الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


دروس الربيع العربي

منعم زيدان صويص

2013 / 8 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


برهنت الأحداث في البلدان العربية غير المستقرة خلال ما يقرب من ثلاث سنوات أن الإسلام السياسي قد فشل وأن موقف الشعوب العربية من الحركات السياسية المبنية على أساس ديني قد تغير بوضوح، في ما يشبه الصحوه، بعد أن اكتشفت أن النظرية تختلف عن التطبيق وأن العواطف والمبادىء المثالية لا تُطعم الجياع ولا تصنع التقدم والرقي. ولا شك أن الفقر كان من العوامل المهمة جدا في ثورات الشعوب العربية، ولو لم يكن كذلك لرأينا ثورات مماثلة في الدول الخليجية. ولكن من الصحيح ايضا القول أن ما حصل كان خطوة أولى لا بد منها لانتشار الحرية السياسية والإجتماعية والفكرية المنضبطة، كما هي في دول العالم المتقدم، رغم أن هذا سيستغرق وقتا حتى يترسخ في عقول الناس وضمائرها. ويظهر أن هناك معارضة شديدة للإسلام السياسي بين الناس العاديين حتى أنهم يفضلون حكم الجيش على حكم الإسلاميين، لدرجة أنهم مستعدون أن يضحّوا حتى بالديمقراطية في سبيل ذلك.

لقد توقع العديد من المثقفين والسياسيين هذا الفشل حتى أنهم أرادوا للإسلاميين أن يحكموا حتى يثبتوا أنهم غير قادرين على الحكم وأنهم سيفشلون. ومن ضمن هؤلاء هذا الكاتب في مقالة على موقع الحوار المتمدن: "دعوا الإسلاميين يحكمون" بتاريخ 8 شباط 2012، والمفكر التونسي الكبير المرحوم العفيف الأخضر في مقاله: "دعوا أقصى الإسلام السياسي يحكم" بتارخ 16 تشرين أول 2011 على نفس الموقع. غير أن هؤلاء لم يستغلوا هذا الفشل لمصلحتهم حتى الآن ولم يصعّدوا مطالبهم بتبني العلمانية والتي بدونها لن ينجح أي حكم الديمقراطي، ولم يطالبوا بفصل الدين عن الدولة وسن قوانين تمنع تأسيس أحزاب سياسية على أسس دينية.

إن الأحداث الحالية في مصر وتونس والإغتيالات السياسية التي ينفذها السلفيون هي خير دليل على إكتشاف غالبيه الشعوب أن حكما إسلاميا مستقرا وناجحا هو شبه مستحيل، فقد كشفت التحقيقات في تونس أن الإسلاميين المتطرفين هم الذين إغتالوا بلعيد والبراهمي، الذى كان قال لحزب النهضة بكل صراحة وبشجاعة نادرة أن ربحم للإنتخابات لا يعني حكما ابديا لهم. ففي خطاب له في البرلمان قال: "تـعلمون جميعا أن الإنتخابات هي إجراء ديمقراطي لا محالة، ولكنها صورة فوتوغرافية، محددة في الزمان والمكان. ومن يحاول أن يؤبّد هذه الصورة لا يفهم التاريخ ولن يفهم التاريخ. الأغلبية التي منحكم الشعب إياها يوم 23 أكتوبر هي محدودة في الزمان والمكان، فإن اردتم الإستناد عليها لكي تمرروا ما تريدون في هذا الدستور وتمرروا آراءكم وفق منهج ومنطق إستبدادي فهذا لا يمكن أن يمر بأي شكل من الأشكال. الثورة لا تزال مسارا مستمرا، ولعل ما يحدث في مصر الآن خير مثال لمن لا يريد أن يعي التاريخ. وبهذه المناسبة أحيي شعب مصر العظيم،" الذي "إعاد الأمور إلى نصابها بعد أن كادت تُسرق منه ثورته المجيدة."

المسالة التي يجب أن يركز عليها المثقفون وقادة الرأي هي ليست فشل الإسلاميين في الحكم بحد ذاته وإنما العمل على سن قوانين تمنع الأحزاب المبنية على أسس دينيه، مهما كانت فلسفتها ومهما إدعت قبولها للديمقراطية، من ممارسة السياسة لأن ذلك معناه التشظي والفرقة ناهيك عن التأخر والفشل في إدارة الأوطان. لا يمكن للسياسيين أن يُضفوا على مبادئهم وأفكارهم السياسية صفة القداسة لأنها من صنع الإنسان، خاضعة للتغيير والتبديل حسب التغييرات التي تطرأ على مصالح الأمم، أما المبادىء الدينية فمن غير المفترض أن تتغير لأنها مقدسة وإذا أجبرت الأمم على تغييرها أضرت بالدين ومبادئه وأحدثت بلبلة في المجتمع. إن فصل الدين عن السياسة سيحمي ويثبّت إيمان الناس ويمنع الإساءة للدين.

