعة بشرية، بدأ يفهم معنى الزمن ويشعر به، وهو وإن تذكر ما مضى منه، وطالما أنه يعيش حاضره ويعرفه، إلا أن هاجسه كان يتمحور دائماً حول ما هو قادم من الزمن، أي أنه كان يدرك الماضي والحاضر، أما المستقبل، فقد استمر مجهولاً لا يدري عنه شيئاً، وبما أن المستقبل يمكن أن يأتي بما هو سيء من حروب وكوارث، كما يمكن أن يأتي بالسعد والخير الوفير، فقد شغف الإنسان بالتنبؤ به، رغبة منه في الاستعداد للسيء منه، فلا يؤخذ به على حين غرة، أو لكي تهدأ نفسه ويطمئن باله إلى سعادة مرتجاة، فظهر المنجمون والسحرة وضاربو الودع، وربما احتكر رجال الدين كذلك التنبؤ بالمستقبل، ولم يكن على العامة سوى الأخذ بما يقوله هؤلاء وهؤلاء، سواء صدقوه في العلن، أم كذبوه في السر. ولقد كان من حسن طالع هؤلاء الذين احترفوا التنبؤ بالمستقبل، أن بعضاً مما كان يقع من أحداث كان يتطابق بالصدفة مع ما تنبأوا به، فارتفعت مكانتهم الاجتماعية، ونالوا حظوة الحاكم، وربما انضم بعضهم إلى حاشيته. ومن أيام الطفولة، نذكر أن كبار السن في العائلة كانوا يحدثوننا عن كتاب تنبأ بما سيقع في المستقبل بشكل دقيق، وقالوا بأن اسمه (كتاب الجفر)، وكان يقال لنا أنه من تأليف الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، فكانوا كلما حدثت واقعة، قالوا بأنها قد ورد ذكرها في كتاب (الجفر)، حتى أنهم قالوا إن زوال إسرائيل، كما ذكر في ذلك المؤلَّف، سيكون بعد سبع إشارات: سبعة أشهر، أو سبع سنين، ولما لم تزُل دولة إسرائيل عام 1955، أي بعد سبع سنوات من قيامها، قالوا لنا بثقة: إذن سيكون ذلك بعد سبعين سنة، (كما ورد في الجفر طبعاً).
ومن المفيد هنا التمييز بين التنبؤات التاريخية التي جاء بها (نوستراداموس 1503- 1566م) وأمثاله، وبين التوقعات العلمية التي تحدث عنها ليوناردو دافنتشي، الذي توقع اختراع الدبابة والسيارة وطائرة الهليوكبتر، ووضع رسوماً لهذه المخترعات حفظتها الوثائق التي تركها، فنبوءات نوستراداموس صاغتها عقلية مغرقة في الخيال، بينما توقعات – ولا أقول تنبؤات – ليوناردو دافنتشي، صدرت عن ذهن علمي متميز. (تنبؤات نوستراداموس تشبه إلى حد بعيد التنبؤات التي وردت في كتاب الجفر، وربما كان ما ورد في الثاني مقتبساً عما ذكر في الأول). حتى في العصر الحالي، فقد كان لبعض رؤساء الدول، أمثال ريغان الأمريكي وفرانسوا ميتيران الفرنسي، متنبئوهم الشخصيون.
غير أن اللافت للنظر أن بعض مفسري القرآن الكريم، رغم أنهم قد قرأوا الآيات الكريمة (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو – الأنعام 59) (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء – الأعراف 188) ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله – النمل 165)، رغم ذلك، فقد أدلى هؤلاء بآرائهم في أن بعض الآيات الكريمة قد أنبأت بما سيحدث في المستقبل، أو أن العلم الحديث أثبت صحة بعضها مع أنها نزلت قبل أربعة عشر قرناً. غير أن ما يلفت النظر هنا هو أن هذه التفسيرات كانت تتغير بتغير الزمن، وتتطور بتطور العلم، فتسايره وتتماشى معه، فمن ذلك مثلاً الآية الكريمة: ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام – لقمان 34)، فالقدماء من المفسرين وقفوا عند قولهم بأن الله تعالى وحده هو الذي يعلم نوع المولود ذكراً أو أنثى، وبعد ظهور الأجهزة التي تستطيع تحديد نوع المولود، قال المفسرون المحدثون بأن الله لا يعلم فقط نوع المولود، بل يعلم كذلك ما ستكون عليه حاله في المستقبل: شقي أم سعيد، غني أم فقير، عالم أم جاهل، مؤمن أم كافر، إلخ... وعلى هذا المثال يقاس الكثير.
أما جوهر هذا المقال، فهو ينصب على الجدل الذي أثاره المفسرون للآيات الواردة في بداية سورة الإسراء (أو ما تعرف بسورة بني إسرائيل)، حيث يفسر المحدثون الآية رقم 7 والتي تقول (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا-الإسراء 7) {وهي الآية التي أغرم ياسر عرفات بترديدها}، يفسرونها بقولهم أن المسلمين سوف يدخلون المسجد الأقصى المبارك لكي يحرروه من اليهود، ويزيلون دولة إسرائيل من الوجود. وهنا يجب العودة إلى الآيتين الرابعة والخامسة من سورة الإسراء، اللتين تصفان التدمير الأول للمسجد (والمقصود به هنا هيكل سليمان وليس المسجد الأقصى)، إذ تقول الآيتان الكريمتان:(وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيرا -4- فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا-5-)، ففي هاتين الآيتين نجد الحكم الإلهي (وقضينا) على بني إسرائيل أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، والإفساد لا يكون إلا بالارتداد عن شرع الله والتنكر لأوامره، فيكون العقاب بأن يسلط الله عليكم – يا بني إسرائيل - قوماً أشداء يخربون دياركم بقسوة بالغة، وبتخريب شامل (فجاسوا خلال الديار)، هذه في المرة الأولى، أما في المرة الثانية، فبعد أن يعفو الله عنهم ويمدهم بأموال وبنين ويجعلهم أكثر نفيراً، يعودون لما كانوا عليه من فساد، فيعود الذين دمروا المسجد أول مرة لكي يدمروه مرة ثانية، وفي هذه المرة (ليتبروا ما علوا تتبيرا) أي ليدمروا الهيكل تدميراً كبيراً شاملاً لا تقوم له بعده قائمة. في نقاش هذه الآيات، يتبين أن:
1- الذين يدخلون المسجد مرة ثانية هم الذين دخلوه أول مرة (ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة)، والمقصود بالمسجد هنا هو هيكل نبي الله سليمان عليه السلام، ومعلوم أن المسلمين لم يدخلوا هيكل سليمان ويدمروه، فعندما فتح المسلمون القدس زمن عمر بن الخطاب عام 16 هـ (637 م) لم يكن الهيكل موجوداً فيها، إذن لا ينطبق على المسلمين جزء الآية (كما دخلوه أول مرة).
2- لم يعرف عن المسلمين عندما كانوا يدخلون مدينة ما، أنهم كانوا يدمرون مقدسات سكانها، إذ لو حدث ذلك، ما كنا لنجد هناك آلاف الكنائس ومئات الكنس في الأراضي التي فتحها المسلمون ما زالت قائمة إلى يومنا هذا.
3- الذين يدمرون المسجد في المرة الثانية هم قوم (أولي بأس شديد)، وأولي البأس الشديد عادة هم المقاتلون الذين لا يرحمون طفلاً أو شيخاً أو امرأة، بل يتبعون ضد عدوهم سياسة الأرض المحروقة، أما المسلمون، فقد عرف عنهم – خاصة في صدر الإسلام - أنهم لا يقاتلون إلا المسلحين من أعدائهم، هذا إن وقع القتال، وعنده لا يؤذون شيخاً أو طفلاً أو امرأة، ولا يقطعون شجرة، ولا يؤذون ناسكاً في صومعته، أو عابداً في معبده، كما أوصاهم بذلك أميرهم أبو بكر الصديق، كما لم يسجل تاريخ الحروب أن العرب المسلمين كانوا أولي بأس شديد، أو أنهم كانوا (يجوسون خلال الديار)، ولاحظ أن البأس هو البطش، وأن الجندي الذي يجوس خلال الديار هو كالوحش المفترس الذي يبحث عن فريسته في كل مكان لكي يبطش بها، وما كان العرب المسلمون كذلك، كما أن الفارق بين (الشجعان) و (أولي البأس الشديد) لا يخفى على من يفهم روح اللغة العربية. إذن جميع الصفات التي يتصف بها من سيدخلون – والأصح "دخلوا"- المسجد (الهيكل) مرة ثانية، لا تنطبق على المسلمين.
4- من المعروف أن البابليين، بقيادة نبوخذنصر، هم الذين دمروا الهيكل أول مرة عام 587 ق.م وسبوا اليهود إلى بابل (بل إن الكتاب المقدس يذكر بأن نبوخذنصر قد دمر الهيكل مرتين، وقد تكونان هما المقصودتين بـ (كما دخلوه أول مرة )، أي نفس البابليين). ولقد كان من سوء طالع اليهود أن القدس كانت تقع على الحافة الشرقية للنفوذ المصري الفرعوني، كما هي على الحافة الغربية لنفوذ ملوك ما بين النهرين، فدفعوا مراراً ثمن الصراع بين هاتين القوتين العظيمتين. وبعد أن تغلب الفرس على البابليين حوالي العام 538 ق.م. أصدر الملك كورش، ملك الفرس، ما عرف بـ(مرسوم كورش)، والذي بموجبه عاد اليهود من سبي بابل إلى القدس لكي يعمروا هيكل سليمان للمرة الثانية.
5- في عام 66 للميلاد، ثار اليهود على الحاكم الروماني في فلسطين، فقمعهم القائد الروماني "تيطس" ودمر الهيكل دماراً شاملاً عام 70م، وسويت القدس بالأرض، حسب قول المؤرخ اليهودي "يوسيفيوس" الذي عاصر تلك الفترة، فتفرق معظم اليهود في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وبقيت من اليهود أقلية في الأرض المقدسة، فكان هذا هو الخراب الثاني (فإذا جاء وعد الآخرة) أي المرة الثانية.
(يمكن الاستئناس بالرابط التالي حول خراب الهيكل الأول والثاني: http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=1667:2010-03-15-23-17-30&catid=270:2009-11-21-08-47-24&Itemid=125
6- ومن هنا يطرح السؤال المحرج التالي: ماذا كان من المتوقع أن يكون تفسير هؤلاء المشايخ للخراب الثاني للهيكل، لو لم تقم إسرائيل عام 1948؟. بمراجعة التفسيرات المدونة قبل عام 1948، لا يرد ذكر الخراب الثاني على أنه القضاء على إسرائيل، وهذا أمر بديهي.
7- قياساً على تفسير الآيات المذكورة بأنها تتنبأ بدخول العرب المسلمين فلسطين وإزالتهم دولة إسرائيل، يستشهد بعض الشيوخ بحديث "شجر الغرقد"، ذلك الشجر الذي سوف ينبه المسلمين الذين سيحررون فلسطين إلى وجود يهودي مختبيء خلفه، لكي يأتي فيقتله. أقول بأنه إذا لم تتمكن آلاف الطائرات والدبابات ومئات آلاف الجنود من حماية اليهود، فهل سيتمكن شجر الغرقد من فعل ذلك؟.
الملاحظات السابقة لم تكن تهدف إلى التطاول على شيوخنا الأجلاء وآراءهم في التفسير، بقدر ما كانت محاولة لتسليط الضوء على بعضٍ مما يجول في عقول علمائنا الأفاضل من تحميلٍ لآيات الذكر الحكيم أكثر مما يجوز لها أن تحتمل.
24 مايو 2013








