الحوار المتمدن - موبايل


-الحرب على الإسلام - من وجهة نظر الفكر الثوري العربي الحديث

حاتم بريكات

2013 / 7 / 18
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


إنها (حربٌ على الإسلام)هكذا اجابني أحد المارّة عندما سمع نقاشي مع آخر عن ما يحدث في مصر , قلت في نفسي لقد أعطى نفسه إبرة المخدر ! نعم انها جملة التخدير الشهيرة التي نتقنها في منطقتنا ؛ لا يأتي بعد قولها أي تحليل للموقف ولا رغبة في العلم أو العمل وهذه الجملة أصبحت الطريق لاستحضار الراحة والتنصل من الواجب باتجاه الامة , بحيث يُظهر قائلها أن الحرب حرب عقدية هائلة لا يستطيع ان يغيّر فيها شيء , وهذا صك غفران لنفسه عن الدور المطلوب منه كفرد في المجتمع .
هذه الجملة سياسية لا أكثر صدَّرها السياسي للعامة للأسف ,والدليل أنها لا تظهر إلا في السياق السياسي على الأغلب ,و يتم اللجوء اليها تاريخياً فقط عند الحديث عن الدولة الدينية والخلافة و السلطة بشكل عام , واستغرب لماذا لا تظهر عندما تنخفض السمعة العامة للإسلام عند الستة مليار الباقون من غير المسلمين على الكرة الارضية بسبب الممارسات الغير اخلاقية التي يمارسها التطرف و التسلق باسم الدين ؟
- هل الحرب المفترضة على الإسلام خارجية أم داخلية ؟
احد التحليلات التي قد تجيب على سؤالنا يخص ماهية خطاب الحشد الجماهيري الذي تستخدمه تيارات الاسلام السياسي وهو بالمناسبة من النوع الكمي البعيد عن الايدولوجيا الواعية التي تغيّر بنية العقل , وللأسف فإن هذه التيارات لا تتقن سوا هذا النوع , والحشد من الناحية الكيفية نوعان أيضا أولهما الحشد القابل للفض أو الحل بعد زوال سببه وعادة ما يستخدم في جميع حقول السياسة الوضعية بحيث يتوائم مع تغيُّر الحال السياسي من وقت إلى آخر , أما النوع الثاني من الحشد هو ذاك المربوط بالموت والآخرة وهو سهل التكوين صعب الحل , وهنا تكمن الخطورة , بحيث يتحول الحشد من هذا النوع إلى كيان سياسي لا يقبل المرونة السياسية , ولو جاء السؤال عن صانع هذا الحشد السلبي لكان الجواب :إنه المتدين السياسي غالباً ! كيف لا وهو الوحيد الذي يملك المصداقية الاجتماعية بشفعة أنه أكثر موصلية بين الارض والسماء بالتالي فإنه يتحول الى ناطق رسمي باسمها في ذهنية العامة والبسطاء.