إن ما يحصل في مصر وتونس وسوريا والعراق وغيرها من البلدان العربية والأسلامية ناتج عن إستغلال الدين لأغراض سياسية من قبل السياسيين الذين لا يهمهم أبدا سوى تحقيق مكاسب سياسية على حساب السياسيين الآخرين. البعض يقول بان قوى خارجية هي التي تتآمر على المنطقة لتقسيمها. فلو سلمنا بصحة ذلك فعلينا أن نسأل عن العوامل التي تستغلها هذه القوى لتحقيق أهدافها. والإجابة واضحة، فليس هناك شيء تستغله أخطر من خلط الدين بالسياسة واستغلال الفوارق بين هذا المذهب وذاك، ونكء جروح الماضي السحيق ونشر الفرقة والكراهية بين أبناء الوطن الواحد.

في العقد الأول من هذا القرن، ظهر عدد من رجال الدين المستنيرين في العالم العربي يدعون إلى فصل الدين عن السياسة، ومعظم هؤلاء تبنوا هذه الفكرة، ليس فقط لإنهاء الإنقسامات والخلافات بين الشعوب العربية والإسلامية وإنما للحفاظ على الدين من التشوهات في هذه المنطقة وفي العالم، وخاصة بعد هجوم القاعدة على نيو يورك عام 2001 وتشوّه صورة الإسلام في الغرب. وكان من أوائل هؤلا ومن أهم المتحمسين لهذا المبدأ رجل الدين الشيعي العراقي الشاب إياد جمال الدين. ويظهر أن جمال الدين كان يتوقع، منذ 2003، أن تؤلف الحكومة العراقية تحت الإحتلال الأمريكي على أسس طائفية ونظام الكوتا وتنبأ بأن هذا التقسيم الطائفي سوف يدمر أية محاولة لتبني النظام الديمقراطي في المستقبل وينتج عنه ما نراه الآن من نزاعات وانقسامات ومذابح في العراق. فبعد أيام من الغزو الأمريكي للعراق عقد في بغداد مؤتمر حضره عدد كبير من الزعماء السياسيين وممثلي القبائل، وفي هذا المؤتمر وقف جمال الدين واقترح على المجتمعين أن يتبنوا مبدا فصل الدين عن السياسة، وذلك، كما قال، إحتراما للدين وحفاظا على نقائه. ولكن أحد الحضور أجاب على الإقتراح، مستهزئا، بالقول بأن جمال الدين "يحلم." جمال الدين هو عضو في البرلمان العراقي ولكنه يقول بأنه عضو بصفته سياسي وليس كرجل دين، فالدين عنده "مسألة شخصية." يقول جمال الدين أنه لا يمكن للعراق أن يحكم إلا بطريقة علمانية، وهذا ينطبق على معظم البلاد العربية، لإختلاف الأعراق والطوائف.

يمكن أن يؤسس حزب يسمي نفسه إسلامي ولكن هكذا حزب يجب أن يحكم على أسس ومبادىء علمانية، كالحزب الإسلاميي الذي يحكم تركيا، فرجب طيب أردوغان يدعي، على الأقل، بأن حزبه علماني ويعامل بالمثل كل الأديان وحتى الملحدين في تركيا. وهناك بعض الأحزاب في الغرب تسمي نفسها مسيحيه، مثل الحزب الديموقراطي المسيحي في المانيا، ولكنها مسيحية فقط بالإسم ولا يطبق أي منها مبادىء الدين المسيحي، ولا نتصور أن أيا منها يعلّم أتباعة أن "من ضربك على خدك الأيمن حول له الآخر،" على سبيل المثال.

إن خلاص الشعوب في هذه المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا بإنها التعصب وبتناسي الخلافات المذهبية والدينية، والتركيز على العيش المشترك والإستقرار والتقدم، فهل ستتداعى النخب في العالم العربي والإسلامي للعمل من الآن على نشر هذه الأفكار بين الناس وإقناعهم بأن زج الدين في الحكم والسياسة في هذا العصر المتطور سيخلق دولا فاشلة وعدم إستقرار مدمر؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - أسلأم ...وديمقراطية
الأشورية _من أرض أشور _ العراق ( 2013 / 8 / 6 - 21:36 )
للأسف حضرتك تحرث في البحر ,وتعرف علم اليقين بحور أكثرية الشيوخ وأصحاب العمائم ومعهم تلأميذهم وتربية أيديهم(ا الملتحيين وأصحاب الزبيبة ) بحورهم عميقة جدا وكل ثورة وتغيير للديمقراطية مصيرها الغرق للقاع ولأسفل السافلين...

اخر الافلام

.. 141-Ali-Imran


.. 142-Ali-Imran




.. 144-Ali-Imran


.. 145-Ali-Imran




.. 146-Ali-Imran