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تصحيح وتعليق
فهد لعنزي ـ السعودية ( 2013 / 5 / 25 - 06:33 )
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اخي الكريم ان كتاب الجفر هو من تاليف الامام السادس للشيعة الاثاعشرية وهو الامام جعفر الصادق وليس تاليف الامام علي الا انه لا وجود له الآن.اما حول تفسير الآيات التي ذكرتها فهناك مفسرون يشاطرونك الراي بان الحادثتين انتهى وقتهما.اما ان شجر الغرقد سينادي المسلم بلسان فصيح يا مسلم ان ورائي يهودي هلم فاقتله هو ترف فكري ولا اسا س له من الصحة ولو يصح قول شجر الغرقد لقال يا احرار العالم ان ورائي ارهابي من الوهابية ومن جبهة النصرة وجند الله ( وما هم بذالك) وانصار الصحابة وعصائب الحق فهلم فاقتله. ان الذي تقوم به هذه العصابات المجرمة من قتل ابناء جلدتهم الناطقين بالشهادتين وتخريب في كل بقاع الارض فاق عدد الذين قتلهم اليهود على مدار التاريخ وما يجري في سوريا ـ ملجا العرب ـ من الاعمال الاجرامية يقل وصفه من اقل بانه عمل همجي بربري فاشي وباسم الدين الذي يؤمنون به.اما ما سميتهم بعلماء افاضل فجلهم جهلاء اسافل خونة مرتزقة يفتون حسب الطلب ولك في القرآوي وآل الشيخ في الجزيرة العربية حقيقة واضحة.الخزي للمحتلين الصهاينة والف نحية للعلماء المخترعين من اليهود والخزي للسفلة.