هنا ظهر أحد أوجه الخلل في خطاب هذه التيارات من ناحية التكوين بحيث أن الاجابة عن سؤالنا السابق تثبت لنا أن سوء الطالع الذي يعاني منه الإسلام السياسي في الشرق الأوسط هو أحد نتائج خطابه الصلب الذي يخلق داعمين فعلياً , ولكنهم في حالة تشنج فكري , ولكي نحاول أن نصل إلى تمام الإجابة سنتجه إلى مصر التي سنعتبرها مختبرنا الذي سنستخلص من النتائج اجتهاداً .
ما بين 25 يناير و 30 يونيو هناك دلالة تحليلية لهذين الحدثين المهمين , فالمدة القصيرة بين الثورتين جعلت المواطن المصري في حالة استحضار دائم لأخطاء 25 يناير ,ولم يملك سوى تجنبها في 30 يونيو وهذا مهم على مدى الذاكرة القصيرة في علم الشعوب , و لن ننسى أن تجارب هذا الشعب أصبحت أكثر , فقد جرّب معظم الاطياف والألوان السياسية منذ النظام الملكي الى اليوم , وعدة عمليات تدريب وتنقيح وتحسين في الخيار والخبرة ستفضي بما لا يدع مكاناً للشك إلى خيار أكثر نجاعة من كل ما فات , وهذا ما تؤكده نظريات نمو المجتمعات من ناحية أن الشعوب ستصل حتما الى الحضارة والرقي في الاختيار مهما كانت الظروف التي مرت بها , نمواً اجبارياً تحكمه النظريات العلمية .
- ما دور الخبرة التي اكتسبها الثائر المصري على حكم الاسلام السياسي ؟
الخبرة العالية التي تميز بها الثائر المصري أظهرت الجزء الآخر التطبيقي في فشل الخطاب الديني السياسي ,وأثبتت أن الحرب عليه هي من داخله , فقد زج بنفسه باستخدام سياسة تجييرالنصوص الشرعية و محاباة جيوب الجهل والفقر والتي لا تصلح في الوقت الذي أصبح فيه الشعب المصري أكثر قدرة على الاختيار وعرف طريق الميادين جيداً.
انعكست هذه الخبرة عند الثائر المصري وعلى فهمه للنص الشريف وجلب الفهم الأقرب للواقع و الحقيقة , حيث فُضح أمر استخدام التمويه في المناسبة والدلالة والمضمون وإسقاط الخاص على العام واستثناء المناسبات والظروف التي تلازم النص , فعندما يستدل احد قادة الاسلام السياسي في الاردن (م.ك) بهذه الاية من سورة المائدة تعليقاً على ما حدث مع جماعته في مصر يوم 3-7-2013 ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ-;---;-- ذَٰ-;---;--لِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ-;---;-- وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )) ستعرف عزيزي القاريء سبب الفشل السياسي لهذا التيار بإجابتك عن هذه الأسئلة :من هم الذين يحاربون الله والرسول في المشهد المصري حسب الاية الكريمة ؟ ومن الذين ستقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ؟!

لذلك لم تكن الثورة المصرية ثورة ميادين ولا انقلاب ولا ثورة مصر لوحدها , انما ثورة جاءت من داخل العقل واستدعت إعادة النظر في الخطاب الديني السياسي كما واستدعت ذلك العقل الناقد الذي يكسر كل التابوهات التي صنعها هذا الخطاب .
ولو أردنا استعراض مصطلحات هذا الفكر السياسي لوجدنا أن هناك أزمة ايضاً , فمصطلحهم الأبرز هو " الخلافة " وهو مشروع يحتاج إلى تفسير قَبلي لعدة مفردات بشكل عملي وليس كشعار مثل : الأمة و الجغرافيا و القُطر والاتصالات وغير المسلمين و الحرب (الجهاد) والأعداء والأصدقاء , حيث لا يوجد تعريف متفق عليه بالمعنى الذي يصلح لتأسيس الدولة .
لقد آن الأوان لتيارات الإسلام السياسي أن تعيد النظر بخطابها وتطبيقاته , وأن تبتعد عن "التسويق الديني " لمشروعها , فتناقض خطاب بشري مع آخر بشري مثله أمر طبيعي , لكن الكارثة أن يتناقض خطاب سماوي صحيح مع خطاب بشري مصالحي عند التطبيق , وهذا سبب التآكل الهائل لشعبية هذه التيارات .
التجربة تقول لهم : السياسة تعني التوافق ولم يذكر أبداً عن طوائف دينية اتحدت بعد تمايزها , هل سمعتم عن طائفة تُصدِّر خطابَ المقاربة والاندماج مع طائفة أخرى ؟ لم ولن تسمعوا لأن طبيعة التدين تقوم على ربط فكرة الايمان بالمعتقدات النسبية , بالتالي فحكم معتقد ديني لن يحصل على التوافق اطلاقاً لأن التوافق على العقيدة أمر في غاية الصعوبة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شعائر صلاة الجمعة من الجامع الأزهر الشريف | الجمعة 23 أكتوبر


.. فرنسا | تجمع للجالية المسلمة أمام مدرسة المعلم الذي قتل ذبحا


.. بين سام وعمار: الفاتيكان يحاكم رجاله لا?ول مرة في التاريخ..




.. أين الحكام المسلمون عن تصريحات ماكرون المتكررة ضد الإسلام؟


.. خالد المالك يكشف لـ -سؤال مباشر- محاولات اختراق -الإخوان- لل