2 - فيما يتعلق بالمستقبل المجهول !..
iam hope ( 2016 / 9 / 5 - 04:26 )


هذا حدسي !! وليس أمنية !. ولاحلم طير في صابة قمح وماء معين !. ولا أطلاع على علم الغيب !. أنما حدس شخصي يحتمل يصيب !. وأحتمال يخيب !. لكن حدسي قاطع !! مهيب !. ورهيب !. حدسي يقول : --
(( .. سيحدث تصدع و صداام غريب من نوعه !. و رهيب جدا !. وغير مسبوق في التاريخ !. بين كتلتين تقيلتين عظيمتين فئتين من اليهود !. الصهاينة !. العالميين !. انفسهم !! فتتحفز سائر الامم العالمية الكبري و الصغري و.. ...الخ لالآنقضاض !. تأهبا لآلتهام اليهود !. و القضاء على اآمبراطوريتهم العالمية !. والى الابد !! أما سبب الصدام الرهيب والعجيب بين يهود العالم أنفسهم فهو كلمتان صغيرتان : (( المال !! والبنون !! )) أما كيف وأين ومتى ؟.. فالخبر اليقين عند اليهود أنفسهم !! . ))

اخر الافلام

.. إليكم مواعيد القداسات في أسبوع الآلام للمسيحيين الذين يتّبعو


.. مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي: عدد اليهود في العالم اليوم




.. أسامة بن لادن.. 13 عاما على مقتله


.. حديث السوشال | من بينها المسجد النبوي.. سيول شديدة تضرب مناط




.. 102-Al-Baqarah